ندرت أرسنال - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

بعد أيام قليلة من قيام الرئيس الصيني شي جين بينغ بتوديع ترامب عبر إطلاعه على أشجار عمرها ألف عام — علماً أن ملك بريطانيا كان قد سخر أيضاً من التاريخ الأمريكي الممتد لـ250 عاماً قائلاً: «بالنسبة لنا يبدو الأمر وكأنه الأمس فقط». أي إن انعدام الجذور الأمريكية لا يزال موضوعاً للتندر العالمي — كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في بكين. هذه الزيارة لن تحظى بالاهتمام الذي حظيت به زيارة ترامب، لكنها ستنتج نتائج ملموسة أكثر منها...

فزيارة بوتين الخامسة والعشرين إلى بكين، التي أُعلن عنها بينما كان ترامب يستعد لزيارة الصين، حملت أيضاً رسالة مفادها: «إن علاقتنا مع روسيا لن تتغير بعدك». ويمكن أن نسمي ذلك تأكيداً على «الانسجام الاستراتيجي»...

إن المشهد الذي تتنقل فيه القوى العظمى، وتأتي واحدة بعد الأخرى إلى جانب عشرات الدول، يصبّ أكثر ما يصبّ في صورة الصين. فهي تمسك مصباح «الاستقرار والقدرة على رؤية المستقبل» في عالم يتخبط...

لقد دخلت العلاقات بين بكين وموسكو مرحلة صعود سريع بعد الحرب الأوكرانية. ومن ضمن ذلك أن روسيا أصبحت أكثر اعتماداً على الصين. أما التعقيدات فهي شأن لاحق، لكن الوضع بالنسبة للصين مريح؛ فهي تصل إلى موارد الطاقة الروسية الهائلة، وتدعم شريكاً استراتيجياً مثل روسيا...

وفي هذه المرة ستكون الطاقة البند الأول. والأهم هو مشروع خط أنابيب الغاز الطبيعي «قوة سيبيريا-2». المشروع ضخم، لكن لا تزال هناك مراحل بيروقراطية لم يتم تجاوزها بعد. وستتقدم المفاوضات عبر هذا الملف. فالصين تستورد الطاقة من دول عديدة، وتسعى إلى تحقيق التوازن بينها...

أما النفط فالوضع فيه أسهل. فرغم العقوبات، تواصل الصين شراء النفط الخام الروسي، ويتم تنفيذ المدفوعات باليوان الصيني بدلاً من الدولار الأمريكي...

ومن المفيد فتح قوس واسع هنا. لأن المشروع نشأ نتيجة التحولات في السياسة العالمية وديناميكيات الطاقة. فآسيا تتحول إلى موقع حيوي بالنسبة للاقتصاد الروسي ومستقبله. وقد يستمر تأثير ذلك لعقود، كما أنه سيؤثر علينا أيضاً. فالخط يُعد أحد أهم ممرات الطاقة في أوراسيا. وسيؤثر على النظام الجيوسياسي في أوراسيا وبحر قزوين، وعلى سياسات تركيا المتعلقة بـ«الطريق الأوسط». وستصل رياحه إلى آسيا، ومنها إلى بحر قزوين وتركيا، بل وحتى إلى أوروبا. كما سيخلق تأثيراً متوسعاً في أسواق الطاقة...

فالخط، الذي تبلغ سعته 50 مليار متر مكعب وطوله 2600 كيلومتر، سيُمدّد ويُعمّق الشراكة الاستراتيجية بين القوتين العظميين على «المدى الطويل». وبالطبع هناك أيضاً «قوة سيبيريا-1» الذي ينقل نحو 40 مليار متر مكعب من الغاز...

ومع ذلك، فليس كل شيء مثالياً. فالمفاوضات معقدة بعض الشيء. إذ إن التسعير، وشروط العقود، وسياسة الصين القائمة على تنويع مصادر الطاقة، كلها عوامل تُبطئ العملية. وهناك أيضاً مسألة الاستثمار المالي، إذ يتطلب المشروع أموالاً طائلة. لكن أياً من ذلك لم يُضعف الإرادة لتنفيذه. ووفقاً لبكين، سيتم إنجازه خلال عشر سنوات...

إن التقلبات العالمية في الطاقة التي خلقتها الحربان الأوكرانية والإيرانية، وامتدادهما إلى مناطق أوسع، تُعد ملفاً بالغ الأهمية في علاقة القوتين العظميين، لكن القضية الأساسية ليست هذه...

فالبلدان يمتلكان انسجاماً استراتيجياً بشأن النظام العالمي المستقبلي. وهما يغذيان إمكانات بعضهما البعض لإعادة كتابة السياق الاستراتيجي المتبادل. وهذا ما يُشكل تنافس العالم في مجالات الطاقة والعلاقات الدولية والجيوسياسة...

ويمكن القول إنه، رغم كل التوقعات والإشارات إلى الماضي الذي تخللته بعض الأحداث غير السارة بين البلدين، فإن روسيا والصين ستواصلان التحرك معاً.

خبر مثير جداً للاهتمام...

«حرب صامتة في القوقاز؛ مراكز البيانات الأمريكية تُنقل إلى الحدود الإيرانية. إن توجه عمالقة التكنولوجيا الأمريكية إلى جنوب القوقاز نقل التنافس بين أرمينيا وأذربيجان إلى بُعد جديد. وفي ظل حرب إيران-إسرائيل/الولايات المتحدة، لم تعد مراكز البيانات مجرد استثمار اقتصادي، بل أصبحت في قلب حسابات أمن الطاقة، والدفاع الجوي، والاستقرار الجيوسياسي. فهل يتحول القوقاز إلى جبهة رقمية جديدة لعصر الذكاء الاصطناعي؟» (برس تي في وجمهوريت، 18/05).

لماذا تقوم شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة مثل Firebird وDell Technologies وNVIDIA بإنشاء أول بنية تحتية رقمية بهذا الحجم، والتي تُعد نقطة تحول إقليمية، في منطقة جغرافية شديدة الخطورة، مقابل إنفاق 500 مليون دولار؟

وإذا كان الطرف الشرقي لأوراسيا هو «قوة سيبيريا»، فماذا يعني أن يكون الطرف الغربي هو «الذكاء الاصطناعي»؟

يمكن فهم هذا الاهتمام العالمي بجنوب القوقاز من خلال مسار «ممر زنغزور». فإذا كان «مسار ترامب للسلام والازدهار الدولي (TRIPP)» الذي أُعلن عنه في أغسطس الماضي لا يمثل مجرد طريق استراتيجي للنقل والعبور، بل يتحول أيضاً إلى «ممر رقمي»، وإذا كانت أرمينيا وأذربيجان ستتحولان عبره إلى نوع من «الشراكة» عبر استكمال نواقص بعضهما البعض، أو ربما إلى منافسين، فمن الضروري على الأرجح التفكير بشكل أعمق في ما يجري وفي تنوع اللاعبين...

فليست الولايات المتحدة وروسيا وتركيا أو الصين وحدها موجودة هنا، بل إن الاتحاد الأوروبي حاضر أيضاً. إذ يستثمر في احتياجات الطاقة لدى دول المنطقة على وجه الخصوص. لكن هذا التنافس لا يزيل الطبيعة الخطرة للمنطقة. فالحرب الإيرانية أصابت دول الخليج فعلياً، وكانت البنى الرقمية الدولية ضمن الأهداف أيضاً...

وأرمينيا لا تملك البنية القادرة على وقف ذلك أو ضمان الأمن. أما أذربيجان، التي لها حدود مع إيران، فتملك ذلك. إضافة إلى أنها مستقرة سياسياً. وإذا كانت شركات التكنولوجيا الأمريكية ترى فرصاً جديدة في جنوب القوقاز، فما هي خططها المتعلقة ببنية «الأمن» التي ستؤمن ذلك؟

أما روسيا فهي غير راضية إطلاقاً عن التحركات الغربية في جنوب القوقاز. وهي تلوّح بالعصا بين الحين والآخر، لكن الظروف ليست مناسبة للذهاب أبعد من ذلك. ومثل موسكو، تدرك أنقرة أيضاً ما يجري في «حديقتها الخلفية». لكنها لم تحسم بعد أي من هذه «المخططات الكبرى» يمكن أن يفيد أو يخدم «الطريق الأوسط»...

وربما يكون هذا هو العقل الكامن وراء اختيار موضوع الاجتماع الأخير لـمنظمة الدول التركية في 15 مايو بعنوان «الذكاء الاصطناعي والتنمية الرقمية»، والقرارات التي اتُّخذت خلاله، وهو الاجتماع الذي بقي في ظل حرب إيران وزيارة ترامب إلى الصين...

 

عن الكاتب

ندرت أرسنال

صحفي وكاتب تركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس