ترك برس

تناول الكاتب والإعلامي التركي كمال أوزتورك، في مقال له، تجربة شخصية عاشها في المدينة المنورة خلال شهر رمضان، حيث يفطر الصائمون على موائد جماعية ينصبها متطوعون من مختلف أنحاء العالم، في مشهد إنساني يعكس قيما راسخة من الكرم والتكافل والمحبة.

ومن هذه التجربة ينتقل الكاتب إلى بعد أوسع، فيقدم المدينة بوصفها نموذجا حضاريا متكاملا يجمع بين السكينة الروحية والتعايش الإنساني، مستحضرا تجربة “صحيفة المدينة” باعتبارها إحدى أقدم وثائق العيش المشترك في التاريخ.

ويخلص أوزتورك إلى أن هذا النموذج القيمي يمثل رسالة حضارية يحتاجها عالم اليوم، في زمن تتفاقم فيه الأنانية والصراعات وتتراجع فيه مساحات التعاطف. وفيما يلي نص المقال الذي نشره موقع الجزيرة نت:

كان ذلك قبل أعوام طويلة، حين منّ الله علي بالذهاب إلى عمرة في رمضان برفقة أطفالي. كنا في المدينة المنورة، وفي أول يوم أيام الصيام قررنا أن نفطر في المسجد النبوي. اتفقنا مع أصدقاء من تركيا أن نلتقي عند موعد الغروب في ساحة المسجد.

عندما دخلنا قبيل الأذان، فوجئنا بموائد منصوبة في كل مكان. ولم تمضِ لحظات حتى ازدادت دهشتنا، إذ كان الواقفون عند تلك الموائد يدعوننا بإلحاح لطيف أن نفطر معهم، وكأنهم يتسابقون إلى استضافتنا ومشاركتنا الطعام. كنا نعتذر شاكرين، ونخبرهم بأن لنا موعدا مع أصدقائنا، غير أن الدعوات المفعمة بالمحبة لم تنقطع.

شعرنا، أنا وأطفالي، بمزيج من الدهشة والتأثر. كان الداعون مرة من باكستان، ومرة من مصر، وأحيانا من بلدان آسيوية أو أفريقية أخرى.

أدركت حينها أن مسلمين من أنحاء العالم اجتمعوا هنا، ونصبوا موائدهم ليكرِموا الصائمين والمعتمرين، يتنافسون في البذل والضيافة، لا طلبا لشيء إلا ابتغاء الأجر والمحبة في هذا الشهر الكريم.

نُصبت آلاف الموائد وكان هناك عشرات الآلاف من الناس، ومع ذلك كان في تلك الإفطارات متسع للجميع. كان الناس يتسابقون في إكرام بعضهم بعضا، وفي مد يد العون لمن حولهم. كانت تلك أغنى مأدبات رأيتها في حياتي، لا لأن الطعام كان وفيرا أو فاخرا، بل لأن القلوب الكريمة كانت كثيرة.

وعندما التقيت بصديقي، وجدته هو أيضا قد نصب مأدبة، منشغلا بدعوة الناس إلى الإفطار. رأى دهشتي من هذا المشهد الذي أراه لأول مرة، فقال لي: "إن أصحاب هذه الموائد يقولون: ليتك تشرفني بالضيافة". عبارة كهذه قلّ أن تسمعها في أي مكان من أرجاء المعمورة، ومثل هذه الموائد لا تكاد تراها في أي بقعة أخرى.

جلسنا إلى إحدى الموائد وإلى جانبي رجل من البوسنة، وأمامي آخر من بنغلاديش، وعن يميني زائر من السودان. كان أطفالي يجلسون لأول مرة في حياتهم إلى مائدة بهذا التنوع والثراء الإنساني.

لم نكن نعرف لغات بعضنا، لكن التواصل كان حاضرا، والابتسامة لا تفارق الوجوه. مئات الآلاف من الحجاج والزوار، يفطرون طوال شهر رمضان على هذه المأدبات، من غير مقابل، بل ويمكنهم أن يأخذوا معهم من الوجبات المعبأة للسحور أيضا.

إن "مائدة المدينة"- سواء نظر إليها من زاوية اجتماعية أو نفسية أو دينية- جديرة بالدراسة والكتابة والتأمل. فهذا النموذج الفريد من ثقافة الإفطار، يحتاج إلى تعريف أوسع وإبراز أعمق.

في عالم بلغت فيه الأنانية وجمع الثروات ذروتهما، لو حدثت الناس عن عشرات الآلاف من المتطوعين الذين يتسابقون لإطعام الصائمين، لظن كثيرون أنك تبالغ أو تروي خيالا. لكن هذا المشهد حقيقة تتكرر كل عام، وتشهد على وجه آخر من وجوه الإنسانية حين تغذيه القيم الإيمانية.

وللأسف، لم نحسن بعد عرض كثير من فضائل المسلمين أمام العالم، ولا التعريف بجوانب الجمال في ثقافتهم وسلوكهم. وحتى السيرة العطرة لنبينا ﷺ، الذي أفطرنا في رحاب مسجده وعلى مقربة من روضته، ما زالت عند كثيرين مجهولة أو مشوهة، مع أنها تحمل من القيم والفضائل ما لو عُرف حق المعرفة لغير كثيرا من الصور النمطية السائدة.

إن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى التعرف إلى قائد كان مثالا للرحمة والشفقة، وقامة أخلاقية فريدة. أن يُعرف هذا النموذج ويقتدى به عالميا لم يعد ترفا ثقافيا، بل ضرورة إنسانية في زمن تتكاثر فيه الصراعات وتضيق فيه مساحات التعاطف.

وانظروا إلى تجربة العيش في المدينة المنورة نفسها، فهي نموذج قائم بذاته يستحق أن يقدم للعالم. كل من زار المدينة يلحظ ذلك السكون العجيب والطمأنينة التي تملأ أرجاءها.

الحجاج والزوار- على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم- يكادون يجمعون على وصفها بأنها "مدينة تبعث على السلام الداخلي". ولعل أعظم ما يفيض على هذه المدينة من سكينة هو احتضانها رسول الله ﷺ.

لكن المدينة ليست رمزا للسكينة الروحية فحسب، بل هي شاهد مبكر على تجربة إنسانية في التعايش. ففي عهد النبي ﷺ عقد اتفاق بين المسلمين واليهود وغيرهم من سكان المدينة، نظِمت فيه أسس العيش المشترك، وحددت الحقوق والواجبات. ويعرف هذا الاتفاق باسم صحيفة المدينة، ويعده كثير من الباحثين من أقدم الوثائق التي أرست مبدأ "العقد الاجتماعي" في التاريخ.

في زمن كانت أوروبا تعيش صراعاتها الداخلية، ومناطق واسعة من العالم تموج بالحروب، صاغ مجتمع المدينة وثيقة تضمن التعدد الديني وتحفظ الحقوق وتصون الدماء والأموال.

إنها تجربة تاريخية تؤكد أن التعايش ليس شعارا طارئا في التراث الإسلامي، بل ممارسة تأسست مبكرا، ولا تزال قابلة لأن تستعاد بوصفها مصدر إلهام لحاضر مضطرب.

هكذا هي المدينة المنورة، مدينة تتفرد بخصائص لا تكاد تجتمع في غيرها. حتى موائد الإفطار التي تنصب فيها خلال رمضان تمثل نموذجا إنسانيا راقيا يمكن أن يقدم للعالم بوصفه تجربة في الكرم والتكافل والتراحم.

أما صحيفة المدينة فهي وثيقة توافق مجتمعي تملك من القيمة ما يجعلها مثالا يحتذى به في زمن تتسابق فيه قوى كثيرة إلى إشعال الحروب وإذكاء الصراعات.

ومن المؤسف أن المسلمين لا يعرفون بهذه الموائد الخيرية، ولا تعرف مدنهم بما أضافته إلى الحياة الاجتماعية من قيم!

وفي وقت ينهار فيه النظام العالمي وتضمحل فيه الحضارات، أليس هذا هو الوقت المناسب للتعريف بالحضارة التي نملكها؟

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس