د. علي محمد الصلابي - خاص ترك برس

بعد انتصار الثورة العباسية، وأفول الدولة الأموية وسقوطها في عام 132ه/750م، أخذ أنصار بني العباس في تعقب كل من كان مؤهلاً لأن يشكل على الدولة الجديدة خطراً من رجال بني أمية وأمرائهم، فظفروا بعدد كبير منهم وقتلوهم، إلا قلة منهم شاء الله أن تنجو من سيوف المسودة، وكان منهم أحد أحفاد الخليفة هشام بن عبد الملك، وهو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام. الذي هرب من مستقرة في دير خنان من أعمال قنسرين في الشام إلى بعض قرى العراق بالقرب من الفرات، وقد تعقبته خيول بني العباس وعيونهم، فعبر الفرات مع أخيه هشام سباحة، فنجا من المسودة بينما لم يقدر لأخيه هشام النجاة فقد قتل، ثم تابع مسيره فاراً في رحلة طويلة شاقة وعجيبة لاقى فيها من الأهوال والمصاعب ما يصلح لأن تحكى قصته وتروي في عجائب الحكايات والمرويات، ووصل أخيراً إلى مراده، فبلغ المغرب الأقصى ونزل عند أخواله نفزه من قبائل البربر حيث أن أمه منهم (السرجاني،2011، 137-183).

نشأ عبد الرحمن أميراً في بيت الخلافة الأموي، وقد رأى فيه مسلمة بن عبد الملك معالم الإمارة والرئاسة وتوسم فيه خيراً. حتى إن عبد الرحمن سمع ذلك منه مشافهةً، فزرع ذلك في نفس عبد الرحمن الثقة والطموح (السرجاني،2011، 137). ولذلك فبعد وصوله للمغرب يمم وجهه شطر الشمال نحو الأندلس، وكانت الأندلس في ذلك الوقت قد أهلكتها وأنهكتها الصراعات والنزاعات والفتن بين مختلف الأعراق والطوائف فيها، ولم يستطع الولاة المتعاقبون تأسيس نظام مستقر وقوي لكيان الحكم الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية، مما أعطى الفرصة لبعض المتمردين النصارى في الشمال فوسعوا مناطق نفوذهم وأسسوا مملكة صغيرة تتموضع في منطقة جبلية في أصى شمال الأندلس وهي مملكة استورياس. والتي أصبحت مركزاً لمقاومة الحكم الإسلامي والإغارة على المناطق الإسلامية المجاورة. 

وكل ذلك شجع عبد الرحمن إلى التوجه إلى الأندلس والمطالبة بالحكم فيها، فهو أمير أموي فار، لا أمان له إلا بالحكم فالكل يتعقبه ويخشى أن يدعو لنفسه، وهذا حال الأمراء وأبناء الأمراء في أحكام ذلك الزمان، فإما أن يكون لهم الصدر أو القبر. والأندلس بلد إسلامي فتح في عهد أجداده الخلفاء من بني أمية، وهو بحاجة إلى حاكم ذو شرعية قوية يجتمع الناس عليه ولا يختلفون على أحقيته في الحكم والسيادة عليهم. وهكذا فإن عبد الرحمن بحاجة الأندلس والأندلس بحاجة عبد الرحمن.

فبعث مولاه بدراً إلى جماعة من موالي بني أمية في الأندلس ورؤسائهم، وأهمهم ثلاثة: أبو عثمان عبد الله بن عثمان، وعبد الله بن خالد ويوسف بن بخت. يسألهم أن يأمنوا مأوىً كريماً لعبد الرحمن وذويه. وقد عرف هؤلاء مقصد عبد الرحمن ورغبته في ولاية الأندلس وحكمها، فهو لن يكتفي بالجلوس والخمول ولن يقنع بذلك، فهو لا يستطيع ذلك أصلاً، فرأسه مطلوب في كل مكان. وفي حقيقة الأمر فقد وافق هوى عبد الرحمن هوى موالي بني أمية وموالي قريش، وكان هؤلاء الموالي من خيرة مسلمي الأندلس، ولهم خبرة وباع في حكمها وإدارتها من أيام الفتح (مؤنس،1997، 288).

بدأ موالي بني أمية في الدعوة إلى عبد الرحمن، فتوجهوا إلى الصميل بن حاتم الذي كانت القوة الحقيقية في يده رغم أن والي الأندلس هو يوسف الفهري، فلم يجدوا غايتهم عنده، ثم كلموا فيه شيوخ اليمنية الناقمين على يوسف الفهري والصميل بن حاتم ذوي العصبة القيسية، فاستجاب اليمنية له ولدعوته وخصوصاً عرب غرناطة، فأرسلوا في دعوته. وقد عبر عبد الرحمن إلى الأندلس فعلاً فوصل "فرضة المنكب" في غرناطة في الخامس عشر من رمضان لربيع 137ه/754م، فانتقل إلى "طرش" ونزل عند يوسف بن بخت حيث اجتمع أنصاره وأشياعه هناك (مؤنس،1997، 289). ومن هذه اللحظة فقد أصبح عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، عبد الرحمن الداخل، لكونه أول من دخل من بني أمية إلى الأندلس.

وصل خبر عبد الرحمن إلى يوسف الفهري والصميل وهما بالقرب من طليطلة، وذلك بعد طريق عودته من سرقسطة بعد أن قضى على تمرد ضد حكمه هناك. فأسرع في السير إلى قرطبة ووصلها وكان ذلك في عام 138ه (عنان،1997، 136). ثم خرج يوسف إلى المصارة في ظاهر قرطبة من الغرب، على ضفة نهر الوادي الكبير، بينما عسكر عبد الرحمن وأنصاره على الضفة المقابلة للنهر. وبعد أن مكث الجيشان ثلاثة أيام، تأهبا للحرب في اليوم الرابع، فأمر عبد الرحمن عسكره بعبور النهر في يوم الخميس التاسع من ذي الحجة، ونشبت معركة عنيفة على قصرها بين الفريقين، ورغم التفوق العددي لفرسان يوسف وجنده، إلا أن التشتت قد أضعفهم، بينما كانت الحماسة والعزيمة تشتعل في نفوس جند عبد الرحمن، فلم يأت الضحى حتى هزم جيش يوسف هزيمة شديدة، قتمكن عبد الرحمن من دخول قرطبة دون مقاومة تذكر بعدها، وبويع له في الإمارة في العشر من ذي الحجة سنة 138ه (عنان،1997، 154).

وقد كان لعبد الرحمن عدة مواقف أبدى فيها من الصفات والخلال الحميدة التي تؤكد على أنه رجل دولة مسلم من الطراز الرفيع، فلما بدأ اليمنيون يتجهزون لملاحقة فلول جيش يوسف الفهري وأتباعه، بقصد الغنيمة والثأر لوقائع كانت قد نشبت قبل ذلك بينهم، منعهم عبد الرحمن بن معاوية قائلاً: " لا تستأصلوا شأفة أعداء ترجون صداقتهم، واستبقوهم لأشد عداوة منهم "، يقصد بذلك أن هؤلاء وإن قاتلنا معهم فهم إخواننا في الدين نستبقيهم لقتال الأعداء الحقيقيين من نصارى استورياس وليون وفرنسا وغيرها. وهذا يدل على ترفع عبد الرحمن عن العصبية، وأنه رجل دولة لا رجل قبيلة، وأنه كان ينوي بناء دولة قوية للمسلمين في الأندلس تحقق الاستقرار وتعلي راية الحق والجهاد، وتقضي على الخطر القادم من الشمال. ومما يدل على أخلاقه الرفيعة وترفعه عن الحقد والغل، منعه لبعض المقاتلين الذين حاولوا نهب قصر يوسف وأملاكه وسبي أهله وحريمه، فأعطى الفرصة لأهل يوسف أن يجمعوا متاعه ويغادروا في ثلاثة أيام، فكانت هذه بداية طيبة لسيرة طيبة (السرجاني،2011، 147-148).

ثم بدأ عبد الرحمن الداخل في تنظيم أمور الأندلس، فتوطيد الدولة أصعب من تأسيسها، خصوصاً في بلداً أهلكته الفتن الطويلة، فقد قضى فترة حكمه في القضاء على الثورات والفتن في كافة أنحاء الأندلس، وتمكن من ذلك فأخمدها واحدة تلو الأخرى بعزم وحزم عجيبين. فجعل دولته الفتية دولةً قوية مرهوبة الجانب (السرجاني،2011، 150).

وقد أثبت الداخل نفسه كأمير على البلاد، فسرعان ما تعرف على أهلها وعرف أرضها، ومنها عرف كيف يسوسها. وظهرت مواهبه وصفاته القيادة كحسن السياسة والتدبير والحزم وبعد الهمة. فبدأ في التأسيس لإدارة مركزية قوية اعتمد فيها بالدرجة الأولى على موالي بني الأمية حتى يغلق الباب على عصبيات القبائل العربية التي أهلكت البلاد والعباد، فأسس دولة لجميع الرعايا، تقف على قدم المساواة من العرب والبربر والسكان المحليين منهم. وقد ظن اليمنيون أن الدولة قد سقطت في أيديهم بعد انتصار عبد الرحمن، فيكون لهم الحكم على الحقيقة من خلال الأمير الأموي الذي نصبوه، لكنهم تفاجؤوا بأن الدولة الجديدة لا تفرق بين قيسيين ويمنيين، ولا عرب وبربر، ولا بين أهل البلاد المحليين (مؤنس،1997، 299-300).

 ولعل أبرز وأخطر الثورات ضده، هي ثورة العلاء بن مغيث الحضرمي الذي رفع السواد ودعا للعباسيين بعد أن تواصل مع أبي جعفر المنصور، فأرسل له المنصور سجلاً يوليه على الأندلس، فدعا لنفسه في باجة وجمع حوله أنصاره من الفهرية واليمنية، فكثر جمعه وحشده. فخرج الداخل بجيشه للقائه وتحصن في قرمونه، فضرب عليها العلاء الحصار، ولما طال أمد الحصار، انفض بعض عسكر العلاء عنه، وانتقل عبد الرحمن من الدفاع إلى الهجوم فباغت جند العلاء وهزمهم هزيمة منكرة، فقتل جمع منهم، وكان العلاء بين القتلى (عنان، 1997، 162).

لقد اعترف بصفات عبد الرحمن الفذة البعيد والقريب، والعدو والصديق، وممن شهد له بذلك عدوه الخليفة العباسي أبو جعفر، والحق ما شهدت به الأعداء، فهو من أعطاه لقب "صقر قريش"، فقد روي أن أبا جعفر قال لجلسائه ذات يوم: " من صقر قريش من الملوك؟ قالوا: ذاك أمير المؤمنين الذي راض الملوك، وسكن الزلازل، وأباد الأعداء، وحسم الأدواء. فقال: ما قلتم شيئاً !. قالوا: فمعاوية؟ قال: لا. قالوا: فعبدالملك بن مروان؟ قال: ما قلتم شيئاً. قال: يا أمير المؤمنين، فمن هو؟. قال: صقر قريش عبدالرحمن بن معاوية، الذي عبر البحر، وقطع القفر، ودخل بلداً أعجمياً، منفرداً بنفسه، فمصّر الأمصار، وجند الأجناد، ودون الدواوين، وأقام ملكاً بعد انقطاعه، بحسن تدبيره، وشدة شكيمته، إن معاوية نهض بمركب حمله عليه عمر وعثمان، وذللا له صعبه، وعبدالملك ببيعة أبرم عقدها، وأمير المؤمنين بطلب عترته، واجتماع شيعته، وعبدالرحمن مفردٌ بنفسه، مؤيد برأيه، مستصحب لعزمه، ووطد الخلافة بالأندلس، وافتتح الثغور، وقتل المارقين، وأذل الجبابرة الثائرين. فقال الجميع: صدقت والله يا أمير المؤمنين " (السرجاني،2011، 153).

هذه هي قصة هذا الأمير الفريد في التاريخ الإسلامي، لقد جعل الأندلس دولة قوية مرهوبة الجانب، واستقر الحكم فيها لعقبه قرابة قرنين من الزمان، علا فيها صرح الحضارة والعلم والفلسفة، وبرع أهلها بكافة الفنون، وعاشت فيها مختلف الأعراق والطوائف والمذاهب في أمن وسلام. وبذاك فقد أقامت الدولة الأموية في الأندلس الدين والدنيا معاً. فرحم الله صقر قريش رحمة واسعة.


المراجع: 

  • حسين مؤنس، معالم تاريخ المغرب والأندلس، دار الرشاد، القاهرة، ط2، 1997.
  • راغب السرجاني، قصة الأندلس من الفتح إلى السقوط، جـــ1، مؤسسة اقرأ، القاهرة، ط1، 2011.
  • علي محمد الصلابي، الدولة الأموية، دار ابن كثير، بيروت، ط1 2005. 
  • محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس من الفتح إلى بداية عهد الناصر، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط4، 1997.

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس