
ترك برس
تحتفظ السفن الحربية والغواصات والطائرات العسكرية بصفحات مهمة من تاريخ الدول، فهي لا تمثل مجرد أدوات دفاعية، بل تعكس أيضا تطور قدراتها التقنية وتجاربها البحرية. وفي مدينة إزمير المطلة على بحر إيجة غربي تركيا، يتيح متحف إزمير البحري للزوار فرصة الاقتراب من هذا العالم، عبر مجموعة من القطع العسكرية التي خدمت في الأسطول التركي لسنوات طويلة، قبل أن تتحول إلى متحف مفتوح يستعرض تاريخ البحرية وثقافتها.
ويقع المتحف في رصيف إنجيرالتي بمنطقة بالجووا في إزمير، ويضم فرقاطة حربية وغواصة وزورقا هجوميا ومروحية، جرى إخراجها من الخدمة وتحويلها إلى معروضات تتيح للجمهور التعرف على تصميمها ومعداتها والمهام التي كانت تؤديها في البحر.
متحف لتعريف الأجيال بتاريخ البحرية
تعود فكرة إنشاء المتحف إلى توجه قيادة القوات البحرية التركية للتعريف بالثقافة البحرية ونشر الاهتمام بها، انطلاقا من توجيهات مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، الذي دعا إلى جعل الملاحة البحرية هدفا كبيرا للأتراك.
ويهدف المتحف إلى التعريف بتاريخ البحرية التركية وثقافتها، وإظهار تطور قدرات القوات البحرية من خلال المعروضات والمواد التوضيحية، فضلا عن إتاحة الفرصة للجمهور للتعرف على السفن والمعدات التي استخدمها الأسطول، وتشجيع الأجيال الشابة على الاهتمام بالمجال البحري.
وبدأت المرحلة الأولى من المشروع بتحويل الفرقاطة «تي سي جي إيجه» والغواصة «تي سي جي بيري رئيس» إلى سفينتين متحف، بعد انتهاء مهامهما في القوات البحرية. وحُفظت المعدات والأجهزة والأقسام الأصلية فيهما، مع إضافة مجسمات ولوحات ومواد تعريفية تشرح طبيعة مهام السفن والحياة على متنها.
وافتتح المتحف رسميا في الأول من يوليو/تموز 2007، في رصيف إنجيرالتي، ليكون أول متحف للسفن في منطقة بحر إيجة ومدينة إزمير. ومع مرور الوقت، توسعت معروضاته لتشمل مروحية من طراز «إيه بي 212» أضيفت إلى منصة المروحيات التابعة للفرقاطة في 22 مايو/أيار 2014، ثم الزورق الهجومي «تي سي جي كاسيرغا» الذي فتح أمام الزوار في 16 مارس/آذار 2015. وبحسب الموقع الرسمي للمتاحف التركية، استقبل المتحف نحو مليون و265 ألف زائر منذ افتتاحه.
الفرقاطة «تي سي جي إيجه».. من الأسطول الأمريكي إلى البحرية التركية
تعد الفرقاطة «تي سي جي إيجه» من أبرز معروضات المتحف، إذ بدأت مسيرتها في البحرية الأمريكية باسم «يو إس إس أينسورث»، بعد بنائها في حوض أفونديل لبناء السفن، ودخولها الخدمة في 31 مارس/آذار 1973.
وبعد 24 عاما من الخدمة في الأسطول الأمريكي، اشترتها القوات البحرية التركية، وانضمت إلى أسطولها في 28 يوليو/تموز 1994 خلال مراسم أقيمت في غولجوك، حاملة اسم «تي سي جي إيجه». واستمرت في أداء مهامها لأكثر من 11 عاما، شاركت خلالها في تدريبات وأنشطة بحرية داخل تركيا وخارجها، قبل أن تنتهي خدمتها الفعلية في 25 مارس/آذار 2005.
وصممت الفرقاطة أساسا لمهام مكافحة الغواصات، لكنها امتلكت أيضا تجهيزات تتيح لها تنفيذ مهام الدفاع ضد الأهداف السطحية والجوية، وقصف الأهداف البرية، والدوريات والاستطلاع والبحث والإنقاذ.
ويبلغ وزن السفينة نحو 4200 طن، ويصل طولها إلى 134 مترا وعرضها إلى 14.3 مترا، فيما تبلغ قوة محركها الرئيسي 35 ألف حصان، وتصل سرعتها القصوى إلى 27 عقدة بحرية. وكانت تعمل بطاقم يضم 286 فردا، من ضباط وضباط صف وجنود.
وتضم أنظمة تسليحها مدفعا أماميا ورادارا للتحكم بالنيران، إلى جانب صواريخ موجهة وأنابيب لإطلاق الطوربيدات، فضلا عن منظومة دفاع قريب لمواجهة الصواريخ الموجهة.
الغواصة «بيري رئيس».. استكشاف عالم العمليات تحت الماء
وتشكل الغواصة «تي سي جي بيري رئيس» محطة أخرى في المتحف، إذ بنيت في حوض بورتسموث الأمريكي بين عامي 1949 و1951، ودخلت الخدمة في البحرية الأمريكية باسم «يو إس إس تانغ» في 19 يونيو/حزيران 1951.
وبعد 29 عاما من الخدمة في الولايات المتحدة، اشترتها القوات البحرية التركية، وانضمت إلى الأسطول التركي في 8 فبراير/شباط 1980، تحت اسم «تي سي جي بيري رئيس». واستمرت في الخدمة لمدة 24 عاما، قبل إخراجها منها في 9 أغسطس/آب 2004 وتحويلها إلى متحف.
وتتألف الغواصة من هيكل مزدوج وسبعة أقسام، ويبلغ طولها 87 مترا وعرضها 9 أمتار، فيما يصل أقصى عمق للغوص إلى 233 مترا. وكانت قادرة على تنفيذ دوريات بحرية تصل مدتها إلى 50 يوما، كما امتلكت إمكانات لإطلاق الطوربيدات التقليدية والموجهة وزرع الألغام، وتنفيذ مهام الاستطلاع والرصد والتعرف على الأهداف.
ويتيح عرض الغواصة للزوار التعرف على طبيعة الوحدات البحرية التي تعمل تحت سطح الماء، واستكشاف تصميمها وأقسامها المختلفة، إلى جانب المعدات التي استخدمها طاقمها خلال تنفيذ المهام البحرية.
الزورق «كاسيرغا».. وحدة هجومية سريعة
ومن بين القطع المعروضة أيضا الزورق الهجومي «تي سي جي كاسيرغا»، الذي بني في ألمانيا عام 1967، ووصل إلى تركيا في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، قبل أن ينضم رسميا إلى القوات البحرية التركية في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 1967.
وشهد الزورق تحديثات على أنظمته خلال خدمته، من بينها تزويده بصواريخ «بينغوين» الموجهة عام 1978، ليكتسب بذلك قدرات هجومية صاروخية. وانتقل خلال مسيرته بين عدد من التشكيلات والمواقع التابعة للقوات البحرية التركية، قبل أن ينهي خدمته في 30 يونيو/حزيران 2014.
وفي مارس/آذار 2015، نُقل إلى رصيف إنجيرالتي ليبدأ مهمته الجديدة بوصفه قطعة متحفية.
ويبلغ طول الزورق 42.5 مترا وعرضه 7.7 أمتار، وتصل سرعته القصوى إلى 39 عقدة بحرية، وكان يعمل بطاقم مكون من 31 فردا. ويضم أقساما متعددة، من بينها أماكن إقامة الجنود والضباط، وغرف الاتصالات والرادار، ومركز العمليات القتالية، وغرف المحركات ومخازن الذخيرة.
كما تشمل تجهيزاته مدافع مضادة للطائرات وأنابيب لإطلاق الطوربيدات وقواذف للصواريخ الموجهة، بما يعكس طبيعة المهام القتالية التي صمم لتنفيذها.
مروحية «إيه بي 212».. مهام الاستطلاع والبحث والإنقاذ
ولا تقتصر معروضات المتحف على القطع البحرية، إذ يضم أيضا مروحية من طراز «إيه بي 212»، تحمل الرقم التسلسلي «تي سي بي 36»، صنعتها شركة «أغوستا» الإيطالية في 4 أغسطس/آب 1977، وزودت بمحركين توربينيين.
واستخدمت المروحية في مهام الاستطلاع فوق سطح البحر والبحث عن الغواصات، فضلا عن عمليات البحث والإنقاذ، كما امتلكت تجهيزات تسليحية تتيح لها تنفيذ مهام ضد الغواصات والسفن السطحية.
وبعد تنفيذها 6942 ساعة و55 دقيقة من الطيران، أخرجت من الخدمة في 25 مارس/آذار 2013. ثم نُقلت إلى المتحف في 22 مايو/أيار 2014، لتوضع على منصة المروحيات التابعة للفرقاطة «تي سي جي إيجه»، وتصبح جزءا من المعروضات التي توثق تنوع الوحدات المستخدمة في العمليات البحرية.
وجهة ثقافية للتعرف على تاريخ الأسطول التركي
يجمع متحف إزمير البحري بين العرض التاريخي والتعريف بالتقنيات العسكرية، إذ لا يقتصر على تقديم معلومات عن السفن والغواصات والمروحيات، بل يتيح للزوار مشاهدة هذه القطع عن قرب والتعرف على أقسامها ومعداتها الأصلية، بما يساعد على فهم طبيعة المهام التي أدتها وطبيعة العمل على متنها.
كما يمثل المتحف مساحة للتعريف بتاريخ البحرية التركية وإسهاماتها في حماية السواحل وتأمين الملاحة، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على عالم البحار من زاوية مختلفة، تجمع بين المعرفة والتجربة المباشرة.
وبذلك يشكل المتحف محطة ثقافية وسياحية مميزة في إزمير، تضاف إلى معالم المدينة المطلة على بحر إيجة، وتفتح أمام زوارها نافذة على تاريخ الأسطول التركي من خلال سفن وغواصة وزورق ومروحية، انتقلت من الخدمة العسكرية إلى ذاكرة المتحف.
المصدر: منصة المتاحف التركية التابعة لوزارة الثقافة والسياحة التركية
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











