ترك برس

في عالم تتزايد فيه الحروب وتتراجع فيه قدرة المؤسسات الدولية على حماية المدنيين، أعاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان طرح تساؤلات جوهرية حول جدوى النظام العالمي القائم، في ظل استمرار سقوط الأطفال والنساء ضحايا للنزاعات، وعجز المجتمع الدولي عن وضع حد للمآسي الإنسانية، وفي مقدمتها ما يجري في قطاع غزة.

وخلال كلمته في منتدى «TRT World Forum 2026» بمدينة إسطنبول، الذي انعقد تحت شعار «عالم بلا مركز: من يقود عندما تفقد القواعد صلاحيتها؟»، وجّه أردوغان انتقادات حادة للنظام الدولي، معتبراً أن المبادئ والقواعد التي يُفترض أن تحمي الإنسان باتت تُنتهك أمام أنظار العالم.

غزة تكشف أزمة النظام الدولي

ووضع أردوغان مأساة قطاع غزة في قلب حديثه عن اختلال موازين العدالة الدولية، مشيراً إلى أن الهجمات الإسرائيلية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 أودت بحياة نحو 75 ألف فلسطيني، معظمهم من النساء والأطفال، وأصابت نحو 176 ألفاً آخرين، وفق الأرقام التي أوردها في خطابه.

واعتبر أن حجم المأساة لا يقتصر على أعداد الضحايا، بل يمتد إلى تدمير المنازل والمستشفيات والمدارس، وحرمان ملايين المدنيين من مقومات الحياة الأساسية.

وتوقف الرئيس التركي عند الظروف الإنسانية القاسية التي يعيشها سكان القطاع، من نقص الوقود والمعدات الطبية إلى القيود المفروضة على دخول المساعدات، مشيراً إلى اضطرار أكثر من مليوني مدني للعيش في ظروف بالغة الصعوبة.

وفي مواجهة هذه المشاهد، طرح أردوغان تساؤلاً مباشراً حول المبررات التي يمكن أن تُستخدم لتسويغ قصف الخيام والمستشفيات والمدارس ومنازل الأطفال الأبرياء، أو إجبار المدنيين على النزوح من أراضيهم.

حين تعجز المؤسسات عن حماية الإنسان

ولم تقتصر انتقادات أردوغان على ما يجري في غزة، بل امتدت إلى أداء المؤسسات الدولية التي يفترض أن تضطلع بمسؤولية حماية المدنيين ومنع الانتهاكات.

واعتبر أن الصمت والعجز أمام المآسي الإنسانية يضعان مصداقية النظام الدولي موضع تساؤل، خصوصاً عندما تتحول القوانين والمبادئ المعلنة إلى نصوص لا تجد طريقها إلى التطبيق.

كما حذّر من تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، مشيراً إلى تسجيل آلاف الانتهاكات ضد الفلسطينيين خلال أكتوبر الماضي، في ظل استمرار محاولات تهجير السكان من أراضيهم.

تركيا تدعو إلى تحويل العدالة من شعار إلى فعل

وفي مقابل انتقاداته للوضع الدولي، أكد أردوغان أن بلاده لا تكتفي بالدعوة إلى بناء عالم أكثر عدلاً وحرية، بل تسخّر إمكاناتها للمساهمة في تحقيق هذا الهدف.

وقال إن تركيا تبذل كل ما في وسعها لدفع الحلول السلمية للأزمات الممتدة من فلسطين واليمن إلى السودان وأوكرانيا، مشدداً على استمرار المساعي الدبلوماسية الرامية إلى وقف الحروب والحد من تداعياتها الإنسانية.

وأكد أن أنقرة لن تتراجع أمام محاولات تشويه صورتها أو عزلها دولياً، وأنها ستواصل تحركاتها الداعية إلى تحقيق السلام والاستقرار.

سؤال يتجاوز غزة

وحملت كلمة أردوغان رسالة تتجاوز حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لتضع مستقبل النظام الدولي نفسه أمام اختبار أخلاقي وسياسي: كيف يمكن الحديث عن عدالة عالمية بينما يعجز هذا النظام عن حماية المدنيين، وفي مقدمتهم الأطفال، من القتل والتشريد والجوع؟

وبين الدعوات المتكررة إلى احترام القانون الدولي واستمرار المآسي الإنسانية، أعاد الخطاب تسليط الضوء على الفجوة بين المبادئ التي تأسس عليها النظام العالمي والواقع الذي تعيشه الشعوب المتضررة من الحروب.

فالسؤال الذي يفرضه المشهد، وفق الزاوية التي تناولها أردوغان، لم يعد متعلقاً بوجود القوانين والمؤسسات الدولية فحسب، بل بقدرتها على حماية الإنسان عندما يكون في أمسّ الحاجة إليها.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!