د. علي حسين باكير - صحيفة القبس

في الأسبوع الأول من أكتوبر الجاري، أعلنت جمعية رجال الأعمال الأتراك ــــ المصريين (تومياد) عزمها عقد مؤتمر اقتصادي «تركي ـــــ مصري» في اسطنبول أواخر نوفمبر المقبل.

ووفقاً للبيان الذي نُشر، فإ؟نّ المؤتمر سينعقد بالتعاون مع غرفة تجارة ولاية قونيا التركية ومجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركية، ووكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا)، وجمعية رجال الأعمال المصريين.

لم يكن الاعلان عن المؤتمر شيئا اعتياديا، لكن النقطة الأكثر أهمية التي وردت في بيان الجمعيّة أشارت الى انّ المؤتمر يهدف الى زيادة اواصر التعاون بين البلدين وخلق فرص استثمارية وصناعية ويتزامن مع توجّه الحكومة التركية للتصنيع في مصر.

بمعنى آخر، المؤتمر يحظى بموافقة رسمية من الجانبين وإن كان حضور المسوّغ المصري فيه مباشراً بشكل أكبر.

بعدها بأقل من 10 ايام فقط، وفي مقابلة خاصة له على فضائية مصرية، أعرب وزير الخارجية المصرية سامح شكري عن أمله في أن تعود العلاقات المصرية ــــ التركية الى مستوى يحقق مصالح شعبي البلدين، كما عبّر عن استعداد بلاده لإتمام علاقة سياسية مع تركيا، مؤكّدا انفتاحها دوما على هذا الأمر، شريطة أن يأتي قرار من الحكومة التركية بهذا الصدد.

وفي سياق حديثه، ألمح شكري في مقابلته الى إمكانية ان يقوم بزيارة الى تركيا عندما سُئل عمّا اذا كان هناك إمكانية لأن يزور هو أنقرة وأن يقوم الرئيس أردوغان بزيارة لمصر، فكان جوابه «وارد طبعاً»، لافتاً الى انه يعتز بالعلاقات المصرية ـــــ التركية القوية سابقاً، ويكنّ كل الاحترام والتقدير للشعب التركي.

الرسالة لم تأتِ من فراغ
ثمّة كثير من المؤشرات التي تقول إنّ الرسالة المصرية لم تأت من فراغ وإنّ توقيتها الذي يتزامن مع تطورات إقليمية ليس عبثيا، وإنّه جاء ليبني على المحاولات السابقة.

خلال العام الماضي، إنخفضت كثيراً حدّة التراشق الاعلامي المباشر لاسيما بين المسؤولين في البلدين، ولا شك انّ جزءً من هذا الانخفاض يعود الى إنشغال البلدين بقضايا أكثر أهمّية لكل منهما، لكن جزءً منه يعود ايضا الى الرغبة في الابقاء على «شعرة معاوية» كما يُقال.

من وجهة النظر الرسمية التركية، غالبا ما كان النقاش غير العلني حول كيفية التعامل مع الوضع المصري يدور حول خيارين.

هناك من يرى أنّه لا مانع من عودة العلاقات مع مصر لكن ليس من البوابة السياسية وانما من البوابة الاقتصادية على اعتبار أنّ هذا الخيار مفيد للشعب المصري ويبقي على حد أدنى من العلاقات بين البلدين من دون الاضطرار الى الانفتاح السياسي الكلّي على السلطة المصرية.

في المقابل، كان هناك رأي آخر يقول إنّه لا مانع من عودة العلاقة السياسية مع مصر تدريجيا، لكن ضمن ضوابط معيّنة، على الا يجبر ذلك رئيس الجمهورية التركية على التراجع عن مواقفه المبدئية السابقة التي كان قد أطلقها بخصوص ما جرى في يوليو 2013.

خلال العامين الماضيين، كان صانع القرار التركي يتنقّل بين هذين الخيارين، ولم تمنع وجهتا النظر هاتان الجانبين من التواصل في الحالات التي كان لا بد فيها من تواصل، خاصة في ما يتعلق بملفات تعود الى طرف ثالث أو بلد ثالث وغالبا ما كانت هذه الاتصالات تعود الى الوضع في غزة.

وبين هذا الخيار وذاك، حاول الجانب التركي استغلال بعض الظروف الإقليمية للدفع باتجاه حلول للوضع المصري الداخلي بشكل يسمح باستعادة العلاقات التركية ــــ المصرية، ويتيح لمصر العودة الى الساحة الاقليمية، حيث جرى الحديث مع تحسّن العلاقات التركية ــــ السعودية عن طرح، كان الجانب التركي قد ارسله الى الجانب المصري بطريقة غير مباشرة، لكن لم يتم تنفيذه.

خيارات جديدة
على الجانب المصري، كانت هناك مساعٍ في البداية لتوظيف محاولات التطبيع الثنائية من أجل الحصول على مكاسب سياسية.

في ذلك الوقت كانت السلطات المصرية بحاجة الى هذا الأمر، حيث قام الجانب المصري في اكثر من محاولة باستغلال التواصل التركي وتصويره على أنّه استجداء من تركيا لعودة العلاقات وأنّ الجانب المصري سينظر في الموضوع ويرد.
لقد أدّى هذا التصرف الى انهيار عدّة محاولات مماثلة.

في ذلك الوقت كان الجانب المصري يحصل على دعم مالي كبير من الامارات والسعودية ولم يكن مضطراً على المدى القصير الى إقامة علاقة مع الجانب التركي من الناحية الاقتصادية، وحتى لو كان يريد ذلك فقد كان للدعم الخليجي حساباته الخاصة أيضاً.

على المستوى الإقليمي، لم تكن مصر حاضرة في اي من ملفات المنطقة، ولذلك كان من الممكن ربما ان يفسر اي انفتاح على تركيا على انه يأتي من موقف ضعف.

أمّا الآن، فقد تغيّر كثير من المعطيات، وقد استطاعت مصر أن تضع قدماً لها في قطاع غزّة بشكل قوي مؤخراً، وهي تبحث عن دور ما في سوريا والعراق.

وعلى الرغم من أنّ هناك التزام إماراتي ــــ سعودي بدعم السلطات المصريّة، الا انّ الدعم المالي المقدّم لها لم يعد بنفس الحجم الذي كان عليه سابقا، وهو الأمر الذي يضطر السلطات المصرية للبحث عن خيارات جديدة لدعم الاقتصادي المحلي، ما يعتبر بدوره دافعاً إضافياً للانفتاح على تركيا.

وعلى الرغم من انّ العلاقات الاقتصادية بين البلدين لم تتطور خلال السنوات الماضية، لكنها لم تنقطع كلياً، وبالتالي من الممكن استخدامها لاختبار مدى جدّية الطرح ومدى المنفعة المتأتية عنه من دون تحمّل اي تكاليف سياسية للطرفين.

في عام 2011، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 4.1 مليارات دولار، وقد ارتفع هذا الرقم مع بداية عام 2013 الى حوالي 5 مليارات دولار قبل ان ينخفض في عام 2015 الى 4.3 مليارات، ومن ثم في عام 2016 الى 4.1 مليارات دولار.

هذا يعني انّ حجم التجارة الحالي بين البلدين يساوي ما كان عليه قبل 5 سنوات، أي في عام 2011.
وفقاً لأرقام الجانب المصري، فقد ارتفعت صادرات مصر الى تركيا خلال الأشهر الخمس الأولى من العام الحالي بنسبة %52 لتصل إلى 837.2 مليون دولار، مقارنةً بــ 549.4 خلال الفترة نفسها من عام 2016.

هذه المعطيات مترافقة مع الإعداد لمؤتمر اقتصادي تركي ــــ مصري، تعني انّ القاهرة ترى انّ هناك فرصة للاستفادة مالياً من الانفتاح الاقتصادي على تركيا.

القرار اتُّخذ
أمّا سياسيا، فعلى الرغم من انّ التطبيع السياسي لم يحسم بعد، فإنّ البناء على الانفتاح الاقتصادي قد يحقّق بعض التقدّم.

وكما عبّر وزير الخارجية المصري عن انفتاح القاهرة دوما على إتمام علاقات سياسية مع أنقرة، فان هناك مؤشرات لدى الجانب التركي توحي بأنّه مستعد كذلك لمثل هذا الأمر، على أن يوطّن الجانب المصري نفسه، على الا يكون رئيس الجمهورية التركية جزءًا من أي تطبيع مرتقب، الا اذا حصلت مصالحة شاملة في مصر.

هناك من يشير ايضا الى حسابات سياسية مصرية ترى انّ هناك حاجة لمنع تركيا من الذهاب كلّياً باتجاه ايران، لأنّ من شأن اتفاق البلدين أن يؤدي الى عزل ما تبقى من اللاعبين الإقليميين العرب، لا سيما بعد الأزمة الخليجية الأخيرة التي كانت سبباً في اتجاه تركيا وعدد من اللاعبين الآخرين باتجاه إيران.

في المقابل، هناك حاجة تركية للاطلاع عن كثب عمّا يجري على الساحة الفلسطينية، لا سيما بعد المصالحة الأخيرة، ومن الصعب تحقيق مثل هذا الامر من دون التواصل مع مصر خلال المرحلة المقبلة.

في المحصلة، لا شك في انّ الجانب التركي سيدرس رسالة وزير الخارجية المصري بشكل جيّد، ولن يرفض على الارجح الرد عليها ايجابيا باستثناء المسألة المتعلقة بامكانية زيارة الرئيس التركي الى مصر، فهذه ستحتاج الى أكثر من مجرّد تصريح واستئناف للعلاقات، وقد يكون من الصعب تحقيقها من دون حصول مصالحة شاملة داخل مصر، لكن من الواضح في هذا السياق انّ هناك قراراً قد اتُّخذ، على أن يجري لاحقاً سبر الفرص المتاحة للخطوة التالية لناحية الحجم والمضمون والمستوى، وذلك للمضي قدماً أو التوقّف عند هذا الحد.

عن الكاتب

د. علي حسين باكير

مستشار سياسي - باحث في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية. سبق وعمل في منظمة البحوث الإستراتيجية الدولية (USAK) أنقرة.


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس