ترك برس

تزخر منطقة البحر المتوسط في تركيا بمقومات سياحية وتاريخية وطبيعية تجعلها من أبرز الوجهات التي تجمع بين الاستجمام والاستكشاف الثقافي، إذ تحتضن سواحلها ومدنها الداخلية آثار حضارات تعاقبت على الأناضول، من الليديين والليقيين والإغريق والرومان إلى البيزنطيين والسلاجقة والعثمانيين. ولا تقتصر جاذبية المنطقة على شواطئها ومياهها الزرقاء وطبيعتها الجبلية، بل تمتد إلى مدن أثرية وكنائس ومساجد وقلاع ومواقع دينية تعكس ثراء تاريخها وتنوعها الحضاري.

وتضم منطقة المتوسط التركية عددا من المواقع المدرجة على القائمة الإرشادية المؤقتة للتراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)، إلى جانب مدينة هاتاي التي انضمت إلى شبكة اليونسكو للمدن الإبداعية في مجال فنون الطهي، ما يجعل المنطقة وجهة مهمة للراغبين في الجمع بين السياحة الثقافية والتاريخية وتجارب الطعام والطبيعة.

أنطاليا.. آثار الليقيين والرومان بين الجبال والبحر

وتبرز ولاية أنطاليا بوصفها إحدى أهم المحطات السياحية والتاريخية في منطقة المتوسط، إذ تضم مواقع أثرية تعود إلى حضارات قديمة، من بينها مدينة ترميسوس الأثرية الواقعة داخل متنزه جبل غولوك الوطني، والتي تعد من أبرز المدن القديمة المحفوظة في المنطقة.

وتتميز ترميسوس بموقعها الجبلي المرتفع وتحصيناتها الطبيعية التي جعلت اقتحامها أمرا بالغ الصعوبة، حتى إن الإسكندر الأكبر لم يتمكن من السيطرة عليها خلال حملته في الأناضول عام 333 قبل الميلاد. وما تزال أجزاء واسعة من مبانيها قائمة، بما في ذلك المسرح الذي كان يتسع لنحو 4 إلى 5 آلاف متفرج، والمعابد والحمامات والشوارع ذات الأعمدة والصهاريج وأنظمة المياه والمقابر القديمة، وسط مشاهد طبيعية تجمع بين الغابات والمرتفعات.

كما تحتضن أنطاليا مدينة بيرغه الأثرية، التي تعود جذورها إلى العصر البرونزي، وتضم مسرحا وملعبا وأسوارا وحمامات وساحة عامة وشوارع ذات أعمدة. وتكشف آثارها عن ازدهار الحياة العمرانية خلال الحقبتين الهلنستية والرومانية، فيما تشتهر المدينة تاريخيا بارتباطها بعبادة الإلهة أرتميس.

ومن المواقع البارزة أيضا مدينة أسبندوس، التي تشتهر بمسرحها الروماني المحفوظ بصورة استثنائية، إلى جانب قنوات المياه والجسور والمنشآت القديمة. وقد أسهمت أعمال الترميم التي أجراها السلاجقة على المسرح في الحفاظ عليه، بعدما استخدموه في فترات لاحقة لأغراض مختلفة، بينها القوافل والإقامة.

وتضم الولاية كذلك منطقة كيكوفا الساحلية، التي تشتهر بجزرها وخلجانها وآثارها الليقية، ومن أبرز معالمها مدينة سيمينا القديمة وقلعتها الرومانية الصغيرة ومسرحها المنحوت في الصخور. كما يمكن مشاهدة بقايا مبانٍ قديمة غمرتها المياه بفعل الزلازل، في مشهد يمنح المنطقة طابعا فريدا، إذ تظهر آثار المدينة الغارقة من القوارب، مع حظر السباحة والغوص في المنطقة الأثرية.

ومن المعالم التاريخية المهمة في أنطاليا كنيسة القديس نيكولاس في منطقة دمرة، المرتبطة بشخصية القديس الذي استلهمت منها شخصية «بابا نويل» المعروفة عالميا. وتضم الكنيسة، التي شُيدت فوق الموقع الذي يُعتقد أنه دُفن فيه القديس، تابوته الحجري، كما تمثل وجهة ذات أهمية دينية وتاريخية للحجاج والزوار.

مواقع تعود إلى عصور ما قبل التاريخ

ولا تقتصر الثروة الأثرية في أنطاليا على المدن القديمة، بل تمتد إلى كهوف تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، وفي مقدمتها كهف كارين، الواقع على بعد نحو 35 كيلومترا شمال المدينة. ويعد الكهف من أبرز المواقع التي تكشف عن تاريخ الاستيطان البشري المبكر في المنطقة، إذ تشير المكتشفات الأثرية إلى أن الإنسان عاش فيه منذ نحو 700 ألف عام، واستمر استخدامه خلال مراحل مختلفة من العصر الحجري القديم وحتى العصر البيزنطي.

وعثر علماء الآثار في الكهف على أدوات حجرية ورؤوس سهام وأجزاء من جمجمة إنسان نياندرتال، فضلا عن نقوش وآثار تعكس تطور النشاط البشري في المنطقة، وتُعرض بعض هذه المكتشفات في متحف أنطاليا.

كما تمتد آثار الحضارة الليقية على شبه جزيرة تيكه بين أنطاليا وفتحية، حيث تنتشر مدن أثرية ومقابر صخرية تعكس خصوصية هذه الحضارة التي ازدهرت في جنوب غربي الأناضول. ومن أبرز مدنها زانثوس وباتارا وتلوس وبينارا وميرا وأوليمبوس وفاسيليس.

وتكتسب الحضارة الليقية أهمية خاصة في التاريخ السياسي القديم، إذ أسست في القرن الأول قبل الميلاد اتحادا ضم 23 مدينة، واعتمد نظاما للتمثيل السياسي يقوم على اختيار ممثلين عن المدن وفقا لأهميتها، وهو نموذج مبكر للحكم الاتحادي والتمثيل النسبي.

مرسين.. أديرة وقلاع ومنشآت رومانية استثنائية

وتنتقل الرحلة إلى ولاية مرسين، التي تحتفظ بدورها بإرث معماري وديني غني، ومن أبرز معالمها دير ألاهان، الواقع في جبال طوروس شمال منطقة سيلفكه، وسط مشاهد طبيعية تجمع بين المرتفعات والوديان.

ويعود الدير إلى الحقبة البيزنطية، ويقع على أحد الطرق التاريخية التي كانت تربط ساحل البحر المتوسط بالمناطق الداخلية من الأناضول عبر ممر سرتافول الجبلي. ويشكل موقعه المعماري والطبيعي أحد أبرز الشواهد على انتشار المسيحية المبكرة في المنطقة.

ومن المعالم اللافتة في مرسين قلعة ماموره، الواقعة قرب منطقة أنامور، على الطريق الساحلي بين أنطاليا ومرسين. وتتميز القلعة بموقعها المحاذي للبحر، وبحالتها المعمارية الجيدة التي حافظت على عدد كبير من أبراجها وأسوارها ودرجها وخزانات المياه ومسجدها.

وتشير النقوش الموجودة على بوابتها الرئيسية إلى أن القلعة شهدت أعمال بناء وتجديد في القرن الخامس عشر خلال حكم إبراهيم الثاني من إمارة قرمان، فيما تكشف بقايا أسوارها عن وجود تحصينات تعود إلى العصر الروماني.

كما تحتضن الولاية مدينة كوريكوس الأثرية، المعروفة باسم «قلعة الفتاة»، والتي كانت ميناء ومركزا تجاريا مهما في العصور القديمة. وتضم المنطقة بقايا مسرح ومنشآت أثرية، فضلا عن قلعتين تعودان إلى العصور الوسطى، إحداهما على الساحل والأخرى فوق جزيرة صغيرة، وكانتا متصلتين في الماضي برصيف بحري.

هاتاي.. إرث المسيحية المبكرة وعاصمة لفنون الطهي

وتحمل ولاية هاتاي، الواقعة في أقصى جنوب تركيا، مكانة تاريخية وثقافية مميزة، فقد كانت مدينة أنطاكيا القديمة، المعروفة باسم أنطاكية، مركزا مهما للحضارات والثقافات المختلفة، كما ارتبط اسمها بتاريخ المسيحية المبكرة.

ومن أبرز معالمها كنيسة القديس بطرس، المنحوتة جزئيا في سفح جبل بالقرب من أنطاكيا، والتي تعد من أقدم المواقع المرتبطة بتاريخ المسيحية. ووفقا للتقاليد المسيحية، أسس القديس بطرس، أحد حواريي المسيح، الكنيسة في المدينة، التي أصبحت مركزا دينيا مهما للكنائس السريانية والأرثوذكسية الأنطاكية.

وتعود أقدم الأجزاء المتبقية من مبنى الكنيسة إلى القرنين الرابع والخامس الميلاديين، وتضم آثار فسيفساء أرضية وبقايا لوحات جدارية قرب المذبح، فضلا عن نفق يمتد داخل الجبل، ويُعتقد أنه كان يستخدم ممرا للخروج في حالات الهجمات والمخاطر.

وتحتفظ هاتاي بمكانة بارزة أيضا في مجال فنون الطهي، إذ انضمت عام 2017 إلى شبكة اليونسكو للمدن الإبداعية في مجال فنون الطهي، بفضل تنوع مطبخها الذي يعكس تاريخها متعدد الثقافات وموقعها على طريق الحرير التاريخي.

فقد شكلت المدينة عبر قرون نقطة التقاء للتجارة والثقافات، وكانت بوابة لطريق الحرير نحو البحر المتوسط ومركزا لتجارة التوابل. وأسهم مناخها المعتدل وتنوعها النباتي في انتشار الأعشاب الطبية والعطرية، التي أصبحت جزءا مهما من اقتصادها المحلي ومطبخها التقليدي.

وتشتهر هاتاي بأطباقها المتنوعة، وفي مقدمتها الكنافة المعروفة محليا باسم «كونيفه»، إلى جانب مجموعة واسعة من الأكلات التي تمزج بين تقاليد المطبخ الأناضولي والمشرقي. كما تنظم المدينة فعاليات ومهرجانات للتعريف بموروثها الغذائي والزراعي، بينها مهرجان هاتاي للكنافة ومعرضها الزراعي.

ولا يقتصر الاهتمام بفنون الطهي على الجانب السياحي، بل يشمل مبادرات اجتماعية واقتصادية تهدف إلى دعم النساء وخلق فرص عمل، وتعزيز الزراعة المستدامة وحماية التنوع النباتي والثقافة الغذائية المحلية.

أضنة.. مدينة أنزاربوس وشواهد الحضارات المتعاقبة

وفي ولاية أضنة، تبرز مدينة أنزاربوس الأثرية، المعروفة حاليا باسم أنفارزا، والتي تقع بالقرب من قضاء كوزان، وتعد من المواقع التي تعكس تعاقب حضارات عديدة على الأناضول.

وتأسست المدينة خلال الحقبة الرومانية، وارتبط اسمها بالإمبراطور أغسطس، قبل أن تتحول إلى مركز عمراني مهم. وتنتشر آثارها حول قرية ديليك كايا الحديثة، فيما تتربع قلعة من العصور الوسطى على مرتفع يطل على سهل تشوكوروفا، موفرة إطلالة واسعة على المنطقة.

وتكشف بقايا المدينة عن آثار الرومان والبيزنطيين والعرب والأرمن والعثمانيين، ما يجعلها شاهدا على أكثر من ألفي عام من التاريخ المتواصل في المنطقة.

قونية وبوردور.. عمارة سلجوقية ومدن أثرية

وتتجاوز المواقع التي تتناولها المنصة السياحية حدود الولايات الساحلية، لتشمل مواقع قريبة من حوض المتوسط، من أبرزها مسجد أشرف أوغلو في مدينة بيشهير التابعة لولاية قونية.

ويعود تاريخ المسجد إلى القرن الثالث عشر، حين شُيد ضمن مجمع معماري ضم المسجد وضريح سليمان بك ومدرسة دينية. ويتميز بأعمدته الخشبية المصنوعة من خشب الأرز، وسقفه الخشبي الواسع، ويعد من أبرز نماذج العمارة التركية المبكرة في الأناضول.

ويكتسب المسجد أهمية معمارية خاصة لكونه من أكبر المساجد ذات الأعمدة والأسقف الخشبية في العالم الإسلامي، كما أنه ما زال مستخدما لأداء الصلوات بعد نحو سبعة قرون على بنائه.

أما ولاية بوردور، فتحتضن مدينة ساغالاسوس الأثرية، الواقعة في المرتفعات الغربية لجبال طوروس، على ارتفاع يتراوح بين 1450 و1700 متر فوق سطح البحر.

وشهدت المدينة ازدهارا خلال العصرين الهلنستي والروماني، وكانت من أهم المراكز الحضرية في منطقة بيسيديا القديمة. وتضم آثارها حمامات وساحات عامة وشوارع ذات أعمدة ومسرحا ومباني إدارية وأسواقا، فضلا عن نافورة أنطونينوس الضخمة التي أعيد ترميمها، وتعود إلى عهد الإمبراطور ماركوس أوريليوس.

كما تضم بوردور مدينة كيبيرا الأثرية، التي تأسست في القرن الثاني قبل الميلاد، وكانت عاصمة لاتحاد مدن ضم كيبيرا وبوبون وبالبورا وأوينوندا. وتميزت المدينة بتعدد لغات سكانها وثقافاتهم، كما اشتهرت بصناعة المعادن وسك النقود.

كهرمان مرعش.. مجمع أصحاب الكهف

وفي ولاية كهرمان مرعش، يبرز مجمع أصحاب الكهف، الواقع قرب قضاء أفسين، وهو موقع يرتبط بقصة الفتية الذين ورد ذكرهم في التراثين الإسلامي والمسيحي، والذين تقول الرواية إنهم لجؤوا إلى كهف هربا من الاضطهاد ثم ناموا فيه نحو 300 عام.

ويضم المجمع مجموعة من المباني التي شُيدت خلال فترات تاريخية مختلفة، من بينها كنيسة تعود إلى القرن السادس الميلادي، ومسجد وخان للقوافل وثكنة محصنة أضيفت خلال العصر السلجوقي، ثم مدرسة دينية خلال حكم إمارة ذي القدر، ومسجد آخر شُيد في مطلع القرن السادس عشر.

ويعكس المجمع التداخل الديني والتاريخي الذي شهدته المنطقة، كما يمثل أحد المواقع التي تحولت فيها الروايات الدينية المشتركة إلى معالم معمارية وسياحية.

أنطاليا القديمة.. مئذنة سلجوقية ورموز المدينة

وتعود الرحلة مجددا إلى قلب أنطاليا، حيث تبرز مئذنة ييفلي ميناره، التي تعد من أشهر رموز المدينة ومعالمها المعمارية.

وتقع المئذنة عند مدخل حي كاليتشي التاريخي، ويعود بناؤها إلى عهد السلطان السلجوقي علاء الدين كيقباد الأول، الذي حكم بين عامي 1220 و1237. ويبلغ ارتفاعها نحو 38 مترا، وتتميز بجسمها ذي الأضلاع الثمانية والبلاطات الزرقاء الداكنة التي تزين أجزاء منها.

وشُيد المسجد الأصلي عام 1230 فوق بقايا كنيسة قديمة، قبل أن يعاد بناؤه في القرن الرابع عشر بتصميم يضم ست قباب، فيما ظلت المئذنة قائمة لتصبح أحد أبرز نماذج العمارة السلجوقية في الأناضول.

وتكشف هذه المواقع مجتمعة عن ثراء منطقة البحر المتوسط التركية، التي لا تختزلها الشواطئ والمنتجعات السياحية، بل تمتد جاذبيتها إلى طبقات متعاقبة من التاريخ الإنساني، من كهوف عصور ما قبل التاريخ إلى المدن الرومانية والليقية والآثار البيزنطية والعمارة السلجوقية.

وبين الجبال والسواحل والمدن القديمة والمواقع الدينية والمطابخ المحلية، تقدم المنطقة تجربة سياحية متعددة الأبعاد، تتيح للزوار الجمع بين الاستمتاع بالطبيعة والتعرف على حضارات الأناضول وموروثاتها الثقافية، في رحلة تكشف عن جانب غني من التنوع التاريخي والحضاري الذي تتميز به تركيا.

المصدر: منصة GoTürkiye الرسمية للترويج السياحي في تركيا

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!