محمد حسن القدو - خاص ترك برس

لا شك أن الشروط الأوروبية التي اشترطتها على تركيا والقائمة على تغيير القوانين التركية حول مفهوم الإرهاب لفسح المجال للمواطنين الأتراك للدخول إلى الدول الأوروبية بدون وجوب الحصول على إذن الدخول المسبق والتي هي جزء من الاتفاق الشامل حول مسألة اللاجئين السوريين، تعد من أقوى الدروس والعبر لتركيا بسبب غموض وضبابية  تلك الشروط وتأجيل البت في الاتفاق حولها إلى ما بعد تنفيذ بعض فقرات تلك الاتفاقية ومنها تبادل اللاجئين العالقين في الجزر اليونانية والقبرصية.

أوروبا التي أرادت التنصل من الاتفاق مع تركيا بعد توقف عبور اللاجئين غير الشرعيين عبر بحر إيجه بسبب المراقبة الشاملة من قبل خفر السواحل التركي لمناطق التهريب المتوقعة وقيام بعض دول الاتحاد بإقامة حواجز كونكريتية وأسلاك شائكة لمنع مرور اللاجئين إلى حدودها طيلة فصل الشتاء الماضي، لا تدرك تماما أن الكثيرين قد تهيؤوا وأعدوا أنفسهم لعبور بحر إيجه بكل الوسائل وخصوصا في حالة إنهاء الاتفاق بين الأتراك والأوربيون وهم أي اللاجئون الذين كانوا يعولون كثيرا على الاتفاق في سبيل حصولهم على وثيقة لجوء إنساني إلى إحدى الدول الأوروبية، ومع استمرار تركيا في سياسة الباب المفتوح لدخول اللاجئين السوريين لأراضيها فمن المتوقع عبور الآلاف منهم في الفترة القادمة خصوصا بعد اشتداد القصف الصاروخي بالطائرات الروسية والسورية والبراميل المتفجرة التي تلقيها الطوافات السورية في مدن حلب وإدلب وأريافها إضافة إلى اشتداد المعارك بين الأطراف المتحاربة على طول الحدود الجنوبية لتركيا، حتما سيزيد من عدد الذين سيسعون إلى التوجه إلى أوروبا عبر الطرق غير المشروعة.

إن أمام أوروبا بعد فرض شروطها الجديدة على تركيا والتي تسعى من خلالها إلى تاجيل القرارات حتى لا تعد الاتفاقية ذات جدوى بينها وبين تركيا بالتقادم باعتبار أنها قرارات وقتية ظرفية، وبالتالي تتنصل من الاتفاقية المبرمة. لذا لم يبقى أمام القادة الأوروبيين في حال التنصل من الاتفاقية مع تركيا إلا إلى تاييد تركيا ودعمها في المحافل الدولية وكذلك تبنيها واشتراكها في إقامة منطقة آمنة محاذية للحدود التركية لغرض توطين اللاجئين السورين الهاربين من مناطق النزاع المسلح  بالإضافة إلى الذين يقيمون في المخيمات داخل الأراضي التركية مع العمل على إنشاء بنى تحتية لغرض توفير شروط الإقامة وتأمين مستلزمات العيش الكريم.

تدرك أوروبا تماما أن تركيا في حال إصرارها على شروطها ستمتنع عاجلا عن تنفيذ اتفاقاتها مع أوروبا بهذا الشأن لأن تركيا التي فرضت تأشيرات دخول لأراضيها وبطلب أوروبي ضمن تنفيذ الاتفاق المبرم لمواطني الدول المجاورة وبعض الدول الأخرى لا تتوانى عن إلغاء التأشيرة لأن الموسم السياحي في تركيا على الأبواب وهي غير مستعدة للتضحية بهذا القطاع الحيوي الهام مثلما ضحت بقطاع السياحة الصحية طيلة الأشهر الماضية.

ومن الواضح والمعلن أن الدول الأوروبية غير متفقة فيما بينها على قبول دخول الأتراك إلى دولها بدون تأشيرة مسبقة بسبب خشيتها من العدد الهائل من المواطنيين الذين سيلجؤون إليها لأسباب عديدة منها ما تعانيه بعض دولها من ظروف اقتصادية متردية إضافة إلى تخوفها من التغيير الديمغرافي لقسم من دولها أو مدنها على أقل تقدير.

وعلى ذكر التخوف الأوروبي من وجود الأتراك بنسبة كبيرة نذكر أن ألمانيا والتي هي إحدى دول الاتحاد الأوروبي حيث يعيش أكثر من ثلاثة ملايين من المهاجرين الأتراك في برلين وبقية المدن والبلدات الألمانية، ويعود هؤلاء بجذورهم إلى العمالة الأجنبية التي استخدمتها ألمانيا لإعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية، يعاني هؤلاء كغيرهم من المهاجرين الآخرين من صعوبة الاندماج في المجتمع الألماني وهذا أيضا سبب مهم للتخوف الأوروبي  وحسب ما ورد في تقرير موقع الجزيرة الإخباري، ورغم كل هذا فإن ألمانيا المؤيدة لقبول اللاجئين قد تهيأت لقبول مليون لاجئ لعام 2016 من ضمن الذين وصلوا إلى أراضيها، لذا فإن مستشارة ألمانيا التي زارت تركيا بصورة دورية واطلعت على أوضاع اللاجئين السوريين في المخيمات تتفهم بصورة جيدة ما يعانيه هؤلاء اللاجئين و تتفهم الموقف التركي حول المخاطر التي تظهر من جراء عدم وجود دعم دولي حقيقي تضمن مستقبل اللاجئين، إن المستشارة الالمانية دون غيرها من القادة الأوروبيين تدرك الخطر المحدق بأوروبا فيما إذا اجتاحت موجات اللاجئين من جديد القارة الأوروبية لعدة اعتبارات ربما نجهل بعضها لكن من دون شك أن العامل الاقتصادي لبعض الدول الأوربية والتغيير الديمغرافي لبعض دولها وخصوصا الدول القليلة السكان سبب رئيسي لتخوفها والمشكلة الأكثر وضوحا هي أن قبول الأتراك أو السوريين سيثير نفس المشاكل والمخاوف، وبعبارة أخرى إن الاتفاق أو اللااتفاق مع تركيا هو الذي يحير القادة الأوروبيين ويربكهم، ووضعهم العراقيل أمام الاتفاق كان بقصد الهروب من الاتفاق ولو مؤقتا ولفترة زمنية.

يؤمن القادة الأوربيون تماما بأن تسمية قارتهم بالقارة العجوز غير مبالغ فيها وأن دخول الأتراك إليها الذين يتميزون بتفوق عدد الشباب بالنسبة إلى باقي السكان والقادرين على العمل والتأثير على المجتمع سيغير من الديمغرافية السكانية بكل تأكيد مما يؤدي إلى قبول تركيا عضوا في الاتحاد الأوروبي مرغما ودون شروط إضافية تعجيزية كانت تخص بها تركيا من دون الدول الأوروبية التي انضمت بسلاسة إلى الاتحاد وهذه الحقيقة هي التي تجعل قسما من الدول الأوربية يمتنع وبشدة عن إبرام أية اتفاقات مع تركيا  بهذا الخصوص. ولا يغيب عن بالنا في هذا المجال أن بريطانيا التي قبلت ثلاثة آلاف لاجئ اشترطت أن يكونوا من الأطفال الذين لا ذوي لهم ولسنا بحاجة إلى تفسير قرارها وأسبابها، كما أننا نسمع عن بعض الضغوطات اللاإنسانية والمخجلة التي تبديها بعض الدول الأوروبية على اللاجئين الراغبين في الحصول على الإقامة.

لذا لا مناص من دعوة الدول الأوروبية إلى إقامة منطقة آمنة داخل الأراضي السورية للتخلص من المشكلة والمعضلة التي تواجهها وقد تباحث حول الموضوع مع الرئيس الأمريكي أوباما بصورة تفصيلية وأبدت رغبتها بانتزاع موافقة الرئيس أوباما وعند نجاح دعواها ومسعاها تكون قد ضربت عصفورين بحجر وعلى رأي المثل العربي.

عن الكاتب

محمد قدو أفندي أوغلو

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس