
شعبان عبدالرحمن - خاص ترك برس
مازلنا مع مسيرة الإسلام والمسلمين في كمبوديا ، وما عانوه من اضطهاد وتهميش ومجازروحشية تحت حكم "الخمير الحمر"...وإن مشاهد تلك الأحداث المأساوية لم تفارق ذاكرة المسلمين حتي اليوم في وقت كانت الأجيال الحديثة تجهل خلفياتها التاريخية ، بل وتشارك عن جهل في الاحتفال القومي السنوي بانتصارات هؤلاء “الخمير الحمر” على مملكة التشامبا ذات الأصول الإسلامية ، وهو في الواقع احتفال بغزو قضى على معظم السكان المسلمين في هذه البلاد.
لكن مع مرور الأيام لم يستمر هذا الوضع الردئ طويلا ، فقد بدأت القبضة الحديدية للخمير الحمر تضعف ،ووصل الضعف ذروته مما سهل إسقاط هذا النظام إلى غير رجعة علي أيدي القوات الشعبية الفيتنامية التي "حرّرت" كمبوديا من دكتاتوريته ووحشيته .
وبقي من بقي من المسلمين يواجه معاناة أخرى تتمثل في الإهمال من قبل الإعلام العربي والإسلامي وبالتالي حكومات العالم الإسلامي ، في وقت سيطر علي مسلمي كمبوديا الانشغال على مستقبل تعليم أبنائهم لدينهم الإسلامي، وحاجتهم إلى ترجمة لمعاني القرآن الكريم ، وكذلك حاجتهم إلى الإمكانات المادية لإدارة أنشطتهم الدعوية والدينية... وبين الحين والآخر ظلوا يطلقون مناشدات لإخوانهم لمساعدتهم علي النهوض من جديد .
ولم تقعدهم تلك الاحتياجات المشوبة بالقلق على المستقبل عن مواصلة حياتهم ، خاصة أنهم باتوا في وضع أكثر استقرارا وأفضل حالا من أيام حكم الخمير الحمر الوحشي ولذلك فإنهم في ظل هذا الاستقرار زاد تعدادهم في إحصاء عام 2021م عن المليون مسلم بنسبة حوالي 6%، من إجمالي تعداد السكان البالغ 16.95 مليون نسمة ، يعتنق معظمهم "البوذية ".
وتتراوح نسبة المسلمين في أقاليم كمبوديا المختلفة بين الارتفاع والنقصان، فقد بلغت نسبتهم في إقليم "فري تشامبيا" الشمالي، نحو 40% من سكانها، بينما يشكل المسلمون نسبة 20% من سكان إقليم "فري تشيانغ" المجاور و15% من سكان إقليم " كامبوت ".
أما بالنسبة لأصولهم ، فإنه يعيش في كمبوديا اليوم ثلاثة أنواع من المسلمين وهم:
الـ " تشام " وترجع أصولهم إلى دولة "تشامبا" التي قامت في فيتنام ، وهم يمثلون غالبية مسلمي البلاد بنحو 85% منهم، ويتحدثون اللغتَين الكمبودية/الخميرية والتشامية.
الـ"جاوي" وتعود أصولهم إلى جزيرة جاوا في إندونيسيا ويتحدثون اللغة الكمبودية/الخميرية فقط ولا يعرفون اللغة التشامية.
الـ "خميري" وهم أصل "الشعب الكمبودي الذي اعتنق الإسلام بعد علم به وفهم له وأيضا بسبب زواج نساء من الخميرمن المسلمين، أو بسبب المساعدات التي يقدمها المسلمون وأسهمت كثيرا في توليف القلوب.
ويعيش معظم المسلمين في محافظة "كامبونج تشام"، ويُمثلون حوالي 50% من مسلمي البلاد.
وفي محافظة " كامبونج جهنانج "يعيش فريق من المسلمين يعرفون بـ" الزاهدين " (جاهيت) ،ويزعم هؤلاء أنهم يتمسكون بما كان عليه المسلمون في مملكة " تشامبا " دون غيرها ، بينما هم في الحقيقة الأكثر جهلا بالإسلام وابتعادا عن تعاليمه ، فأفراد هذا الفريق يؤدون خلال الأسبوع صلاة الجمعة فقط ولا يُصلون الصلوات الخمس .
وتعد محافظة " كامبوت " ثالث كبرى المحافظات التي يعيش فيها المسلمون ، وغالبيتهم من الجاويين ،أما باقي المسلمين فيتوزعون في كافة محافظات البلاد.
وتتميز النساء المسلمات هناك بالحجاب وترتديه غالبية النساء والفتيات الصغيرات خاصة في قرى المسلمين.
مدير علاقات القرية بالحكومة
وتحظي حياة المسلمين في القرى بتنظيم إداري جيد وضعه المسلمون أنفسهم؛ حيث يختارون مسئولا يديرعلاقات القرية بالحكومة، ويخصصون مسئولا لتولي القيام بالشؤون الشرعية، ويطلقون عليه (حاكمًا) باللغة العربية، ويقوم هذا الحاكم بدور محوري في تنظيم شئون القرية ،فيتكفل بحل المشاكل الأسرية، وفض النزاعات وعقد النكاح، والإشراف على كل من المسجد، ومدرسة القرية الإسلامية، والسعي لسد احتياجاتهما ، والقيام بتنفيذ المشاريع المقررة ، ومتابعتها مع الجمعيات الخيرية.
هذا الحاكم يتم اختياره بناء على مواصفات محددة أهمها : التواضع والتفاني في خدمة قومه ، وكل حاكم له نائبان ينوبان عنه في تسيير أعمال القرية ، ويتكفل سكان القرية بمساعدة هذا الحاكم علي شئون حياته من الزكوات والصدقات إن كان فقيرا وإن كان حاله ميسورة فلا يحتاج إليها .
المراكز الإسلامية والجمعيات
يتواجد في كمبوديا ما لا يقل عن 30 مركزًا ومؤسسة وجمعية إسلامية، أشهرها:
جمعية منابع الخير بكمبوديا .
جمعية البركة الخيرية .
جمعية التضامن الاجتماعي للمسلمين في كمبوديا.
رابطة المثقفين المسلمين في كمبوديا .
الجمعية الإسلامية في كمبوديا .
جمعية تطوير المجتمع المسلم في كمبوديا .
مؤسسة تنمية المسلمين في كمبوديا .
جمعية خريجي الدول العربية .
جمعية الرحمة.
جمعية الإحسان للتربية.
الفرق والجماعات الإسلامية : لم يكن هناك تواجد للشيعة في كمبوديا إلا بعد عام 2009م؛ حيث ظهرت لأول مرة مجموعة منهم في إحدى القرى الواقعة بمحافظة "تبونج خموم" (جزء من محافظة كامبونج تشام سابقًا)، لكن لا يذكر لهم تأثير كبير في أوساط المسلمين، كحال الأحمدية والصوفية، التي تتواجد بحضور ضئيل في عموم البلاد .
كما تتواجد في هذه البلاد جماعة التبليغ والدعوة التي تنشط بشكل كبير ولها تأثير واسع بين الناس، إلى جانب العديد من المؤسسات السلفية الفاعلة التي تقوم بجمع المساعدات ونشر الدعوة .
ويبذل المسلمون في كمبوديا جهودًا كبيرة لترسيخ حضورهم ونشاطهم أمام القرارات الحكومية المجحفة بحقوقهم فقد شهدت البلاد احتجاجات غاضبة من المسلمين التشام ضد مشروع إنشاء طريق جديد في العاصمة "بنوم بنه" يقطع أراضي مسجد "سركال"، وهو المسجد الرئيسي في العاصمة .
من مشاكل المسلمين في كمبوديا
ويعانى المسلمون في كمبوديا – كما ذكرنا من قبل -من تهميش كبير لحضورهم في الإعلام العربي والإسلامي، في وقت يعانون فيه من القلق على مستقبل تعلم أبنائهم للدين الإسلامي، ويحتاجون إلى ترجمة لمعاني القرآن الكريم ويفتقدون الإمكانات المادية لإدارة أنشطتهم الدعوية والدينية، وبين الحين والآخر يطلقون مناشدات لإخوانهم المسلمين في أنحاء العالم لدعمهم في بناء مدارس إسلامية وطباعة المناهج التعليمية بلغتهم ، ففي أغلب الأحيان يدرس أبناء المسلمين في كمبوديا نصف اليوم في المدارس الحكومية والنصف الآخر في المدارس الدينية، في ظل افتقاد المسلمين لنظام تعليمي موحَّد، أو مقرر دراسي موحد لجميع المسلمين في كافة أنحاء البلاد.، وما إن يصل الطلبة إلى مستوى المرحلة الثانوية حتى تتوقف دراستهم، لعدم توفر جامعة إسلامية في كمبوديا، ولا يتمكن من ذلك إلا من حصل على منحة دراسية من الجامعات الإسلامية خارج البلاد.
وقد أسهم ضعف القدرات التعليمية والدعوية لدى غالبية المسلمين في كمبوديا في انتشارالجهل بأحكام الإسلام، وغياب السنن، وانتشار البدع والمخالفات في المعتقدات والعبادات والأخلاق.
وتسبب تفشي الفقر في انشغالهم الكبير في كسب قوتهم عن طلب العلم، وكونهم أقليةً في بلاد غير مسلمة فإنهم يتأثرون بتفشي الثقافة المحلية التي تقوم على الخرافات،في وقت لا يتوفر فيه الدعاة المؤهَّلِين للقيام بالتوعية والدعوة والتعليم في وقت تعاني المناهج التعليمية من ضعف المواد المعينة على ذلك ، ورغم ذلك وبفضل عودة العديد من الطلبة من الجامعات الإسلامية في السعودية وماليزيا فقد بدأت تظهر مؤخرًا آثار سعيهم بين المسلمين الكمبوديين، لتصحيح المفاهيم وتنشيط الدعوة إلى الله.
حاجة ملحة
وبعد ...فإن المسلمين في كمبوديا مازالوا بحاجة لكافة أشكال الدعم الدعوي والتعليمي والتربوي، في ظل تنافس النصرانية والبوذية التي يمتلك أتباعها وسائل إعلامية حديثة وقدرات مادية كبيرة يتم تسخيرها في تقديم المساعدات الإغاثية والتعليمية والمستشفيات المجانية التي تستقطب المحتاجين إليها ، بينما يفتقد المسلمون في كمبوديا كل هذه الوسائل ولا يملكون قناة تلفزيونية تعبر عنهم ولا يحصلون إلا على ساعتين قصيرتين من البث في الإذاعة الحكومية ولا يزالون بحاجة إلي المزيد من الخدمات التعليمية والترجمة والدعوة .
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس











