مخلص برزق - خاص ترك برس

لا يكاد يخلو حيٌّ من أحياء إسطنبول أو أيّ مدينةٍ من مدن تركيا من المخابز التي تنتج السّميت التُّركي، ويندر ألاَّ ترى بائعاً يحمل كميّةً كبيرةً منه بطريقة جذَّابة في ميادينها وشوارعها الرئيسة، أو عربةً يفوح أريجه منها وقد حوت ما لذّ وطاب منه مع خيارات متعددة لحشوه بالجبنة أو "الشيكولاتة" أوتناوله "سادة". إنَّه مع كأسٍ من الشَّاي يشكِّل وجبة الإفطار المفضَّلة لمعظم شرائح المجتمع التُّركي طلاّباً وموظَّفين وتجّاراً، ومعهم السُّيَّاح الذين يحرصون على التهام أكبر كميّة منه قبيل عودتهم إلى بلادهم مُحَمَّلين بشيء منه، بعد أن يكونوا قد تمتَّعوا بإطعام نوارس إسطنبول المدلَّلة المُدمنة على ذلك الكعك الشَّهيّ.

السّميت التُّركي يباع الآن في كثيرٍ من دول العالم، وطريقة صُنعه منتشرة على مواقع النّت، أمَّا شقيقه كعك القدس الَّذي يُؤرَّخُ ظهوره إلى الحقبة العثمانيّة فهو علامة تجاريّة محصورة بالقدس وحدها، وحتَّى سكَّان الضِّفَّة المحتلَّة يجدون صعوبة في تهريبه إلى بلداتهم وقراهم، هذا إن تمكنُّوا ابتداءً من دخول القدس.

ذلك الكعك المقدسيّ يمتاز بشكلٍ خاصٍّ به يغاير شكل السِّميت التّركي الدّائري ليأخذ شكلاً مستطيلاً مميَّزاً، وكأنِّي بصانعه قد استوحاه من الأبعاد الهندسيّة المستطيلة للمسجد الأقصى المبارك الّذي تحدِّده أسوارُه المحيطة به، ليذكِّر من يراه ويتناوله بأنَّه أصيلٌ أصالة أبناء القدس الَّذين يشكِّلون درعاً حصيناً لمسجدهم الأقصى باعتزازهم به وتَذكُّرِهم له حتَّى في لقمة عيشهم.

ولا عجب فقد غدا الكعك المقدسيّ زاد المقدسيِّين الحاضر دائماً عند بوَّابات القدس الشّامخة وأبواب الأقصى الصّامدة، فلا يمكن لمن يمرّ بباب حطَّة إلاّ أن تأسره الرَّائحة العبقة المتصاعدة من أفران الكعك المقدسيّ العتيقة الّتي تعود لأكثر من مئة عام، وإن سألت عن أسرار الطَّعم المُمَيَّز له فلا أحد يُجزِم لك بإجابة تشفي غليلك عن ذلك، فمنهم من يعزوه إلى أنَّ مخابز البلدة القديمة تستخدم اليوم بيت النَّار العربي "الفرن العربي" والذي يعود لمئات السِّنين، وهي ذاتها الَّتي كان يستخدمها أصحاب المهنة الأوائل في القدس. ليس هذا فحسب، فاستخدام حطب الزَّيتون الَّذي لا ينتج عنه دخاناً عند حرقه يعطيه ذلك المذاق المميَّز كما يؤكِّد أكثر من صاحب فرن عتيق، ومنهم من يجعل سرَّه في ماء القدس المستعملة في عجينته، وآخرين نسبوا ذلك إلى أجواء القدس وبركتها، حتَّى قيل عنه: "هو كعكٌ مجبولٌ بماء القدس، مرَّت عليه نسماتُ هوائها وخيوطُ شمسها وتكبيرات مسجدها الأقصى؛ ولذلك لن تظفر بطعمه أبداً إذا لم تكن في القدس!". والسؤال الَّذي ينكأ جراحاً هو: مَنْ هذا الَّذي يُمْكنه أن يكون في القدس بعد أن أُحكِم عليها الحِصار وحيل بيننا وبينها بألف جدارٍ وجدار.

