د. علي محمد الصلابي - خاص ترك برس

هو الشيخ، الإمام، القدوة، المجتهد، شيخ الإسلام، أبو إسحاق، إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز ابادي، الشيرازي، الشافعي، نزيل بغداد، قيل: لقبه جمال الدين ، كان مولده سنة ثلاث وتسعين وثلاثمئة (الذهبي، 1982، ج18، ص453)

.1 ـ شيوخه وتلاميذه:

تفقه على أبي عبد الله البيضاوي، وعبد الوهاب بن رامين بشيراز، وأخذ بالبصرة عن الخرزي، وقدم بغداد سنة خمس عشرة وأربعمئة، فلزم أبا الطيب الطبري، وبرع وصار مُعيده، وكان يُضرب المثلُ بفصاحته وقوة مناظرته، وسمع من أبي علي بن شاذن، وأبي بكر البرقاني، ومحمد بن عبيد الله الخرجُوشي، وحدث عنه: الخطيب، وأبو الوليد الباجي، والحُميديُّ، وإسماعيل بن السمرقندي، والزاهد يوسف بن أيوب، وأبو نضر أحمد بن محمد الطوسي، وأبو الحسن بن عبد السلام، وأحمد بن نصر بن حِمّان الهمذاني خاتمة من روى عنه .(الذهبي، 1982، ج18، 454)

2ـ مكانته وثناء الناس عليه:

قال السمعاني: هو إمام الشافعية ومدرس النظامية، وشيخ العصر، رحل الناس إليه من البلاد وقصدوه، وتفرد بالعلم الوافر مع السيرة الجميلة والطريقة المرضيّة، جاءته الدنيا صاغرة، فأباها، واقتصر على خشونة العيش أيام حياته.

صنَّف في الأصول والفروع والخلاف والمذهب، وكان زاهداً، ورعاً، متواضعاً، ظريفاً، كريماً، جواداً، طلق الوجه، دائم البشر، مليح المحاورة .(السبكي، 1964، ج4،  ص227)

وقال أبو بكر الشاشي: أبو إسحاق حجة الله على أئمة العصر ، وقال الموفق الحنفي: أبو إسحاق أمير المؤمنين في الفقهاء . ولما قدم أبو إسحاق نيسابور رسولاً تَلقَّوه، وحمل إمام الحرمين غاشية، ومشى بين يديه، وقال: أفتخر بهذا . (السبكي، 1964، ج4،  ص222) وكان عامة المدرسين بالعراق والجبال تلامذته وأتباعه، وكفاهم بذلك فخراً، وكان ينشد الأشعار المليحة، ويوردها، ويحفظ منها الكثير .( النووي،دت، ج2، ص173)

وكان الوزير ابن جهير كثيراً ما يقول: الإمام أبو إسحاق وحيد عصره وفريد دهره، ومستجاب الدعوة. وقال نظام الملك: وأثنى على أبي إسحاق، وقال: كيف حالي مع رجل لا يُفرِّق بيني وبين نهروز الفَرَّاشي في المخاطبة؟ قال لي: بارك الله فيك، وقال له لمَّا صبَّ عليه كذلك . وقال محمد بن عبد الملك الهمذاني: حكى أبي قال: حضرت مع قاضي القضاة أبي الحسن الماوردي عزاءً فتكلم الشيخ أبو إسحاق واجلاً، فلما خرجنا قال الماوردي: ما رأيت كأبي إسحاق، لو راه الشافعي لتجمَّل به .( السبكي، 1964،ج4، 227)

وقال السلفي: سألت شجاعاً الذُّهلي عن أبي إسحاق، فقال: إمام أصحاب الشافعي والمقدَّم عليهم في وقته ببغداد، كان ثقة، ورعاً، صالحاً، عالماً بالخلاف علماً لا يشاركه فيه أحد . قال محمد بن عبد الملك: ندب المقتدي بالله أبا إسحاق للرسلية إلى المعسكر، فتوجَّه في آخر سنة خمس وسبعين، فكان يخرج إليه أهل البلد بنسائهم وأولادهم يمسحون أردانه ، ويأخذون تراب نعليه يستشفون به، وخرج الخبَّازون ونثروا الخبز، وهو ينهاهم، ولا ينتهون، وخرج أصحاب الفاكهة والحلواء، ونثروا على الأساكفة، وعملوا مداسات صغاراً ونثروها، وهي تقع على رؤوس الناس، والشيخ يعجب، وقال لنا: رأيتم النِّثار، ما وصل إليكم منه؟ فقالوا: يا سيدي وأنت أيَّ شيء كان حظك منه؟قال: أنا غطَّيت رأسي بالمَحفَّة .( الذهبي، 1982، ج18، ص459)

وهذا الأثر يدل على محبة الناس له ومكانته في قلوبهم، وقد حاول الشيخ أن ينهاهم عن هذه التصرفات، وهذه هي أخلاق العلماء، ولكنَّ العوام تصدر منهم هذه الأمور نتيجة العاطفة، وإن كان فيها بعض التجاوزات، وقال شيرويه الدّيلمي في (تاريخ همذان) : أبو إسحاق إمام عصره قدم علينا رسولاً إلى السلطان ملكشاه، سمعت منه، وكان ثقة زاهداً في الدنيا على التحقيق، أوحد زمانه ، وقال الذهبي عنه: درَّس بها ـ أي: المدرسة النِّظامية ـ بعد تمنُّع، ولم يتناول جَامِكية  أصلاً، وكان يقتصر على عمامة صغيرة، وثوب قطني، ويقنع بالقوت، وكان الفقيه رافع الحمال رفيقه في الاشتغال، فيحمل شطر نهاره بالأُجرة، وينفق على نفسه، وعلى أبي إسحاق، ثم إن رافعاً حجَّ وجاور، وصار فقيه الحرم في حدود الأربعين وأربعمئة .( الذهبي، 1982،ج17، ص461)

3 ـ مؤلفاته وشيء من شعره:

قال الشيخ أبو إسحاق: كنت أُعيد كل قياس ألف مرة، فإذا فرغت أخذت قياساً آخر على هذا، وكنت أُعيد كل درس ألف مرة، فإذا كان في المسألة بيت يُستشهدُ به حفظت القصيدة التي فيها البيت .

وكان يصلي عند فراغ كل فصل من المهذب ، وكان إماماً في الفقه والأصول والحديث وفنون كثيرة، وله المصنفات الكثيرة النافعة ،( ابن كثير،1989، ج16، ص87) وبحسن نيته في العلم، اشتهرت تصانيفه في الدنيا ، كالمهذَّب في المذهب، والتنبيه، والنكت في الخلاف، واللمع في أصول الفقه، والتبصرة، والمعونة، وطبقات الفقهاء، وغير ذلك، ومن شعره الذي نظمه:

أحِبُّ الكأسَ من غيرِ المدامِ          وألهو بالحســــــابِ بلا حَــــــرَامِ

ومــــا حُبِّي لفاحـــــشةٍ ولــــــــــكن          رأيتُ الحُبَّ أخلاقَ الكرامِ

 وقال:

سألت النــاس عن خـــلٍّ وفيّ          فقـــــالوا: ما إلى هذا سبيـــلُ

تمسك إن ظــفرت بِوُدِّ حُــــرٍّ           فإن الحُرِّ في الدنيا قَليلُ

وقال:

ولو أنِّي جُعِلتُ أميرَ جيشٍ           لــمـــا قــــاتـــلتُ إلا بالسُّــــــــــــؤَالِ

لأنّ النــــــاسَ ينهزمــــــــــون منه            وقدْ ثبتوا لأطراف العوالي

 وقد امتدحه الشعراء في حياته، ومنهم عاصم بن الحسن حيث قال فيه:

تراه مِن الذَّكاء نحيفَ جسمٍ          عـــــــــليه مِــــــــــنْ تَـــــــــوَقُّــــــــدِه دَلــــــــــيلُ

إذا كانَ الفتى ضَـــخمَ المعاني          فَليسَ يضيرُه الجسمُ النحيلُ

 4 ـ وفاته:

توفي ليلة الحادي والعشرين من جمادى الآخرة سنة ستٍّ وسبعين وأربعمئة ببغداد، وغسَّله أبو الوفا بن عقيل الحنبليُّ، وصُلِّي عليه بباب الفردوس من دار الخلافة، وشهد الصلاة عليه المقتدي بأمر الله، وتقدَّم للصلاة عليه أبو الفتح المظفَّرُ بن رئيس الرُّؤساء، وكان نائب الوزارة، ثم صُلِّي عليه مرة ثانية بجامع القصر، ودُفن بباب أبرز في تُربة مجاورة للناحية ـ رحمه الله تعالى ـ، وعمل العزاء بالنِّظاميَّة، ثم رَتَّب المؤيد بن نظام الملك بعده في تدريس النظامية أبا سعد المتولي، فلما بلغ ذلك النظام، كتب بإنكار ذلك، وقال: كان من الواجب أن تُغلق المدرسة سنة من أجل الشيخ وعاب على من تولّى وأمر أن يُدرِّس الإمام أبو نصر عبدُ السيد بن الصباغ بها .( الذهبي،1982، ج18، ص461) وممن رثاه أبو القاسم بن ناقياء الأديب الشاعر حيث قال:

أجرى المدامــــــع بالــــــدَّم المهــــــــــراقِ               خـــــــطبٌ أقــــــامَ قـــــيامةَ الآمـاقِ

خطبٌ شَجَا مِنّا القلوبَ بلوعةٍ                بينَ التــــراقي مَا لـــهــــــا مِنْ رَاقِ

مَــا لِلَّيــــــــــالي لا تُـــــــــــؤَلِّف شــــملَها               بعدَ ابن بَجْدَتها أبي إسحاقِ

إن قيلَ مات فَلمْ يمتْ مَنْ ذِكْرُهُ               حَيٌّ على مَــــرِّ اللــيالي بــــاقِ

 ومات أبو إسحاق، ولم يخلف درهماً، ولا عليه درهم، هكذا فليكن الزهد، وما تزوج فيما أعلم ، ولم يمت إلا بعد أن ترك أثراً نافعاً خلفه من المصنفات، والعلماء، والخطباء، والقضاة، فعن أبي إسحاق قال: خرجت إلى خراسان فما دخلت بلدة إلا كان قاضيها أو خطيبها أو مفتيها من أصحابي. (الذهبي،1982،ج18، ص462)


مراجع البحث:

علي محمد الصلابي، دولة السلاجقة وبروز مشروع إسلامي لمقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي، مؤسسة إقرا، القاهرة، 2006، صص 431-435

تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، طبع بمطبعة عيسى البابي الحلبي ط 1، 1384 هـ. 1964

محيي الدين بن شرف النووي، تهذيب الأسماء واللغات، إدارة الطباعة المنيرية.

شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، 1402 هـ/ 1982م..

ابن كثير، البداية والنهاية، مركز البحوث والدراسات بدار هجر مصر، الطبعة الأولى 1419 هـ.1989.

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس