ترك برس

ليست هوية المدن السياحية محصورة في معالمها التاريخية ومناظرها الطبيعية، بل تتشكل أيضا من روائحها ومذاقاتها وحرفها التقليدية وذكرياتها التي تنتقل من جيل إلى آخر. وفي شمال تركيا، تقدم ولاية قسطمونو (Kastamonu) نموذجا لمدينة تحتفظ بتفاصيل أصيلة من الحياة الأناضولية، حيث تتداخل رائحة الثوم الشهير مع عبق الحلوى التقليدية، وتلتقي المساجد العثمانية والمنازل التاريخية بالأسواق الشعبية وورش الحرف اليدوية.

وتقع قسطمونو في منطقة البحر الأسود شمالي تركيا، وتتميز بتاريخ يمتد لأكثر من 7 آلاف عام، إلى جانب طبيعة تجمع بين الجبال والغابات والوديان والمواقع الأثرية. وتمنحها هذه المقومات طابعا خاصا يجعل زيارتها رحلة تتجاوز مشاهدة المعالم السياحية إلى التعرف على أسلوب حياة سكانها وموروثاتهم الثقافية والاجتماعية.

مدينة تعاقبت عليها الحضارات

تعود جذور الاستيطان في قسطمونو إلى عصور قديمة، إذ عُرفت المنطقة في مراحل تاريخية باسم «تيمونيون»، قبل أن يظهر اسم «قسطمون» خلال الفترة المسيحية. وتعاقبت عليها شعوب وحضارات مختلفة، من بينها السومريون والبيزنطيون، قبل أن يصل إليها السلاجقة بقيادة الأمير قره تكين عام 1084.

وشهدت المدينة خلال القرنين الحادي عشر والثالث عشر تنافسا على النفوذ بين الأتراك المسلمين والإمبراطوريتين البيزنطيتين في طرابزون ونيقية، قبل أن تصبح في العهد العثماني مركزا إداريا مهما، ولا سيما بعد فتح إسطنبول على يد السلطان محمد الفاتح.

ولم يقتصر دورها على الجانب الإداري، بل أصبحت أيضا مركزا للعلوم الإسلامية، واستقطبت عددا من العلماء والمفكرين العثمانيين، ما أسهم في ترسيخ مكانتها الثقافية والدينية.

كما ارتبط اسم قسطمونو بمحطات مهمة من التاريخ التركي الحديث، إذ أدت دورا في حرب الاستقلال التركية التي مهدت لتأسيس الجمهورية. وفي عام 1925، ألقى مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك خطابا تاريخيا في المدينة أعلن خلاله الدعوة إلى اعتماد القبعة والملابس ذات الطراز الأوروبي بدلا من الطربوش والأزياء التقليدية.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2017، اختارت المنظمة الدولية للثقافة التركية (تركصوي) قسطمونو عاصمة للثقافة في العالم التركي لعام 2018، تقديرا لإرثها التاريخي والثقافي الغني.

حرف يدوية تحفظ ذاكرة الأجيال

ومن أبرز ما يميز قسطمونو حضور الحرف التقليدية في الحياة اليومية، حيث لا تزال بعض العائلات تحافظ على مهن توارثتها عبر أجيال متعاقبة، في مسعى لصون الهوية الثقافية للمدينة.

وفي ورشة قريبة من مجمع إسماعيل بك التاريخي، تواصل الحرفية فاطمة ممارسة فن الرسم البانورامي والزخرفة، مستفيدة من خبرة عائلية تمتد إلى ثلاثة أجيال. وتستخدم في أعمالها الأقمشة القطنية والكتانية المصنوعة يدويا، إلى جانب الأصباغ الطبيعية المستخرجة من أزهار النباتات وأوراقها وجذورها وقشورها.

وتؤكد الحرفية أن كل قطعة تحمل جانبا من المحبة التي يضعها صانعها فيها، مشيرة إلى أن هذه الحرفة لم تكن مجرد مهنة بالنسبة إلى عائلتها، بل جزءا من طفولتها وذاكرتها.

وتبرز صناعة النسيج اليدوي أيضا بوصفها أحد الموروثات المهمة في المدينة، إذ تعمل مجموعات من النساء داخل ورش تقليدية تستخدم أنوالا خشبية قديمة لإنتاج أقمشة قطنية دقيقة.

ولا تقتصر أهمية هذه الورش على مردودها الاقتصادي، بل تمثل فضاء اجتماعيا وثقافيا يحافظ على المهارات التقليدية ويمنح النساء فرصة المشاركة في الحياة الإنتاجية، فضلا عن نقل الخبرات إلى الأجيال الجديدة.

من حلوى السلاطين إلى الثوم الشهير

وعند الحديث عن قسطمونو، لا يمكن تجاوز مطبخها التقليدي الذي يمثل أحد أبرز عناصر هويتها، وفي مقدمته حلوى «تشكمه حلوى» (Çekme Helva)، المعروفة أيضا باسم «حلوى القصر».

وتختلف هذه الحلوى عن أنواع الحلوى التقليدية الأخرى، إذ تُحضّر من السكر والدقيق والزبدة وفق طريقة دقيقة تمنحها قواما خفيفا يشبه الخيوط الرفيعة. وتتطلب صناعتها جهدا جماعيا، حيث يتعاون خمسة من الطهاة على سحب كتلة الحلوى في اتجاهات مختلفة حتى تصل إلى قوامها المعروف.

وتحظى هذه الحلوى بشعبية واسعة بين سكان المدينة وزوارها، كما ترتبط بروايات محلية تفيد بأن حرفيي قسطمونو كانوا يحضرونها خصيصا للسلاطين العثمانيين، وهو ما يفسر تسميتها بحلوى القصر.

ويمكن للزوار التعرف على طريقة إعدادها داخل مجمع يعقوب آغا التاريخي، حيث توجد ورش تقدم دروسا في صناعة الحلوى، إلى جانب إتاحة الفرصة لشراء المنتجات المحلية.

ولا تقتصر شهرة المدينة على الحلويات، بل تمتد إلى منتجات غذائية أخرى، من بينها المربيات وشراب الفراولة واللحوم المجففة والمتبلة، فضلا عن أطباق تقليدية تعتمد على المنتجات الزراعية المحلية.

ويأتي الثوم في مقدمة المنتجات التي تشتهر بها قسطمونو، ولا سيما ثوم منطقة تاشكوبرو، الذي يعد من أبرز المنتجات الزراعية المعروفة على مستوى تركيا.

وتشير المادة المنشورة على بوابة الثقافة التركية إلى أن نحو 5 آلاف أسرة كانت تعمل في زراعة الثوم على مساحة تقارب 30 ألف هكتار، ليصبح المنتج جزءا من هوية المدينة ورمزا للفخر المحلي، كما يحضر في المهرجانات والمعارض ويُقدم أحيانا هدية للزوار.

وأسهم المناخ المحلي، الذي يتسم بصيف حار وجاف وشتاء بارد ومثلج، في تطوير تقاليد حفظ الأغذية وتجفيفها، وهو ما انعكس على المطبخ المحلي، خصوصا في إعداد البسطرمة، وهي شرائح اللحم البقري المجففة والمتبلة بالثوم والتوابل.

كما تشتهر المدينة بأطباق مثل «كازان كبابي»، الذي يُطهى فيه لحم الخروف داخل قدر كبير، و«إتلي إكمك» أو الخبز باللحم، إلى جانب حساء الطرغانة المصنوع من مكونات مجففة تشمل البصل والفلفل والدقيق واللبن.

شيريفة باجي.. رمز التضحية في حرب الاستقلال

وتحتفظ قسطمونو بمكانة بارزة في الذاكرة الوطنية التركية، بفضل الدور الذي أدته نساؤها خلال حرب الاستقلال، ومن أبرز رموز ذلك شيريفة باجي، التي تحولت قصتها إلى نموذج للشجاعة والتضحية.

فخلال الحرب، شاركت نساء المنطقة في نقل الذخيرة والمؤن إلى جبهات القتال، بعدما عجزت بعض العربات التي تجرها الثيران عن عبور الطرق الصعبة. وكانت شيريفة باجي واحدة من النساء اللواتي تولين نقل الذخيرة إلى أنقرة، حيث كانت تحمل طفلتها الصغيرة على ظهرها وتجر عربة محملة بالذخائر.

وفي إحدى تلك الرحلات، تعرضت شيريفة باجي وطفلتها للبرد القارس حتى فارقتا الحياة، لتبقى قصتها رمزا للتضحيات التي قدمتها المرأة التركية خلال حرب الاستقلال.

ويجسد نصب أتاتورك وشيريفة باجي، المقام في الساحة المركزية للمدينة، هذه الصفحة من التاريخ، ويخلد دور النساء في دعم القوات التركية خلال معركة تأسيس الجمهورية.

مساجد تاريخية وشواهد على العمارة العثمانية

وتضم قسطمونو عددا من المساجد التاريخية التي تعكس مكانتها الدينية والثقافية عبر القرون، ويبرز بينها مسجد نصرت الله، القريب من مجرى نهر قره تشومك، والذي يعد من المعالم العثمانية البارزة في مركز المدينة.

ويشكل المسجد محطة مهمة للزوار الراغبين في التعرف على العمارة الدينية التقليدية، كما تحيط به أسواق صغيرة تعرض منتجات الحرفيين المحليين والتحف والقطع التراثية.

ومن أبرز المعالم الدينية أيضا مسجد محمود بك، الذي شُيد عام 1366 في منطقة قريبة من مركز قسطمونو، ويتميز بتصميم معماري خشبي فريد، إذ أُقيم من دون استخدام المسامير المعدنية في تجميع أجزائه الخشبية.

ويتميز المسجد بأعمدته وأسقفه الخشبية وتفاصيله المعمارية الدقيقة، كما يضم شرفات مخصصة للنساء وأخرى لرجال الدين، ويحتفظ بعناصر إنشائية تعكس مهارة البنائين في استخدام الخشب والحجر.

ولا يزال المسجد يستقبل المصلين، بما في ذلك صلاة الجمعة، رغم قيمته التاريخية والمعمارية التي جعلته أحد أبرز نماذج العمارة الخشبية القديمة في الأناضول.

قلعة قسطمونو وبرج الساعة.. إطلالة على تاريخ المدينة

وفي قلب المدينة، تقف قلعة قسطمونو على مرتفع صخري يوفر إطلالة بانورامية على الأحياء والمباني التاريخية المحيطة بها.

وتعود أصول التحصينات في الموقع إلى العهد البيزنطي، فيما شهدت القلعة مراحل مختلفة من السيطرة والتوسع خلال الفترات السلجوقية والبيزنطية اللاحقة. وقد حافظت على موقعها الاستراتيجي المطل على المدينة، لتصبح اليوم من أبرز الوجهات التي يقصدها الزوار للاستمتاع بالمشهد العمراني والطبيعي.

كما يشكل برج الساعة، الذي شُيد عام 1885، أحد الرموز المعمارية للمدينة، إذ يضم جرسا جُلب من إسطنبول، ويقع بالقرب منه مقهى يوفر إطلالة مميزة على قسطمونو، ويشكل مكانا يجتمع فيه السكان والزوار للاستراحة ومشاهدة المدينة.

ويبرز متحف المدينة بدوره ضمن المعالم التي تستحق الزيارة، إذ يقع في مبنى شُيد عام 1919 وكان يستخدم في السابق لعقد الاجتماعات الرسمية. واكتسب المبنى أهمية تاريخية خاصة بعدما ألقى أتاتورك فيه خطابه الشهير في 30 أغسطس/آب 1925، بشأن التخلي عن الطربوش واعتماد القبعة والملابس ذات الطراز الأوروبي.

مدينة الابتسامات والضيافة

ولا تكتمل صورة قسطمونو بمعالمها ومأكولاتها وحرفها التقليدية فحسب، بل تتشكل أيضا من طبيعة الحياة الاجتماعية فيها، حيث تحتفظ المدينة بإيقاع هادئ يختلف عن صخب المدن الكبرى.

ويحضر الشاي التركي في تفاصيل الحياة اليومية، إذ يجتمع السكان في المقاهي ويتبادلون الأحاديث ويتابعون حركة المارة، فيما يجد الزائر نفسه أمام أجواء من الألفة والضيافة التي تميز المجتمعات المحلية في منطقة البحر الأسود.

وترتبط هذه الروح أيضا بإرث الشيخ شعبان ولي، أحد أبرز الشخصيات الصوفية التي عاشت في قسطمونو، والذي ترك أثرا عميقا في ثقافة المدينة وقيمها الاجتماعية.

وتختصر إحدى العبارات المنسوبة إليه هذا الإرث بقولها: «تعال مبتسما، واذهب مبتسما، وافعل كل ما تفعله بابتسامة»، وهي عبارة نُقشت على حجر داخل مجمع تاريخي يضم متحفا ومسجدا، وتعكس مكانة البشاشة وحسن التعامل في الثقافة المحلية.

وبين رائحة الثوم وحلاوة «تشكمه حلوى»، وأصوات أنوال النسيج الخشبية ومآذن المساجد القديمة، تقدم قسطمونو تجربة سياحية تتجاوز المفهوم التقليدي للزيارة، لتفتح أمام الزوار نافذة على تاريخ الأناضول وتقاليده ومطبخه وحياة سكانه، في مدينة لا تزال تحتفظ بملامحها الأصيلة وذاكرتها الممتدة عبر آلاف السنين.

المصدر: بوابة الثقافة التركية التابعة لوزارة الثقافة والسياحة

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!