ففيما يتحسَّر جموع المسلمين في العالم على عدم تمكنِّهم من شدّ الرِّحال إلى الأقصى والتمتُّع ببركاته التي لا تُحصى، لا يُخْفي أصحاب الأفران المقدسيّة حسرتهم على فقدانهم أعداداً هائلة من مستهلكي كعكهم المقدسي، ليس فقط من المقيمين خلف الحدود، وإنَّما جيرانهم الأقرب إليهم ممَّن حال بينهم وبين المدينة المقدَّسة تشييد الجدار العنصريّ البغيض، والذي تزامن بناؤه مع إصدار قوانين صارمة شكلَّت جدراً منيعة وحواجز فاصلة بين أهالي الضِّفّة وغزَّة والقدس المحتلَّة، وزاد من معاناتهم وحصارهم ما جرى من تضييقٍ على الحركة الإسلاميّة في أراضي الدَّاخل الفلسطينيّ المحتلّ عام 1948 وصولاً إلى حظرها قانونيّاً، وهي التي كانت قد أسهمت بشكلٍ كبيرٍ في تنشيط أهالي الدَّاخل للصَّلاة في المسجد الأقصى من خلال حملات البيارق والفعاليات والأنشطة المختلفة، والَّتي اشتملت في إحدى المراحل على تهيئة المصلَّى المروانيّ للصَّلاة ليستوعب أعداداً كبيرة من المُصلِّين.

حُوصرَ الكعك المقدسيّ وضُيِّق عليه، لكنَّ أهل القدس عاملوه بوفائهم المعهود، وعبَّروا عن اعتزازهم به من خلال التَّأكيد على هويته المقدسيَّة ورفض كلّ محاولات العدوّ الرَّامية إلى سرقته وتهويده هو والمأكولات التُّراثيّة الشَّعبية الفلسطينيّة كالفلافل والزَّعتر، كما فُعِل مع الثَّوب الفلسطيني والمطرَّزات التُّراثيَّة. ونشطوا بالتَّعريف به والتَّرويج له في المنصَّات والمواقع والحسابات الشخصيَّة عبر وسائل التَّواصل الاجتماعي، اقترنت فيها صور قُبَّة الصَّخرة الذهبيَّة بالكعك المُرَصَّع بحبيبات السّمسم الذَّهبيَّة، وصُوَرُ أبوابِ القدس والأقصى مع عربات الكعك الَّتي باتت مَعْلَماً مهمّاً من معالم المدينة المباركة.

ومن جهة أخرى فقد أبدى أصحاب الأفران والمخابز ارتياحهم لجهود المقدسيِّين المباركة خلال الفعاليات المناهضة للاحتلال وإجراءاته التهويديَّة للقدس والمسجد الأقصى بالحرص على الحضور الواضح للكعك المقدسيّ بما يُمَثِّلهُ من رمزيَّة، وهو ما تَسبَّب في زيادة الطَّلب عليه، ليس فقط في المواسم الَّتي تزدان به، كأيَّام الجُمَعِ وشهر رمضان المبارك وعيدي الفطر والأضحى. فقد أضافت مؤخَّراً حملات الفجر العظيم موسماً مهمّاً ومميَّزا له فجر كلّ جمعة، فقد تسابق الخيِّرون فيه إلى توفير كعك القدس مجّاناً للمصلِّين، وهو ما أثار حفيظة المحتلّ، خاصَّة مع نجاح الحملات في استقطاب أعداد كبيرة جدّاً ضاهت فيه جموع المصلِّين في صلاة الفجر مثيلاتها في صلاة الجمعة، مع ما يبعثه ذلك من دلالات وإشارات محوريَّة في مآلات الصِّراع بين أصحاب الأرض والطَّارئين عليها.

كلُّ ذلك أدخل كعك القدس ضمن تصنيف الموادّ الخطرة الّتي اعتبر المحتلّ أنَّ فيها مَساسٌ بأمنِهِ بشكلٍ مباشِر، وذلك من خلال مساهمته في تثبيت المقدسيِّين وإنجاح فعالياتهم الرَّامية إلى الحِفاظ على هويّة المسجد الأقصى، الأمر الَّذي جعله عرضة للبطش الصهيونيّ حيث تمَّت مصادرة عربات الكعك، وفُرضت غرامات هائلة على أصحابها وأصحاب الأفران التي ثَبَتَ أنَّها وزَّعتْهُ على المصلِّين مع بلاغاتٍ بإغلاق بعضها بحججٍ باطلة مختلقة.

وهو ينضمّ بذلك إلى قائمةٍ طويلةٍ من الموادّ المشبوهة كالسَّحلب والحلويات المقدسيَّة والفلافل الَّتي تُعَرِّض من تضبط بحوزته "لغرض التَّوزيع على المصلِّين" في حملات الفجر العظيم للملاحقة والبَطشِ والتَّنكيلِ والاعتقال أو الإبعاد عن المسجد الأقصى.

سوفَ ينتصرُ الكعكَ المقدسيّ على خبز (الحلة) و (المتساه) اليهودي، ولَسَوْف يتذوَّق أبناءُ الأُمَّة طعم العزَّة والكرامة وهم يشاركون المقدسيِّين كعكهم الفاخر داخل المسجد الأقصى المبارك مُحَرَّراً.

عن الكاتب

مخلص برزق

كاتب فلسطيني


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس