ترك برس

بعد سنوات من القطيعة الدبلوماسية والتنافس على النفوذ في شرق البحر المتوسط وليبيا، تعود السفن الحربية المصرية والتركية إلى تنفيذ مناورات مشتركة، في تحول يعكس انتقال العلاقات بين القاهرة وأنقرة من مرحلة المواجهة السياسية إلى التعاون الدفاعي المتنامي، وسط تساؤلات بشأن انعكاسات هذا التقارب على موازين القوى والأمن الإقليمي.

وتجسد مناورات «بحر الصداقة 2026»، التي انطلقت في 4 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري بمدينة الإسكندرية المصرية، أحدث محطات التقارب العسكري بين البلدين، بعدما كانت التدريبات نفسها إحدى أبرز ضحايا الأزمة السياسية التي اندلعت عام 2013.

وبحسب وزارة الدفاع التركية، تستمر المناورات حتى 9 تشرين الثاني/نوفمبر، بمشاركة وحدات من القوات البحرية للبلدين، وتشمل تدريبات على العمليات البحرية السطحية ومكافحة الغواصات والدفاع الجوي والهجوم تحت الماء، بمشاركة وحدات القوات الخاصة البحرية التركية.

وتأتي التدريبات بعد استئناف مناورات «بحر الصداقة» في أيلول/سبتمبر 2025، للمرة الأولى منذ 13 عاماً، في خطوة شكلت مؤشراً على انتقال المصالحة السياسية إلى مستوى التعاون العسكري المباشر، بحسب تقرير لـ "الجزيرة نت".

مناورات أوقفتها أزمة سياسية

تعود جذور مناورات «بحر الصداقة» إلى عام 2009، حين أطلقت القوات البحرية المصرية والتركية تدريبات مشتركة في شرق البحر المتوسط، بهدف تطوير التنسيق العملياتي وتبادل الخبرات وتعزيز قدرة القوات على تنفيذ المهام المشتركة.

واستمرت التدريبات خلال السنوات التالية، قبل أن تتوقف عام 2013 مع تدهور العلاقات بين القاهرة وأنقرة عقب إطاحة الجيش المصري بالرئيس محمد مرسي في تموز/يوليو من العام نفسه.

وتصاعدت الخلافات الدبلوماسية بعد انتقادات تركية حادة للإجراءات التي اتخذتها السلطات المصرية بحق أنصار مرسي، وصولاً إلى إعلان إلغاء المناورات العسكرية المشتركة.

ولم تقتصر تداعيات الأزمة على تعليق التعاون الدفاعي، إذ امتدت إلى خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي وتبادل التصريحات السياسية الحادة، قبل أن تتعمق الخلافات بين الطرفين بشأن عدد من الملفات الإقليمية.

وبرزت ليبيا واحدة من أهم ساحات التنافس، بعدما دعمت تركيا الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس، في حين أقامت مصر علاقات وثيقة مع القوى المسيطرة على شرق البلاد.

كما تباينت مواقف البلدين بشأن ترتيبات ترسيم الحدود البحرية وملفات الطاقة في شرق المتوسط، الأمر الذي جعل التقارب العسكري بينهما يبدو مستبعداً لسنوات.

المصالحة تعيد فتح القنوات العسكرية

بدأ التحول التدريجي في العلاقات عام 2021، عندما شرع البلدان في اتصالات استكشافية لإنهاء الخلافات وإعادة بناء الثقة.

وشكلت المصافحة التي جمعت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي على هامش كأس العالم في قطر عام 2022 محطة رمزية في مسار المصالحة، قبل أن يعلن البلدان استعادة العلاقات الدبلوماسية على مستوى السفراء عام 2023.

وتسارعت خطوات التقارب خلال عام 2024، مع زيارة أردوغان إلى القاهرة في شباط/فبراير، ثم زيارة السيسي إلى أنقرة في أيلول/سبتمبر، حيث اتفق الجانبان على تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية وتعزيز التنسيق بشأن القضايا الإقليمية.

ومهدت هذه التطورات لاستئناف الاتصالات بين المؤسستين العسكريتين، وصولاً إلى عودة مناورات «بحر الصداقة» في أيلول/سبتمبر 2025.

وشهدت التدريبات مشاركة فرقاطات وزوارق حربية وطائرات مقاتلة ومروحيات ووحدات خاصة، إلى جانب تنفيذ عمليات تفتيش السفن والتزود بالإمدادات في البحر والتدريب بالذخيرة الحية.

واعتبرت الجهات العسكرية في البلدين أن المناورات تهدف إلى توحيد المفاهيم العملياتية وتعزيز القدرة على العمل المشترك والتعامل مع التهديدات البحرية.

من المصالحة السياسية إلى الشراكة الدفاعية

لم تتوقف خطوات التقارب عند استئناف المناورات، بل امتدت إلى توقيع تفاهمات رسمية تتعلق بالتعاون الدفاعي والصناعات العسكرية.

ففي شباط/فبراير 2026، شهدت القاهرة انعقاد الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين، برئاسة أردوغان والسيسي، وتوقيع مذكرات تفاهم في مجالات عدة، بينها الدفاع.

وأكد الإعلان المشترك الصادر عن الاجتماع رغبة الطرفين في تعزيز التعاون الثنائي والتنسيق بشأن التحديات الإقليمية، بما يشمل أمن الملاحة في البحر الأحمر والأوضاع في ليبيا والسودان والصومال.

كما اتسعت الاتصالات العسكرية خلال العام الجاري لتشمل زيارات متبادلة لكبار القادة، وتدريبات برية وجوية مشتركة.

وشاركت القوات الجوية المصرية في مناورات «نسر الأناضول 2026» التي استضافتها تركيا في حزيران/يونيو، فيما جرى تنفيذ تدريبات مشتركة بين القوات الخاصة التركية ووحدات المظلات والصاعقة المصرية.

وفي أواخر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أجرى قائد القوات البرية التركية متين توكل زيارة رسمية إلى مصر، في مؤشر إضافي على اتساع التواصل العسكري ليشمل مختلف أفرع القوات المسلحة.

لماذا تتقارب القاهرة وأنقرة عسكرياً؟

يرتبط التحول في العلاقات العسكرية بين البلدين بجملة من المصالح المشتركة التي برزت مع تصاعد التحديات الأمنية في الشرق الأوسط وشرق المتوسط.

فتركيا ومصر تمتلكان موقعين استراتيجيين على أهم الممرات البحرية في المنطقة، وتؤدي قواتهما البحرية دوراً مؤثراً في أمن شرق المتوسط والبحر الأحمر.

ويمنح تطوير التنسيق بينهما فرصاً لتبادل الخبرات وتعزيز أمن الملاحة والتعامل مع التحديات البحرية المشتركة.

كما يشكل التعاون في الصناعات الدفاعية مجالاً واعداً، في ظل التقدم الذي حققته تركيا في تطوير الطائرات المسيّرة والسفن الحربية والمنظومات العسكرية المحلية، مقابل مساعي مصر إلى توسيع التصنيع العسكري وتنويع مصادر التسليح.

وتبرز الملفات الإقليمية عاملاً إضافياً للتقارب، ولا سيما ليبيا والسودان والصومال وغزة، حيث تتداخل المصالح الأمنية والسياسية للبلدين، رغم استمرار التباين بشأن بعض القضايا.

هل انتهى التنافس بين مصر وتركيا؟

رغم تسارع التعاون العسكري، لا تعني عودة المناورات انتهاء جميع الخلافات الاستراتيجية بين القاهرة وأنقرة.

فملف ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط لا يزال يتضمن تباينات قانونية وسياسية، كما تختلف حسابات البلدين بشأن بعض القوى والأطراف الفاعلة في ليبيا.

غير أن المسار الحالي يشير إلى توجه الطرفين نحو الفصل بين الملفات الخلافية ومجالات التعاون الممكنة، بما يسمح بتطوير العلاقات العسكرية دون اشتراط تسوية جميع القضايا العالقة.

ولا توجد حتى الآن مؤشرات على قيام تحالف دفاعي ملزم بين البلدين، إذ تظل الخطوات المعلنة في إطار التعاون العسكري والتدريب والتنسيق وتطوير الشراكات الدفاعية.

ومن هنا، تكتسب مناورات «بحر الصداقة 2026» أهمية تتجاوز طبيعتها التدريبية، باعتبارها اختباراً عملياً لمستوى الثقة الذي نجحت القاهرة وأنقرة في استعادته بعد أكثر من عقد من التوتر.

وبينما كانت المناورات المشتركة أول ما توقف مع اندلاع الأزمة عام 2013، أصبحت اليوم إحدى أبرز علامات المصالحة، في تحول يعكس رغبة مصر وتركيا في تحويل التقارب السياسي إلى تعاون عسكري أكثر انتظاماً، قد يكون له تأثير متزايد في ترتيبات الأمن الإقليمي خلال السنوات المقبلة.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!