محمد حسن القدّو - خاص ترك برس

عادة ما تكون مدة اجتماع وزراء الخارجية قصيرة نسبيا بالنسبة إلى اجتماعات القادة العسكريين ورجال الاستخبارات والتي تكون مطولة وواسعة لما تتضمنه هذه الاجتماعات من تفصيلات دقيقة تتم من خلالها وضع اللمسات النهائية والتفصيلية  ليتسنى لهولاء المسؤولين تنفيذها بدقة على الواقع باعتبارهم الحلقة الأخيرة من سلسلة من الاتفاقات المعقودة، لكن اجتماع الوزيرين الروسي والأمريكي والذي استمر لساعات طوال بلغت ما يقارب العشرساعات يعطي دليلا واضحا على أن الطبخة المشتركة التي يحضرانها هي أكبر بكثير من اتفاقية لوقف إطلاق النار بين الأطراف السورية.

من التصريحات المقلقة التي أطلقها وزير الخارجية الأمريكي بعيد الاتفاق بأنه في حالة استمرار وقف إطلاق النار لمدة أسبوع فإن خطوات أخرى ستتخذ حول المشكلة السورية، وهذه عبارة صريحة عن اعترافه بأن الاتفاق حول وقف إطلاق النار هش للغاية.

نرجع إلى مضمون الاتفاق أو محتوى الاتفاق فإن الاتفاق الذي لا يشير إلى خارطة طريق مفصلة حول المسألة السورية لا يمكن أن يكون اتفاقًا مجديًا بطبيعة الحال وخصوصا فهو يستثني دور المعارضة بشكل أساسي مع التهميش في معظم الفقرات عند التطرق حولها بل يتجه صوب تعاون عسكري للقضاء على المعارضة بصورة شاملة بحجة محاربة إحدى الفصائل المتهمة بالإرهاب وبما أن معظم هذه الفصائل لها أهداف محددة ومتقاربة فإنها ستنال نصيبها من جديد من الحمم من قبل الطائرات الروسية والسورية وربما الأمريكية أيضا، وهنا تكمن الخطورة على المعارضة فبعد أن كان قسم من أطراف المعارضة المسمى بالمعتدلة والتي كانت أمريكا ظاهريا تحث روسيا على عدم استهدافها أصبحت هذه الأطراف داخلة ضمن الأهداف المستهدفة من قبل المقاتلات الروسية والسورية، وبمعنى أصح أصبح استهداف المعارضة بكل فصائلها شرعية للروس بمباركة أمريكا أو شرعية أمريكية بتنفيذ روسيا، وهنا ننوه لما ذكره الدكتور فيصل القاسم في حديث الدبلوماسي الروسي عالي الجناب من أن الروس لا يدافعون عن بشار الأسد ولكن الأمريكان هم من يصرون على بقاء نظامه وقد نشر فيصل القاسم هذا الحديث على موقعه أكثر من مرة.

ومع كل هذا فاللعبة الأمريكية مستمرة ولا يفهم ما يبغون له ففي أثناء تلك اللقاءات بين كيري ولافروف طلب الرئيس الأمريكي من الرئيس التركي الاشتراك معا لمحاربة داعش في مدينة الرقة، ومما يعني عدة أمور:

1- كشف عن ضعف وهوان السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وربما السبب هو سيطرة الجمهوريين على الكونغرس والذي أدى بشكل واضح إلى ما وصلت إليه السياسة الأمريكية في عهد أوباما فالجمهوريون يعطلون كل قرارات أوباما بل إن كثيرًا من النقاط والقرارات التي كانت جاهزة قد امتنع الجمهوريين عن تأييدها سواء القرارات الأمريكية ذات الشأن الداخلي أو حتى ما يخص منها السياسة الخارجية.

2- معارضة جنرالات البنتاغون لأي اتفاق مع الروس وخصوصا إذا كانت هذه الاتفاقات تضمن المساس بالاستراتيجية العسكرية في المناطق الساخنة، وهذه معضلة ثانية أمام أوباما أثرت بشكل واضح على سياسة أمريكا في سوريا تحديدا.

3- ترغب إدارة البنتاغون في أن يكون هناك اتفاق حول حل المسألة سياسيا أوعسكريا مع دول حلف الناتو وخصوصا مع الأتراك. وهذا ما دفع الرئيس أوباما إلى طلبه من الأتراك حول الاشتراك في تحرير الرقة، لكن بعض المراقبين يرون أن الطلب الأمريكي لتركيا جاء للحفاظ على ماء الوجه الأمريكي بعد إخفاقاتها في محاربة داعش بعدما أبلى الأتراك بلاء حسنا في محاربة داعش وغيرها من الفصائل في وقت قصير. 

4- ومما أضعف الموقف الأمريكي في نتائج المفاوضات أن الاتفاق قد بدت عليه علامات خضوع الأمريكان للإملاءات الروسية (في نظر المراقبين الغربيين والعرب).

لكن الأهم والذي نعنيه هو مستقبل فصائل المعارضة السورية من جراء الاتفاق المبرم والذي يخول الروس بصورة رسمية لضربها واستهدافها بعد أن كانت تغض الطرف عنها أو عن بعض من فصائلها ولا تستنكر الاستهدافات الروسية والأخطر من كل هذا أن هذه الفصائل والتي تستهدف قد تتهم بعضها البعض بأنها هي المقصودة عند الروس لاستهدافها باعتبارها إرهابية لكون وجود تداخل وتنسيق بين معظم فصائل المعارضة، وفي حينها يخشى على هذه الفصائل من التناحر وبذلك تكون مصير هذه الفصائل مجهولا.

أما التفاوض مع الأتراك حول تحرير الرقة فمن المؤكد أنه يحمل عدة غايات وأسباب وأهمها:

1- الالتفاف حول الاتفاق الروسي الأمريكي الهش القابل للفشل التام أو الجزئي المناطقي أو التنصل من بعض فقراتها من الطرفين لأن من الغريب أن تتفق أمريكا وروسيا على الإطلاق إلا في سوريا وهذه أيضا عبارة عن اتفاق زئبقي لا تصلح أن تكون محددة الجوانب.

2- منع توسيع الاتفاقات التركية والروسية الثنائية في المجال الأمني  وربما في المجال الاقتصادي وكذلك وضع حاجز لأية اتفاقات عسكرية حول الوضع في سوريا وتفاهماتها بين الروس والأتراك.

3- وبالتالي منع تركيا من التوغل بدفاعاتها الجوية والأرضية في المدن السورية بسبب عدم وجود اتفاق مسبق مع الروس  باستثناء مدينة الرقة في حال حصول اتفاق مع الأمريكان.

لذا فإن الاتفاق الأمريكي والروسي سيحد كثيرا من العمليات التركية وهذا ديدن الروس وبنفس الوقت تحذير مبطن من الأمريكان للأتراك لمنعهم من القيام بعمليات في الأراضي السورية دون تنسيق مباشر يحصل بينهم ورغم أن الأمريكان وإن حصل اتفاق مع الطرف التركي فانهم مستعدين للتنصل منها بل من الممكن أن تتحول إلى مصيدة للأتراك وهذه أصبحت سولة عند الأمريكان ضد الأتراك.

إن الاتفاق الروسي الأمريكي قد وضع الأتراك في موقف حرج وهم الذين كانوا ولا يزالون مستعدين لتوسيع نطاق العمليات من أجل إنهاء داعش داخل سوريا وربما خارجها ووصولا إلى الموصل وفي الوقت نفسه هم خططوا لإقامة منطقة عازلة بإمكان السوريين أن يعيشوا فيها بأمان ويتم من خلالها رجوع معظم السوريين من دول الالتجاء للعيش بسلام ولكن ضبابية الاتفاق الروسي الأمريكي سيحد الكثير من الآمال المتعلقة بالقرار التركي ورغم أن الأتراك أدركوا أن اللجوء إلى الاتفاق بين روسيا وأمريكا وارد في سبيل منع الأتراك من التحرك بمفردهم وعليه  كان التنسيق المباشر بينهم وبين الجيش الحر سر تحركهم بل الاحتماء بمظلة لفصيل من فصائل المقاومة أعطى شرعية حقيقية لتحركاتهم.

وفي الختام ينبغي على فصائل المعارضة السورية أن تجد آليات للتنسيق العالي والمباشر إذا لم يكن بإمكانها التوحد وأن تشترك الفصائل بينها بإقامة لجان تنسيق دائمة سياسيا وعسكريا  كما أن عليها أن تقيم وحدات مشتركة لغرض التكافؤ التنسيقي لأن سر قوتها يكمن في توحدها وخصوصا في المرحلة القادمة، بل إن دمج وإلغاء بعض فصائلها سيغلق الباب أمام أية محاولة لاستهدافها، وبنفس الوقت عليها أن تطالب وتصر على شمول المليشيات الإيرانية والعراقية وحزب الله اللبناني لتصنيفها كمنظمات إرهابية عاملة داخل سوريا.

 لأن بقاء الأسد على رأس السلطة في المرحلة الانتقالية وربما ما بعدها قد أرجع القضية السورية إلى المربع الأول.

عن الكاتب

محمد قدو أفندي أوغلو

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس