إرهاب جنونى ضد تركيا... لماذا؟

10 يناير 2017

ماجد عزام - أورينت

قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم الجمعة الماضية إن قوات الأمن ستواصل كفاحها ضد العمليات الارهابية التي تقوم بها تنظيمات بي كاكا داعش والكيان الموازي بشكل جنوني ضد تركيا.

يلدريم كان يتحدث من مدينة أزمير بعد إفشال العملية الارهابية الجنونية لبي كاكا التركي، التي استهدفت قصر العدل بالمدينة وأفشلتها قوات الأمن التركية ، بعدما ما حاول التنظيم تفجير سيارة مفخخة في المرآب للفت الانتباه ثم إطلاق النار على القضاة والموظفين لحظة مغادرتهم المبنى لإيقاع أكبر عدد من الضحايا.

رئيس الوزراء التركي كان يتحدث على بعد أيام من عملية داعش الارهابية في مطعم رينا باورتاكوى، التى شهدت إطلاق نار عشوائي إجرامي وجنوني، أيضاً على محتفلين برأس السنة لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا أيضاً.

الإرهاب المجنون يشمل كذلك تنظيم جماعة غولن التي وصلت إلى حد تنفيذ انقلاب عسكري للسيطرة على البلد فى 15 تموزيوليو الماضى، وقتلت فيها أيضاً في ليلة واحدة 270 مواطن، وأصابت ألفين آخرين مع إطلاق للنار وتدمير للمؤسسات السلطوية التركية، وقبل ذلك وبعده السعي لاغتيال الرئيس المنتخب في عملية ديموقراطية ونزيهة.

جنون جماعة غولن عائد إلى هوسهم بالسيطرة على مقاليد السلطة في البلد، بعد سنوات بل عقود من التسلل إلى مفاصلها الرئيسية والحساسة والغطرسة التى وصلت إلى حد  محاولة إسقاط الحكومة المنتخبة فى كانون أول ديسمبر 2013، ورعاية حكومة هجينة خداج تديرها من وراء الستار، ثم كانت ذروة الجنون في التفكير بالانقلاب العسكري، ومن ثم عودةغولن إلى البلد للحكم كمرشد روحي دون أن يتحمل المسؤولية الديموقراطية أمام الناس.

جنون داعش وبي كاكا -بشقيه التركى والسورى- يعود إضافة الى حقيقتهم الارهابية لكون تركيا الطرف الأكثر الجدية في محاربتهم، ولأنها أفشلت مخططاتهم، أحلامهم وأوهامهم في إقامة دويلات وكيانات لهم في سورية، وحتى في تركيا نفسها، عندما وصلت الغطرسة مداها مع بي كاكا عبر الدعوة لإقامة حكم ذاتي  فى بعض ماطق الجنوب الشرقى وإقامة المتاريس لفرض ذلك بالقوة الجبرية القهرية المسلحة.

تركيا  اذن هي الطرف الأكثر جدية وتصميماً لمحاربة داعش، وهي لا تحاربهم على طريقة روسيا في تدمر أو سورية بشكل عام، ولا على طريقة بي كا كا السوري في منبج أو عين العرب كوباني، ولا طبعاً على طريقة واشنطن وحشدها الشعبى الإرهابي الإجرامي المجنون والموتور في العراق، والتي تجعل داعش الخيار السيء أمام الناس ضمن خيارات أخرى أسوأ بكثير.

تركيا اتبعت في المقابل نموذج جرابلس الذي يحرر المدن من داعش دون تدميرها أو إجراء تغيير ديموغرافي فيها، نموذج يعطي الفرصة والحق لأهل المنطقة أبناء سورية الأصليين والحقيقيين والشرعيين في محاربة داعش وهزيمتها دون أن يستفيد رأس وجذر الإرهاب المتمثل بالنظام من ذلك، ثم الإشراف على إدارة المدن وتعميرها بعد ذلك كما حصل في جرابلس مثلاً.

تركيا هزمت داعش في دابق بكل ما تحمله من رمزية للدولة الزائفة والوهمية، وهي في طريقها مع الجيش الحرّ لتحرير الباب معقله الثاني في سورية، ثم التوجه إلى الرقة - عبر منبج - لإنهاء دويلة داعش بشكل نهائي، وهي العملية التى لا يمكن للصغار القيام بها، ويبدو الجيش الحر وحده القادر على ذلك بدعم جدي حقيقي ملموس من تركيا وجيشها الجرار حسب التعبير الشهير للرئيس الأمريكى المنصرف باراك أوباما.

قبل ذلك وبعده فتركيا كدولة مسلمة حتى مع نظام علماني تقدم نموذج للحياة للتحديث للنهوض والإنماء نموذج منفتح على العصر دون القطع مع الماضي نموذج منفتح على المحيط العربي والإسلامي دون القطع مع الغرب والعالم، نموذج يغيظ ويقهر داعش أكثر من أي شيء آخر وهو يشكل الخلفية للحرب الإرهابية الجنونية ضد تركيا بما في ذلك جريمة أورتاكوي الأخيرة.

الجنون الإرهابي ضد تركيا من قبل بي كاكا بشقيه يأتي على نفس الخلفية تقريباً، فقد أراد الحزب الإرهابي استغلال المعركة ضد داعش لتبييض صفحته ولإقامة كيانه العنصري الشمولي الاستبدادي في شمال سورية وبمحاذاة الحدود مع تركيا، لفصلها عن عمقها ولمنعها من التأثير على الأحداث واالتطورات بوصفها القوة الوحيدة الداعمة والمتماثلة مع ثورة الشعب وممثليه الشرعيين السياسيين والميدانيين.

تركيا هدمت الحلم الانفصالي لتنظيم بي كاكا السوري بمجرد تنفيذ عملية درع الفرات، مع تحرير جرابلس ثم تواصل الهدم مع منعه من احتلال الباب بدلاً من داعش، ومع التصميم والعناد التركي لتحرير منبج أيضاً وإعادتها إلى أهلها أبنائها الأصليين، ثم التوجه شرقاً إلى الرقة لتحريرها من داعش ومنع إرهابيي بي كاكا من احتلالها مرة أخرى، وإحداث تغيير ديموغرافي، وتطهير عرقى فيها ومن ثم التنسيق والتواطؤ مع النظام سرًّا وعلانية كما يفعلوا في الحسكة.

الحزب الإهابي الأم أي بي كاكا التركي وصلت به الغطرسة بعد مسرحية أو مأساة وملهاة كوبانى ثم تقدم ذراعه السوري إلى  التفكير في إقامة حكم ذاتي في بعض مناطق الجنوب الشرقى ، وحفر أنفاق وإقامة متاريس لحكمه المزعوم. السلطات التركية ردت بقوة وبأس شديدين هدمت المشرع من أساسه وكما حصل في جرابلس مع بي كاكا السوري فإن الباقي مجرد تفاصيل وزمن ، حصل هذا في ظل تخلي تام من الحاضنة والبيئة الشعبية الكردية التركية بل إلى رفض دعوات بي كاكا وجناحه السياسى للتظاهر او العصيان المدنى ضد الحكومة، بل والخروج بمظاهرات ضد إرهاب بي كاكا الموصوف في ديار بكر شانلى اورفه أو اسطنبول وأنقرة وقيصري.

لا يملك  تنظيم داعش أي حق أو شرعية في التدخل أو احتكار المطالب المشروعة للشعب السوري في إسقاط النظام، وإقامة الدولة المدنية الديموقراطية لكل مواطنيها، بما في ذلك الأكراد الذين لم يتصرفوا يوماً كأقلية، كما يفعل قادتهم من فلول اليسار الموتورين، وطبعاً لا يملك بي كاكا السورى الشمولي والذي يمارس القهر والاستبداد بحق المواطنين في المناطق الخاضعة لسيطرته مصادرة امال ومشاعر المواطنين السوريين الكرد والذين كانوا جزء من الثورة العملاقة قبل ان يبادر التنظيم الشمولي إلى طعن الثورة فى ظهرها والتواطؤ مع النظام المتوحش وهو من قمعهم كما باقى فئات الشعب السورى لعقود.

جماعة غولن من جهتها ميتة سريرياً ، ومهما فعلت او تواطأت مع هذا الطرف الارهابى او ذاك ، فان فرصة استعادتها لسطوتها ونفوذها معدومة تماماً ، وعمليا هم فقدوا مصادر ومكامن قوتهم ودعم أو تشجيع العمليات الارهابية لن يجديهم نفعاً ، ولن تحقق جماعات وتنظيمات ارهابية تضم بضعة الاف ما عجزت عنه الجماعة  نفسها التى كانت تضم مئات الالاف فى صفوفها.

الجنون الإرهابي ضد تركيا يعبر في أحد أهم دلالاته ومعانيه عن فقدان الإرهابيين لأعصابهم والتصرف من منطق الهزيمة والاندحار، وحتى الانتحار والشعور أن الهزيمة محدقة بهم وواقعة لا محالة، فسعوا بالتالي لإيقاع أكبر قدر ممكن من الضرر والأذى بالدولة التركية التي تملك قدر كبير من المشروعية العناد والقدرة للمضي قدماً في المعركة حتى النهاية حتى الانتصار.