ترك برس

تختزن المدن العريقة بين أزقتها ومبانيها شواهد تحكي فصولاً من تاريخ الشعوب، وتكشف ملامح الحضارات التي تعاقبت عليها، فيما تتحول بعض معالمها إلى ذاكرة حية تحفظ أحداثاً مفصلية أسهمت في تشكيل حاضرها. وفي مدينة أرضروم شرقي تركيا، تتجاور القلاع التاريخية والمدارس الإسلامية والمنازل التي احتضنت شخصيات وأحداثاً بارزة، لترسم صورة غنية عن إرث المدينة ومكانتها في التاريخ التركي.

وتقدم أرضروم لزوارها تجربة تجمع بين استكشاف العمارة التاريخية والتعرف على محطات من تاريخ الجمهورية التركية، من خلال معالم بارزة، في مقدمتها متحف منزل أتاتورك، وقلعة أرضروم، ومدرسة ياكوتية التي تحتضن متحف الآثار الإسلامية التركية والإثنوغرافيا. ولا تمثل هذه المواقع مجرد أبنية قديمة، بل تشكل سجلاً مفتوحاً يوثق مراحل سياسية وعسكرية وثقافية وفنية متعاقبة.

منزل أتاتورك.. شاهد على تأسيس الجمهورية

في قلب مدينة أرضروم، يقف منزل أتاتورك متحفاً يستعيد واحدة من أهم المحطات في مسيرة الحركة الوطنية التركية، إذ احتضن أعمال مؤتمر أرضروم عام 1919، الذي أسهم في وضع أسس الكفاح الوطني بقيادة مصطفى كمال باشا، مؤسس الجمهورية التركية.

ولا يُعرف على وجه الدقة تاريخ تشييد المبنى، لكن التقديرات تشير إلى أنه يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر. واستخدم المنزل، خلال عامي 1915 و1916، مقراً للقنصلية الألمانية لنحو تسعة أشهر، قبل أن يُخصص عقب تحرير أرضروم في 12 مارس/آذار 1918 لإقامة والي المدينة.

وأقام فيه الوالي ماهر أكايا حتى 3 يوليو/تموز 1919، ثم غادره، ليصبح المبنى شاهداً على مرحلة جديدة مع وصول مصطفى كمال باشا إلى أرضروم، عقب مغادرته إسطنبول وتوجهه إلى الأناضول لقيادة الحركة الوطنية.

وفي 9 يوليو/تموز 1919، انتقل مصطفى كمال باشا إلى المنزل برفقة حسين رؤوف بك وعدد من رفاقه، وواصلوا فيه العمل على التحضيرات الخاصة بمؤتمر أرضروم حتى 29 أغسطس/آب من العام نفسه، على مدى 52 يوماً. ومنذ ذلك الحين، اكتسب المبنى مكانته التاريخية في مسيرة تأسيس الجمهورية التركية.

وشهد المنزل خلال تلك الفترة أحداثاً مفصلية، من أبرزها استقالة مصطفى كمال باشا من الخدمة العسكرية في 8 و9 يوليو/تموز 1919، وبدء حياته المدنية، فضلاً عن نقل قيده السكاني من مدينة سالونيك إلى أرضروم. كما شهد ترشيحه للانتخابات البرلمانية عن المدينة وفوزه للمرة الأولى بعضوية مجلس المبعوثان، وتوليه رئاسة مؤتمر أرضروم بصفته مندوباً عنها.

ومن هذا المنزل أيضاً، تولى مصطفى كمال باشا رئاسة الهيئة التمثيلية التي شاركت في مؤتمر سيواس، فيما تشير الروايات التاريخية المرتبطة بالمكان إلى أنه تحدث، خلال أعمال مؤتمر أرضروم، عن شكل نظام الحكم الذي ستتبناه البلاد بعد تحقيق النصر. فقد أملى على محمد مفيد كانسو ملاحظات تضمنت قوله: «بعد النصر، سيكون شكل حكومتنا هو الجمهورية»، في إشارة مبكرة إلى مشروعه السياسي للمرحلة المقبلة.

وبعد مغادرة مصطفى كمال باشا أرضروم، عاد المبنى إلى استخدامه مقراً لإقامة الوالي. وعندما زار أتاتورك المدينة في 13 سبتمبر/أيلول 1924، عقب إعلان الجمهورية، قدم إليه رئيس البلدية ناظف بك مفتاحاً ذهبياً صاغه أحد صاغة المدينة، إلى جانب سند ملكية المنزل، هدية باسم أهالي أرضروم.

وبين عامي 1920 و1934، خُصص المنزل لإقامة قادة الفيلق العسكري في أرضروم، ثم انتقلت ملكيته بعد وفاة أتاتورك إلى شقيقته مقبولة بويسان. وبعد وفاتها، وبناء على رغبتها، نُقلت ملكية المبنى في 12 أكتوبر/تشرين الأول 1944 إلى مؤسسة حماية الطفل، التي استخدمته حتى عام 1980.

وفي 8 مايو/أيار 1984، انتقلت ملكية المبنى من وزارة الصحة إلى وزارة الثقافة، ليُرمم ويُفتتح في 3 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه متحفاً تابعاً لإدارة المتاحف في أرضروم، تحت اسم متحف منزل أتاتورك.

ويتكون المبنى من طابق سفلي وطابق أرضي وآخر أول، إضافة إلى طابق علوي تحت السقف. وتعرض غرفه وثائق وصوراً ومقتنيات مرتبطة بشخصيات الحركة الوطنية، بينها قاسم قره بكير ورؤوف دينتش وقاسم يوردالان. كما تضم إحدى الغرف آلة الطباعة التي استُخدمت في طباعة صحيفتي «أنوار شرقية» و«ألبيراق»، المعروفتين بدورهما خلال مرحلة الكفاح الوطني، إلى جانب بيانات مؤتمر أرضروم.

وفي الطابق الأول، تُعرض صور أعضاء المؤتمر وسيرهم الذاتية، فيما تتيح غرف العمل والاستقبال والنوم للزائر التعرف على طبيعة الحياة داخل المنزل خلال تلك المرحلة التاريخية.

قلعة أرضروم.. حصن المدينة ورمزها التاريخي

على مقربة من مركز المدينة، تبرز قلعة أرضروم بوصفها واحدة من أبرز المعالم التي ترمز إلى تاريخها العريق. ويعود تاريخ بنائها إلى القرن الخامس الميلادي، بالتزامن مع نشأة المدينة، وتتألف من قلعة داخلية تحيط بها قلعة خارجية.

وشهدت القلعة إضافات معمارية خلال العهد السلجوقي، وتحديداً في القرن الثاني عشر خلال حكم إمارة سالتوق، ومن أبرزها مسجد القلعة ومئذنة «تِبسي»، اللذان يعدان من أقدم المنشآت التركية في أرضروم.

ويتميز مسجد القلعة بطراز معماري يجمع بين خصائص المسجد والضريح، ما يمنحه طابعاً فريداً بين المباني التاريخية في المدينة. أما مئذنة تِبسي، فلم يقتصر دورها على كونها مئذنة للمسجد، بل استُخدمت أيضاً برجاً للمراقبة، بما يعكس الأهمية الدفاعية والاستراتيجية للقلعة.

وفي الجهة الجنوبية من القلعة، توجد نافورة حجرية تحمل نقشاً كتابياً داخل قوس مدبب، تضيف إلى المشهد المعماري للموقع تفصيلاً تاريخياً آخر.

ومنذ عام 2000، شهدت القلعة أعمال تنقيب علمية على فترات متقطعة، أسفرت عن الكشف عن أجزاء ومرافق مختلفة داخلها، فضلاً عن العثور على قطع فخارية ومجموعات من اللقى الأثرية الصغيرة، ما ساعد على توسيع المعرفة بتاريخ الموقع ومراحل استخدامه.

مدرسة ياكوتية.. تحفة معمارية تحتضن التراث الإسلامي

ومن أبرز المحطات الثقافية في أرضروم مدرسة ياكوتية، التي تحتضن متحف الآثار الإسلامية التركية والإثنوغرافيا، وتقع في مركز المدينة. وتعود المدرسة إلى العهد الإيلخاني، إذ شُيدت عام 1310 ميلادية، في عهد السلطان أولجايتو، على يد جمال الدين خوجة ياكوت الغزاني، تكريماً للسلطان غازان خان وبولوغان خاتون، وفقاً للنقش الموجود على بوابتها الرئيسية.

وتتميز المدرسة بتصميم مستطيل، وفناء داخلي مغلق، وطابق واحد، فيما يقوم مخططها المعماري على أربعة أواوين، رغم أن ثلاثة منها تظهر بوضوح في توزيع المبنى. كما يضم جناحها الجنوبي مصلى، تتوسط جدرانه لوحتان رخاميّتان تحملان نصوص الوقف، بينما يوجد ضريح عند نهاية الجناح الشرقي، لكنه لا يحتوي على قبر.

وتتجلى أبرز ملامح المدرسة في واجهتها الغربية، حيث تتوسطها بوابة رئيسية ضخمة مزينة بنقوش نباتية وهندسية وتصويرية وكتابات. وتضم الزخارف البارزة أشكالاً رمزية، بينها شجرة الحياة، وشخصيتان من فصيلة النمور تتقابلان أسفلها، إلى جانب نقش نسر ذي رأسين في الجزء العلوي، وهو من العناصر الفنية المعروفة في العمارة التركية الإسلامية.

كما تتميز الواجهة بمئذنتين عند طرفيها، تعرضتا لأضرار في أجزاء منهما، فيما تعلوهما أغطية مخروطية. ويظهر في تصميم المبنى اهتمام واضح بالتوازن بين البوابة البارزة والعناصر المعمارية المحيطة بها، بما في ذلك الضريح الذي يحقق الانسجام في التكوين العام.

وتجمع المدرسة بين الطراز المعماري السلجوقي والتقاليد الفنية للعهد الإيلخاني، وتكشف زخارف واجهتها وأبواب حجراتها، فضلاً عن الزخارف الخزفية لمئذنتها، عن المكانة التي حظي بها الفن خلال الفترة التي شُيدت فيها.

وكانت المباني التي أُضيفت في محيط المدرسة قد حجبت أجزاء من معالمها، إذ استُخدمت المنطقة المحيطة بها حتى فترة قريبة كثكنة عسكرية. وخلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، أُزيلت المنشآت اللاحقة المحيطة بها، وأُعيد تنظيم محيطها لإبراز قيمتها المعمارية.

واستمرت أعمال ترميم المدرسة بين عامي 1984 و1994، قبل أن تُفتتح في 29 أكتوبر/تشرين الأول 1994 متحفاً للآثار الإسلامية التركية والإثنوغرافيا، تابعاً لإدارة متاحف أرضروم.

ويضم المتحف مجموعات متنوعة تعكس جوانب من الحياة الثقافية والفنية في المنطقة، تشمل حلياً وملابس نسائية، وحلياً وإكسسوارات رجالية، وأحزمة، ومصنوعات نحاسية، وأسلحة، وأختاماً وعملات معدنية. وتُعرض هذه المقتنيات داخل حجرات المدرسة التاريخية، في تناغم بين محتويات المتحف والطابع المعماري للمبنى.

وهكذا، تتيح زيارة هذه المعالم الثلاثة التعرف على جوانب متعددة من هوية أرضروم؛ فمنزل أتاتورك يستحضر مرحلة مفصلية في تأسيس الجمهورية التركية، وقلعتها تختصر قروناً من التاريخ العسكري والعمراني، فيما تحفظ مدرسة ياكوتية إرثاً فنياً وثقافياً من العهد الإيلخاني. وبين هذه المواقع، يجد الزائر نفسه أمام صفحات متتابعة من تاريخ المدينة، تتكامل فيها الذاكرة السياسية مع العمارة والتراث والحياة الاجتماعية.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!