
ترك برس
لم تعد صراعات الشرق الأوسط تُدار وفق منطق الحسم النهائي أو التسويات الشاملة، بل باتت تخضع لقاعدة جديدة تقوم على احتواء التصعيد وإدارة التوازنات المتغيرة. وفي ظل تشابك الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، تحوّلت الأزمات من ملفات قابلة للإغلاق إلى مسارات مفتوحة تُعاد صياغتها باستمرار، بما يجعل «إدارة اللاحسم» السمة الأبرز في الجيوبوليتيك الإقليمي الراهن.
ويرى الكاتب والباحث سمير صالحة أنه لم يعد من السهل، في الجيوبوليتيك الإقليمي، الحديث عن «الحسم» بالمعنى التقليدي الذي سجّل به التاريخ السياسي نهاية كثير من النزاعات الكبرى. فقد حوّل التشابك المتزايد بين الفاعلين المؤثرين، وتداخل الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية، الأزمات إلى ملفات مفتوحة تتراوح بين الاحتواء والتصعيد، من دون حسم نهائي.
وأضاف في مقال له على موقع "تلفزيون سوريا"، أنه تتغير خرائط النفوذ والتحالفات في الإقليم، غير أن الاستقرار النهائي يظل غائبًا، فيما تترسخ إدارة الأزمات والتوازنات بوصفها القاعدة الحاكمة. لذلك تبدو المنطقة، من الخليج إلى شرق المتوسط، محكومة بتوترات مستمرة، لا تستقر على تهدئة دائمة، ولا تنزلق إلى انفجار شامل. وفيما يلي تتمة المقال:
وهكذا يتحول السؤال من: «من ينتصر؟» إلى سؤال أكثر دلالة وتعقيدًا: كيف تُدار المنطقة عندما يصبح الحسم مستحيلًا؟ فقد أفضت التحولات المتراكمة في النظام الإقليمي إلى انتقال تدريجي من منطق الحسم إلى منطق إدارة الصراع، حيث لم تعد النزاعات تُقاس بإمكانية إنهائها، بل بقدرة الفاعلين على إبقائها ضمن حدود يمكن التحكم بها.
ولا يعكس هذا التحول مجرد تعديل في أدوات القوة، بل يعكس إعادة تعريف لطبيعة الصراع نفسه، بوصفه حالة مستمرة من التكيّف وإعادة التموضع، لا مسارًا يقود إلى نهاية حاسمة أو تسوية مستقرة.
ومن هنا تبرز الإشكالية الأساسية: لماذا تراجع منطق الحسم في البيئات الإقليمية المعاصرة؟ وما العوامل التي جعلت الصراعات أكثر امتدادًا وأقل قابلية للإنهاء؟
لا يرتبط تراجع منطق الحسم في الشرق الأوسط بتطورات ظرفية أو موازين قوى متحركة فحسب، بل يعكس تحولات أعمق طالت طبيعة البيئة الإقليمية نفسها، حيث لم تعد الصراعات تدور ضمن حدود واضحة أو بين أطراف ثابتة، بل داخل فضاءات متداخلة تتقاطع فيها المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
وقد أدى هذا التشابك إلى تقليص هامش الوصول إلى نتائج نهائية مستقرة، مقابل صعود أنماط إدارة الصراع القائمة على الاحتواء وإعادة تدوير التوازنات، بدلًا من السعي إلى الحسم.
تشير التحولات البنيوية في البيئات الإقليمية، وفي مقدمتها الشرق الأوسط، إلى تراجع فاعلية أنماط الأمن التقليدية التي قامت تاريخيًا على فكرة الأمن الجماعي أو التحالفات الصلبة المستقرة. فقد أظهرت التفاعلات المتراكمة أن هذه الأطر لم تعد قادرة على استيعاب تشابك التهديدات، وتعدد مستويات الفاعلين، وتداخل الساحات، ما أدى إلى إعادة توزيع وظيفة الأمن بين ترتيبات ثنائية محدودة وتفاهمات مرحلية تتغير بتغير الظروف.
ضمن منطق التحول القائم، لم يعد الأمن يُدار كمنظومة واحدة، بل كحزمة من الترتيبات الجزئية التي تُبنى وتُفكك وفق كل ملف على حدة، ما يعكس انتقالًا واضحًا من منطق «النظام الأمني» إلى منطق «إدارة الأمن».
وبذلك يتراجع مفهوم الأمن بوصفه بنية مستقرة، لمصلحة واقع أكثر مرونة يقوم على تعدد المستويات وتغيّر التحالفات وفق طبيعة كل ساحة وملف، في مشهد تتراجع فيه المؤسسات الجماعية لمصلحة ترتيبات وظيفية سريعة التبدّل.
وفي السياق ذاته، لا يمكن فهم تراجع منطق الحسم في البيئات الإقليمية المعاصرة دون التوقف عند الدور المتزايد للقوى الكبرى في إعادة ضبط سقوف الصراع ومنع انزلاقه إلى مواجهات شاملة. فالنظام الدولي لم يعد يسمح بهوامش مفتوحة للحسم الأحادي، بل بات يعمل ضمن منطق إدارة التوازنات وتحديد حدود التصعيد، بما يمنع انهيار البنى الإقليمية من دون معالجة جذور الصراع.
تتوزع أدوار القوى الكبرى في إطار إعادة تعريف التوازنات وفق مقاربات مختلفة: فالولايات المتحدة تدير الإيقاع العام للصراعات عبر مزيج من الردع والتحالفات وتدوير الزوايا، مع تزايد الميل إلى إدارة غير مباشرة للتوازنات الإقليمية وتقليل الانخراط في الحسم المباشر للصراعات. بينما تتعامل روسيا مع الإقليم بمنطق النفوذ الممتد وإدارة مناطق الاشتباك من دون حسم نهائي. في حين تربط الصين الاستقرار بالمسارات الاقتصادية وتقليل الاضطراب عبر أدوات غير صدامية.
وبذلك لا تتحرك القوى الكبرى بوصفها أطرافًا تسعى إلى إنهاء الصراعات، بل بوصفها جهات تضبط حدودها القصوى والدنيا، بما يحول دون تحولها إلى انفجارات شاملة أو تسويات نهائية مغلقة. ولا يرتبط هذا النمط فقط بإدارة التوازنات القائمة، بل أيضًا بتآكل القدرة على ملء الفراغات الاستراتيجية في الإقليم بصورة حاسمة، الأمر الذي يعمّق منطق إدارة الصراع بدل إعادة تشكيل بنيته.
لم يعد من الممكن حصر ديناميات الصراع في الإقليم ضمن جغرافيا الشرق الأوسط التقليدية، إذ تشهد المرحلة الراهنة اتساعًا تدريجيًا لنطاق التفاعل الأمني والسياسي ليشمل فضاءات أوسع تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، ومن القوقاز إلى أجزاء من جنوب آسيا. وهذا الامتداد لم يعد جغرافيًا فقط، بل أصبح امتدادًا وظيفيًا يعكس تشابك المصالح وتداخل مسارات الأمن والطاقة والممرات الاستراتيجية.
ويؤدي هذا التشابك إلى إعادة تعريف طبيعة الصراع، بحيث لم يعد محصورًا في جبهة واحدة أو ملف واحد، بل أصبح موزعًا على عدة ساحات مترابطة، ما يجعل أي محاولة للحسم في إحداها غير كافية لإنهاء الصورة الكلية للصراع.
في سياق تبدل البنى التقليدية، تصبح التطورات في أي ساحة جزءًا من منظومة تفاعلات أوسع، حيث ينعكس التوتر في الخليج على شرق المتوسط، وتمتد ارتدادات القوقاز إلى ملفات الطاقة والأمن، بينما تتداخل جنوب آسيا، بشكل غير مباشر، في توازنات الإقليم.
وبذلك لم يعد المشهد الإقليمي خريطة جغرافية واضحة الحدود، بل شبكة مترابطة من الساحات المتداخلة، تتفاعل فيها الأحداث بشكل متبادل وسريع.
ويعني هذا التحول أن الصراع انتقل من كونه مواجهة داخل نطاق محدد إلى كونه نظامًا شبكيًا واسع الامتداد، تتداخل فيه الجغرافيا مع المصالح، ما يقلص إمكانية الحسم ويعزز منطق إدارة التوازنات بدلًا من إنهاء الصراعات.
تشير مسارات التحول في البيئات الإقليمية إلى أن المنطقة لا تتجه نحو إنتاج نظام إقليمي مستقر بالمعنى التقليدي، بقدر ما تتجه نحو تكريس نمط مرن لإدارة التوازنات، يقوم على احتواء الصراع بدلًا من حسمه، وعلى تنظيم التفاعلات بدلًا من إنهائها.
وفي هذا السياق، تتراجع فكرة النظام الإقليمي الصلب لمصلحة شبكة من الترتيبات المتغيرة التي تُدار وفق طبيعة كل ملف وتوازناته، بما يعكس واقعًا إقليميًا لا يسمح بالاستقرار النهائي ولا بالفوضى الكاملة، بل يفرض حالة وسطى دائمة من إدارة عدم اليقين.
وتقوم هذه الصيغة على منطق عملي أكثر منه نظري، حيث لا تُبنى السياسات على افتراض إنهاء الصراعات، بل على إدارة مستوياتها ومنع تحولها إلى مواجهات واسعة، بما يجعل الاستقرار حالة ديناميكية قابلة لإعادة التشكل، وليس نتيجة نهائية ثابتة.
وفي ظل هذا النمط، يصبح الهدف الأساسي هو ضبط الإيقاع العام للتفاعلات الإقليمية، لا إعادة صياغة النظام بصورة نهائية، وهو ما يكرّس انتقال المنطقة من منطق النظام إلى منطق الإدارة المستمرة.
تكشف التحولات المتراكمة في الإقليم والنظام الدولي أن المنطقة لم تعد تتحرك ضمن منطق الحسم أو التسويات النهائية، بل ضمن منطق إدارة الصراع المستمر. فبدلًا من الانتقال إلى نظام إقليمي مستقر، يتبلور واقع يقوم على تعدد مراكز القوة، وتشابك الجغرافيا السياسية، وتداخل المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
وفي ظل هذا الواقع، تصبح إدارة التوازنات هي الوظيفة الأساسية للنظام الإقليمي، بينما يتراجع احتمال الوصول إلى صيغة نهائية مستقرة. وهكذا يبدو الشرق الأوسط وجواره جزءًا من مرحلة أوسع في النظام الدولي، حيث لا تُحسم الصراعات، بل تُدار؛ ولا تُغلق الملفات، بل تُعاد صياغتها باستمرار ضمن حدود تمنع الانفجار الشامل وتُبقي المنطقة فوق فوهة بركان دائم الحركة.
في ضوء هذا التحول، يمكن فهم البنية الإقليمية الراهنة بوصفها «نظام إدارة اللاحسم»، حيث لا يُنظر إلى استمرار الصراع كخلل في النظام، بل كجزء من آلية اشتغاله، تقوم على ضبط التوازنات بدل إنهاء التفاعلات، وعلى إدارة الصراع بدل حسمه.
وهكذا، لا يُدار في الإقليم صراع نحو الحسم، بل صراع على إدارة غياب الحسم ذاته، بوصفه القاعدة الأكثر استقرارًا في نظام غير مستقر.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











