
نبي ميش - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس
يتحدث دونالد ترامب عن الحرب ضد إيران، وفي الخطاب نفسه يعلن النصر ويؤكد في الوقت ذاته أن المفاوضات مستمرة. وفي الخطاب ذاته، يمكنه أن يدلي بتصريحات من شأنها تصعيد الحرب، قائلاً: "على إيران أن تكون مستعدة لأن تُدمَّر بالكامل".
من الصعب الجزم ما إذا كانت هذه التصريحات ناتجة عن تغيّر لحظي في المواقف أم أنها استراتيجية منسقة. حتى الدائرة المقربة من ترامب لا تستطيع تشخيص ما يجري بشكل دقيق.
لكن من المرجح أن ترامب يرى في ذهنه أنه "يبني استراتيجية متزامنة". فهو يفترض أنه من جهة يعلن النصر ليعزز تماسك الجبهة الداخلية، ومن جهة أخرى يُبقي باب المفاوضات مفتوحاً ويواصل الضغط لمنع إيران من تبني موقف حدّي. بالنسبة لترامب، فإن الواقع على الأرض يأتي في المرتبة الثانية في هذه الخطابات. أما أول ما يفكر فيه فهو الحفاظ على صورة القائد القوي.
ترامب قادر على تغيير قراراته وفق تطور الأحداث أو بشكل لحظي. وأفضل مثال على ذلك هو الاتجاه السريع نحو عكس ما ورد في وثيقة استراتيجية الأمن القومي التي أُعلنت مؤخراً فيما يتعلق بالحروب.
في وثيقة استراتيجية الأمن القومي، تم إعادة تعريف الدور العالمي للولايات المتحدة. وبحسب ذلك، كانت الولايات المتحدة ستعود إلى مبادئها التأسيسية، ولن تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وستتجنب الحروب المستمرة، وستتخلى عن ممارسات السياسة الخارجية التي تُحمّل الشعب الأمريكي تكاليف الدفاع عن الحلفاء.
لكن ذلك لم يحدث. فقد أطلق ترامب مؤخراً واحدة من أكثر الحروب الساخنة كلفة على المستوى العالمي والإقليمي. وعندما يُذكر "تكلفة الحلفاء"، فمن المرجح أن أوروبا هي التي تخطر بباله. فهو لا يرى إسرائيل كدولة منفصلة أو حتى كحليف. وحتى إن لم يرها الرئيس كذلك، فإن عدد من يقولون داخل المجتمع الأمريكي إن "حرب إسرائيل ليست حربنا" يتزايد يوماً بعد يوم.
صعوبة تحقيق سلام مستدام
حتى لو تم التوصل إلى وقف إطلاق نار مع إيران، فإن تحقيق سلام دائم ومستدام سيكون أمراً بالغ الصعوبة. إذ ستواصل الولايات المتحدة وإسرائيل التدخلات التي تعرقل التعافي بعد الحرب وتهدف إلى إضعاف الدولة من الداخل.
أما إيران، فستحاول مواصلة سعيها للهيمنة والضغط الإقليمي عبر وكلائها. وسواء تم تضمين ذلك في بنود الاتفاق أم لا، فإنها ستحاول فرض أمر واقع في مضيق هرمز للحصول على نصيب من العبور ومن النموذج الاقتصادي الخليجي، ما سيجعل التوتر دائماً. ومن جهة أخرى، ستحاول إيران الحفاظ على التماسك الداخلي من خلال إبقاء التوتر في سياستها الخارجية عند مستوى معين وبشكل مستمر.
كما أن إيران، بالاستناد إلى مقولة "لقد دفعت الثمن" وإلى ورقة "يمكنني إلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي مجدداً إذا أردت"، لن تتخلى عن جهود التسلح المفرط والسعي لامتلاك سلاح نووي. وهذا قد يفتح الباب أمام هجمات جديدة ضدها.
أما إسرائيل، فستعمل بالدرجة الأولى على تقويض أي سلام دائم في إيران. وحتى في حال التوصل إلى وقف إطلاق نار، ستحاول إبقاء لبنان خارج هذا الإطار. كما ستسعى إلى ترسيخ احتلالها في لبنان وسوريا، ولن تتخلى عن نهجها العدواني في سبيل أهدافها التوسعية والمزعزعة للاستقرار في المنطقة. إضافة إلى ذلك، فإن الأهداف اللاهوتية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وفريقه المتشدد باتت الآن سياسة دولة في إسرائيل.
إذا خرج ترامب ضعيفاً من حرب إيران، فسيسعى إلى تعويض ذلك. وإذا رأى أن "قدرته على فرض الواقع" قد تآكلت، فقد يصبح أكثر عدوانية. وإذا فقد السيطرة في الداخل أو داخل حزبه، فقد يُقدم على المخاطرة. وقد يسعى إلى تحقيق "نصر سهل" في الخارج للتغطية على ذلك. ولن يكون من المستغرب أن يتجه نحو كوبا أو غرينلاند لهذا السبب.
كما أن ترامب، بدلاً من تحمّل مسؤولية الخسارة أو تآكل كاريزميته، سيحاول تحميل المسؤولية للآخرين. فقد يسعى إلى إلقاء فشلِه على فريق عمله أو على الحلفاء أو على حلف شمال الأطلسي أو على النظام الدولي. وعلى وجه الخصوص، قد يتخذ مواقف أكثر تشدداً وجذرية تُزعج أوروبا في ملفات مثل الناتو والحرب بين أوكرانيا وروسيا.
كما أن كل تدخل جديد لترامب سيُعمّق النزاعات الإقليمية القائمة أو المحتملة، وسيؤثر أيضاً في مسار تنافس القوى الكبرى. ولذلك، فإن الوصول إلى سلام عالمي وإقليمي مستدام في المستقبل القريب يبدو أمراً صعباً. إن دورة الحروب الدائمة تتجه نحو أن تصبح أمراً طبيعياً، لتشكّل الوضع القائم الجديد.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس












