
د. مصطفى تشفيك - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس
تكتسب بعض الشخصيات التاريخية أهميتها من خلال ما أنجزته في الماضي، فيما تكتسب شخصيات أخرى أهميتها من خلال ما تدفع الأجيال اللاحقة إلى التفكير فيه. ولا تقتصر دلالة إعادة طرح اسم صلاح الدين الأيوبي اليوم على استذكار شخصية تاريخية، بل تتمثل المسألة الأساسية في إعادة التفكير، انطلاقًا من تجارب المرحلة التي عاش فيها، في الإمكانات السياسية المتاحة أمام تركيا ومستقبلها الإقليمي.
تتمثل إحدى المسائل التي تواجهها تركيا اليوم في كيفية إقامة علاقات مع الجغرافيا المحيطة بها، بالتوازي مع تعزيز التماسك الاجتماعي داخل حدودها. وهاتان المسألتان ليستا مستقلتين إحداهما عن الأخرى. فالبلد الذي يستطيع ترسيخ الثقة داخليًا، ويتيح للهويات المختلفة أن ترى نفسها جزءًا من مستقبل مشترك، يمتلك أيضًا أرضية أقوى في علاقاته الإقليمية. لكن من الخطأ الاعتقاد بأن ذلك سيتحقق تلقائيًا؛ إذ إن الأمر يتطلب، إلى جانب السياسات الأمنية، تصورًا سياسيًا، وإلى جانب التعاون الاقتصادي، رؤية مشتركة للمستقبل.
وهنا أيضًا يمكن أن تتجلى القيمة الاستراتيجية للمساعي المبذولة في إطار هدف «تركيا خالية من الإرهاب». فحصر قياس النجاح في إسكات السلاح من شأنه أن يضيّق نطاق الإمكانات التي يمكن تحقيقها. وتتمثل المسألة الأساسية في تحديد الروابط الاجتماعية والسياسية التي ستحل محل مشاعر انعدام الثقة التي خلّفها الصراع. فإرساء أرضية تعزز إرادة الأتراك والأكراد في العيش معًا يمكن أن يسهم ليس في السلام الداخلي لتركيا فحسب، بل أيضًا في بلورة رؤية أوسع لمستقبل المنطقة.
والسؤال الذي ينبغي طرحه في هذه المرحلة هو: هل تستطيع تركيا تحويل مساعي الوحدة داخل حدودها إلى مفهوم جديد للتعاون على المستوى الإقليمي؟
تقدم التجربة التاريخية لصلاح الدين الأيوبي نقطة انطلاق للتفكير في هذا السؤال. ومن التفاصيل التي يرويها جون مان في دراسته عن صلاح الدين، أهمية الصبر ومراعاة الظروف السياسية في نضاله بسوريا. وتُظهر حقيقة أن القوى التي تتنافس اليوم قد تجد نفسها غدًا في إطار علاقات مختلفة، أن القرارات السياسية لا يمكن اتخاذها استنادًا إلى الصراع القائم في الوقت الراهن وحده. وتكمن أهمية ذلك في أنه لا يدعو إلى إسقاط الماضي على الحاضر بصورة مباشرة، بل إلى إدراك أن النتائج الدائمة للسياسة تتطلب قدرًا من التبصر يتجاوز مجرد استخدام القوة.
إن حكمة الدولة لا تعني القضاء على التهديد القائم فحسب، بل تعني أيضًا التفكير في النظام الذي ينبغي إقامته بعد زوال ذلك التهديد. فإنهاء الصراع وترسيخ السلام بصورة دائمة ليسا أمرًا واحدًا. قد يتحقق الأول من خلال التدابير السياسية والأمنية، أما الثاني فيتطلب شعورًا بالعدالة، وثقة متبادلة، وتوقعات معقولة بشأن المستقبل.
ويواجه تركيا خيار مشابه. فهل سنتعامل مع مساعي السلام الداخلي باعتبارها مسألة أمنية داخل حدود البلاد فحسب، أم سنبحث أيضًا عن إمكانات إعادة النظر في علاقاتنا الإقليمية انطلاقًا منها؟ من المؤكد أن الخيار الثاني لن يؤدي تلقائيًا إلى نشوء تحالف، لكنه قد يفتح أفقًا سياسيًا جديدًا.
لم تكن العلاقات التي نشأت تاريخيًا بين الأتراك والأكراد والعرب موحدة النمط أو متواصلة بلا انقطاع أو سلمية على الدوام. فقد كانت المنافسات والحروب وتضارب المصالح جزءًا من هذا التاريخ أيضًا. ولذلك، فإن تصوير الماضي على أنه لوحة مثالية من الأخوة الخالصة لن يقدم إجابات عن احتياجات الحاضر. والدرس الأكثر واقعية الذي يمكن استخلاصه من التاريخ هو أن المجتمعات المختلفة استطاعت التعاون حول المصالح المشتركة، مثلما استطاعت الابتعاد بعضها عن بعض بسبب الخيارات السياسية. وهذا يعني أن الشراكة لا ينبغي أن تقوم على التقارب التاريخي وحده، بل أيضًا على الثقة التي يمكن بناؤها في ظروف اليوم والمصالح الملموسة.
ويمكن بناء الرؤية الإقليمية لتركيا على هذا الفهم. فالتعاون الذي يجري تطويره في مجالات الاقتصاد والتجارة والطاقة والتعليم والعلوم والثقافة قادر على نقل التقارب السياسي إلى ما يتجاوز الخطابات اليومية. غير أن تحقيق ذلك يتطلب عدم النظر إلى المجتمعات المجاورة باعتبارها مجرد موضوع للأزمات أو المخاطر الأمنية أو الحسابات الدبلوماسية المؤقتة، بل التعامل معها بوصفها شريكة في مستقبل يمكن بناؤه وإنتاجه معًا.
وهنا تقع على عاتق الأوساط الأكاديمية مهمة مهمة أيضًا. فمن خلال إسهامات المؤرخين وعلماء السياسة والقانونيين والاقتصاديين والباحثين الاجتماعيين، ينبغي دراسة العناصر التي يمكن أن تدعم التعاون الراهن من بين مكونات الماضي المشترك، والسرديات التاريخية التي تعمّق الانقسام، والترتيبات المؤسسية اللازمة لترسيخ الثقة بصورة دائمة. فالرموز لا تصنع السياسة بمفردها، لكنها قد تساعد على تطوير أفكار سياسية جديدة عندما يجري تناولها من خلال طرح الأسئلة الصحيحة.
وهنا تكمن أيضًا قيمة إعادة التفكير في صلاح الدين الأيوبي اليوم. فاعتباره دليلًا على تفوق شعب على الشعوب الأخرى، أو اتخاذه مبررًا لإعادة إحياء نظام سياسي سابق كما كان تمامًا، من شأنه أن يضيّق نطاق الإرث التاريخي. أما السؤال الأساسي الذي يمكن استخلاصه من عصره، فهو: في ظل أي ظروف استطاعت قوى مختلفة التحرك حول هدف مشترك، وكيف أمكن الحفاظ على هذا التكاتف واستمراره؟
إن ما تحتاج إليه تركيا ليس تكرار أمجاد الماضي، بل القدرة على رؤية إمكانات المستقبل انطلاقًا منه. فالإرادة السياسية التي تعزز السلام الداخلي، والمؤسسات التي تدعم التعاون الإقليمي، والخطاب الذي يزيد الثقة المتبادلة بين المجتمعات المختلفة، يمكن أن يكمل بعضها بعضًا.
ولعل الفرصة الاستراتيجية الحقيقية اليوم تتمثل في تهيئة الظروف التي تجعل مثل هذه الشراكة ممكنة، قبل الإعلان عن تحالف تاريخي جديد. فالقوة الإقليمية لا تُقاس فقط بالقدرة على تحديد ما يستطيع الآخرون فعله، بل تُقاس أيضًا بالقدرة على إتاحة المجال أمام ما يمكن إنجازه معًا.
إن المسألة المطروحة أمام تركيا لا تقتصر على تذكّر الروابط التي نشأت في الماضي، بل تتعلق بالتفكير في الشراكات التي يمكن إقامتها مستقبلًا انطلاقًا من تلك الروابط. فالتاريخ لا يقدم لنا مستقبلًا جاهزًا، لكنه يستطيع أن يطرح أسئلة عميقة بشأن الأخطاء التي ينبغي تجنبها والإمكانات التي ينبغي الاستفادة منها ونحن نعمل على بناء المستقبل.
(البروفيسور الدكتور مصطفى تشفيك، عضو هيئة تدريس في جامعة العلوم الاجتماعية بأنقرة، ورئيس جمعية الاستشارات الفلسفية)
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











