د. طالب عبد الجبار الدغيم - خاص ترك برس

يمثّل الشتاء السوري ظاهرة اجتماعية وثقافية مركّبة تتجاوز حدود المناخ إلى عمق البنية الذهنية والوجدانية للسوريين. فالشتاء هو مجال تتفاعل فيه الذاكرة الشعبية مع أنماط العيش، وتتداخل فيه طبقات المجتمع بين الريف والمدينة. وإن حضور الشتاء في المخيال السوري واضح في الأغاني التراثية وفي الأمثال الشعبية مثل قولهم: "بالشتا بتقوَى السيرة وبتدفى الجيرة"، وهي مقولة تظهر طبيعة التلاحم في هذا الفصل الخيّر. كما يظهر في الروايات الشفوية التي تصف صرير الأبواب القديمة في وقت هطول المطر، وفي مشاهد الطين الذي يتحول - وفق تعبير الروائي حنا مينه - إلى "علامة حياة لا علامة تعطّل"، وهي رؤية تؤكد أن الشتاء يُعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمكان.

وفي المدن، يصبح المطر منظّماً للإيقاع الحضري وحضور الجلسات في المقاهي والتسوق في الأحياء الشعبية، فيما يُعيد الريف تعريف نفسه من خلال انكماش الجماعات الصغيرة حول المواقد وطقوس الخبز والحطب وتسارع الخطوات في الطرق الموحلة. هذه المفارقة تفتح المجال لقراءة الشتاء السوري كمنصة تكشف اختلاف الإطارين الريفي والحضري، لكنها في الوقت ذاته تؤكد وجود وحدة شعورية مشتركة، وهي ما يسميه بعض علماء الاجتماع بـ "التجربة الجمعية المتخيّلة".

الجغرافيا الاجتماعية للشتاء السوري

يُظهر الشتاء السوري بوضوح الفروق البنيوية بين الإيقاعين الريفي والحضري. ففي الريف، يتحوّل الطين إلى محددٍ رئيسي للحركة، ويُبطئ الزمن الاجتماعي، فينشأ ما يشبه "الانكفاء الجماعي"، حيث يلتف الناس حول بيوتهم ويمارسون نمطاً من العيش يقوم على التعاون وتقاسم المهام. وقد وصف أحد الرواة في ريف إدلب هذا المشهد بقوله: "إذا نزل المطر، سكّرت الطرق، ولكن انفتحت البيوت". وفي هذه البيئة، يصبح الشتاء اختباراً للتضامن والتقارب، إذ تُعاد الروابط واللقاءات الاجتماعية إلى مركزها الطبيعي.

وفي المدن، يظهر أثر الشتاء بشكل مختلف؛ الحركة لا تتوقف، والطرق المبللة تُبطئ النقل العام، والمقاهي تصبح تجمعات طبيعية للناس، ويستعيد السوريون طقوساً حضرية تشكّلت عبر سنوات طويلة. وتشير إحدى الروايات الدمشقية القديمة إلى مشهد شائع: "على رصيف الحريقة، كان المطر يوحّد رواد المقهى تحت شباك مقهى الروضة، دون أن يضطروا لتبادل الكلام". وهذا التوتر بين التقارب المادي والابتعاد الاجتماعي أحد أبرز سمات الشتاء المديني.

اللافت أن المدينة - رغم كثافتها - لا تنتج التضامن ذاته الذي ينتجه الريف، لكنها تنتج أشكالاً أخرى من الارتباط، منها المشاركة في الفضاء العام تحت المطر، ورغبة الناس في الاحتماء بالمكان ذاته، والمقاهي التي تصبح "ملاجئ" مدنية مؤقتة. ومتنفس للحوارات حول القضايا الاجتماعية والمعيشية اليومية. وهكذا، يكشف الشتاء عن بنية اجتماعية تتشكل من الإيقاعين المختلفين: بطء ريفي قائم على التكافل، وسرعة حضرية يسعى فيها الناس لخلق حالة من الدفء عبر مساحات مشتركة.

من دفء المواقد إلى زحام المقاهي: تشكيل المعنى الثقافي للشتاء

الطقوس اليومية التي يمارسها السوريون في الشتاء ليست مجرد عادات، بل هي عناصر من الهوية الثقافية الحية. ففي الريف، تشكل "الصوبة" أو الموقد نقطة ارتكاز للبيت، حيث يلتف أفراد الأسرة حول النار وتتجسد قيم الجماعة. ويُعد تخزين الحطب وتقطيعه جزءاً من "اقتصاد الاستعداد" الذي يسبق الشتاء. وقد ورد في إحدى الأغاني الشعبية القديمة من ريف السويداء: "يا نار ضوي بليل الهوا … خلّي الصُحبة يجمعها دفى"، وهو نص يربط بوضوح بين الموقد والرابطة الاجتماعية.

وأما في المدن، فالقهوة الساخنة والسحلب المصنوع من النشاء والحليب هما الطقس الأكثر حضوراً، حيث تُحيي المقاهي طقوساً شعبية تراكمت عبر عقود في دمشق وحلب واللاذقية وحمص وإدلب ودير الزور ودرعا والسويداء والحسكة والرقة وكل المدن السورية، حيث يجتمع الطلاب والموظفون والمسنون. ويظهر أثر الشتاء في هذه التفاصيل الصغيرة: زجاج المقاهي المبلل، ورائحة البن، وصوت المارّة. وصوت المطر على السقوف والأرصفة. وقد كتب الشاعر السوري محمد الماغوط عن هذا المشهد قائلاً: "ما زلت أحبّ دمشق حين تمطر… كأن المدينة كلها تعتذر لي".

وفي كلتا البيئتين، الريفية والحضرية، يملك هطول المطر قدرة على إعادة تنظيم الحياة اليومية. فالمطر في الوجدان السوري هو بحسب الأمثال الشعبية "ضيوف تطرق الباب". ومن هنا، تتشكل الطقوس كعناصر من الذاكرة الجماعية، والتي تعيد كل سنة ترتيب العلاقة بين المكان والإنسان، وتجعل الشتاء حدثاً يعيد تعريف الهوية السورية في شكلها المدني والريفي.

وحدة التجربة السورية رغم اختلاف الإطارين المكانيين؛ الصورة المتخيّلة في الشتاء السوري

رغم الفروق الجوهرية بين الريف والمدينة، إلا أن التجربة الإنسانية للشتاء السوري تكشف عن وحدة شعورية يصعب إنكارها. فالناس، أينما كانوا، يتفاعلون مع البرد بوصفه تحدياً، ومع المطر بوصفه ذاكرة. ومع الثلج بوصفه الوجه الأسمى للخير الشتوي. ففي الريف، يتكدس الطين على الطرق، وفي المدن تتزاحم السيارات في الشوارع، ولكن النتيجة واحدة: إحساس مشترك بالمشقة اليومية. وقد لخّص أحد أساتذة علم الاجتماع في جامعة دمشق هذه الفكرة قائلاً: "المطر في سوريا يساوي المسافة بيننا مهما فرّقتنا الجغرافيا".

وإن هذا التقارب الشعوري يتجذر في عنصر آخر، وهو الحنين. إذ يُعيد الشتاء للسوريين ذكريات من الطفولة والمدرسة والمواقد والطرقات المغلقة، ويستدعي صوراً من الإرث العائلي القديم. إذ كثيرٌ من السوريين يتذكرون صوت أغنية فيروز "رجعت الشتوية" التي أصبحت، رغم لبنانيّتها، جزءاً من شتاء سوريا الاجتماعي والثقافي، وذلك لأنها تعكس المزاج العام في المشرق العربي بأكمله.

كما أن التغيرات الجوية تدفع الجميع إلى نمط تفكير تأملي، حيث يصبح الداخل (البيت؛ الذات والعائلة) أكثر حضوراً من الخارج. وهنا يلتقي الريف والمدينة عند البنية النفسية للشتاء؛ الشعور بالانكماش، والانتباه للعلاقات المهدّأة، والرغبة في الدفء. وحتى في سنوات الثورة، وشتاءاتها القاسية، بقي الشتاء السوري مساحة تكشف عن "الإنسان المشترك" في السوري، مهما تغيّرت الظروف السياسية أو الاجتماعية أو الأمنية. فكان السوريون يتشاركون إحساساً واحداً رغم اختلاف البيئات والممارسات. وكانت شتاءات الثورة رغم صعوبة النزوح والمخيمات والتنقل والهجرة الداخلية والخارجية تروي قصصاً جديدة ومثيرة بأي الخير في هذا البلد سيعود يوماً، وهو ما بدأ كثير من السوريين يشعرون به في أول شتاء مرّ عليهم بعد خمسين عاماً من الطغيان والاستبداد في شتاء 2024 – 2025م.

الذاكرة الثقافية بين المشهدين الريفي والحضري السوري

تشكّل الذاكرة الاجتماعية للشتاء السوري عنصراً أساسياً في الهوية السورية، إذ تستبطن هذه الذاكرة روايات وحكايات تتكرر عبر الأجيال. وفي القرى، تتعلق الذاكرة بمواسم المطر التي يُنظر إليها كعلامة خير، وبحكايات الجدّات حول "شتاء السبعينات والثمانينات" أو ما سُمّي في بعض المناطق بـ "الثلجة الكبيرة". وتحتفظ الروايات الريفية بمشاهد مثل: "تحت سقف الطين، كانت الأم تدفئ أيدي الأطفال فوق الصوبة، بينما يضرب المطر الشبابيك". وهذه المشاهد هي مكون هوياتي يُعيد تشكيل علاقة الإنسان بتاريخه وحاضره.

وفي المدن، تتراكم الذاكرة حول أماكن محددة: الأرصفة المبللة في الحمراء، وصوت المطر على أشجار باب توما، وازدحام السرافيس في حلب، والبخار على زجاج المقاهي في اللاذقية. وقد تناولت الرواية السورية - مثل أعمال زكريا تامر - هذه المشاهد باعتبارها مرآة لتحولات المجتمع الفكرية وتطوره. كما تلعب الأغاني دوراً في تعزيز هذه الذاكرة؛ فالموروث الشعبي يحفل بنصوص مرتبطة بالبرد والمطر، مثل الأغنية الساحلية القديمة: "يا مطر رِخّي… على زرع بلادي تخّي"، وهو نص يعكس علاقة السوري بالمطر بوصفه رمزاً للخير والعطاء والخصب.

يُظهر تحليل ظاهرة الشتاء السوري أن العلاقة بين الريف والمدينة، فالشتاء يعيد تعريف هذه العلاقة عبر طبقات متعددة: الإيقاع الاجتماعي، والطقوس اليومية، والتجربة السوريانية المشتركة، والذاكرة الثقافية. ففي الريف، يتخذ الشتاء شكلاً جماعياً يعتمد على التضامن والبقاء عبر التعاون، فيما يظهر في المدن كإعادة تنظيم لعلاقات الفرد مع ذاته ومع الفضاء العام. ومع ذلك، يتقاطع الطرفان في شعور واحد: الحاجة للدفء المادي والشعوري الرمزي، واستدعاء الذاكرة المشتركة التي تضع السوريين في إطار وجداني واحد.

وإن هذه المقاربة تؤكد أن الشتاء هو، وفق التعبير السوسيولوجي، "بنية موسمية" تُعيد ترتيب العلاقات الاجتماعية، وتحيي الذاكرة الثقافية. ولعل أبرز ما يكشفه الشتاء السوري هو أن السوريين، رغم كل تنوّعهم، يشتركون في رواية واحدة ترويها الأمطار والمواقد والمقاهي والأرصفة المبللة، وهي رواية وطن متعدد الأمكنة، لكنه موحّد في الشعور والانتماء، وهو ما نحتاجه اليوم شعور واحد في وطن يجمع السوريين، وتغدو الشتاءات الجديدة فضاء للتلاقي والعطاء الجماعي.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس