
حسناء جوخدار - ترك برس
تُعد ولاية بورصة (شمال غرب) واحدة من أهم المدن التاريخية في تركيا، إذ كانت أول عاصمة للدولة العثمانية، وما زالت حتى اليوم تحتفظ بإرث معماري وثقافي غني يعكس مراحل متعددة من تطور الحضارة الإسلامية والعثمانية.
وتجمع المدينة بين المساجد الكبرى، والخانات التجارية، والمجمعات الدينية، إلى جانب الطبيعة الخلابة والقرى التاريخية والمواقع الأثرية التي تشكل معًا لوحة حضارية متكاملة.
وفي هذا التقرير نستعرض أبرز هذه المعالم التي تمثل جزءًا مهمًا من هوية بورصة التاريخية والثقافية.
نُزل كوزا (خان كوزا)
يُعد نُزل كوزا من أهم المراكز التاريخية في مدينة بورصة، وقد تم بناؤه عام 1492 بأمر من السلطان بايزيد الثاني ليكون مصدر دخل يعود ريعه إلى مسجده ومدرسته الإسلامية في إسطنبول.
شُيّد النُزل على مساحة واسعة بين مسجد أورخان ومسجد أولو، باستخدام الأحجار المربعة والطوب في بعض أجزائه، ويتكون من طابقين يحيط بهما رواق معمّد يضم أربعين قبة خرسانية.
يحتوي نُزل كوزا على خمسة وتسعين غرفة، منها خمسون في الطابق العلوي وخمس وأربعون في الطابق السفلي. وقد خُصصت غرف الطابق العلوي بشكل رئيسي كمحلات لبيع الحرير ومنتجاته، مما جعله مركزًا مهمًا لتجارة الحرير في المدينة.
ويتميز النُزل ببوابات متعددة، منها باب جنوبي في الطابق العلوي، وأبواب أخرى تطل على جانب مسجد أورخان والمعرض المغطى في الجهة الشمالية، حيث يبرز الباب الحجري الكبير المزخرف بالقرميد الفيروزي.
كما يضم النُزل مسجدًا صغيرًا ذا قبة في وسط الفناء يحتوي على ستة نوافير. وقد ارتبط هذا البناء بأسماء متعددة عبر تاريخه مثل خان جديد أول، وسيمكيش، وبيلك، ويِني كرفانسراي، وجديد عميرة، وهو اليوم ما يزال مركزًا نشطًا لتجارة الحرير في بورصة. ويُنسب تصميمه إلى المعماري عبد الله بن بولاد شاه، بينما أشرف على إنشائه سوكا بن كاراجا.
مجمع مرادية
يُعتبر مجمع مرادية آخر المجمعات الدينية الكبرى التي شيدها السلاطين العثمانيون في بورصة. وقد أمر ببنائه السلطان مراد الثاني بين يونيو 1425 ونوفمبر 1426، ويضم مجموعة متكاملة من المباني تشمل مسجدًا، ومدرسة دينية، وتكية، وحمامًا، بالإضافة إلى مقابر تاريخية.
يتميز المجمع بحديقته الواسعة التي تحتوي على مقابر السلطان مراد الثاني وأفراد من أسرته، مما يمنحه قيمة تاريخية وروحية كبيرة. ويُعد هذا المجمع من أهم نماذج العمارة العثمانية المبكرة التي تجمع بين الوظائف الدينية والاجتماعية والثقافية في مكان واحد.
مسجد أولو
يُعد مسجد أولو في بورصة من أقدم وأهم المساجد العثمانية، وقد شُيّد بين عامي 1396 و1400 في عهد السلطان يلدريم بايزيد، بعد انتصاره في معركة نيقوبوليس. ويقع المسجد في منطقة واسعة قرب حديقة أورخان غازي.
يتميز المسجد بكونه أول نموذج كبير للمساجد متعددة القباب في العمارة العثمانية، حيث يضم عشرين قبة تستند إلى اثني عشر عمودًا مربعًا ضخمًا. كما يحتوي على مئذنتين، إحداهما بُنيت في عهد بايزيد والأخرى في عهد السلطان محمد جلبى.
يُعرف المسجد أيضًا بغناه الفني، إذ يضم عشرات اللوحات الخطية التي كتبها 41 فنانًا باستخدام 13 نوعًا من الخط العربي، ويبلغ عدد الأعمال الخطية فيه 192 عملاً موزعة على 87 لوحة. كما يحتوي على عناصر زخرفية، وساعات أثرية، وشمعدانات، وآيات قرآنية، مما يجعله متحفًا فنيًا بحد ذاته.
المسجد الأخضر
يقع المسجد الأخضر في منطقة يِشيل، وقد بناه السلطان محمد جلبي عام 1419، وهو من أبرز الأمثلة على المساجد ذات التخطيط على شكل حرف T مقلوب. ويُعد من أجمل المباني التاريخية في بورصة وتركيا عمومًا.
صممه المعماري حاجي إيفاز باشا، ويتميز بمدخل رئيسي مزخرف بنحت حجري دقيق وزخارف موكارناس مميزة. استخدمت في بنائه الأحجار والرخام الأخضر، كما غُطيت معظم أجزائه الداخلية بالقرميد المزخرف، خاصة الجدران والقباب.
ومن أبرز عناصره المحراب الذي يُعد تحفة فنية بارتفاع يتجاوز عشرة أمتار، مزين بزخارف نباتية وهندسية دقيقة تعكس روعة الفن العثماني المبكر.
متحف الفنون التركية والإسلامية (المدرسة الخضراء)
يُعرف هذا المعلم باسم المدرسة الخضراء، وهو من أقدم المدارس العثمانية، ويضم اليوم متحف الفنون التركية والإسلامية. يعرض المتحف مجموعة واسعة من الفنون الإسلامية والتركية التي تعود إلى فترات السلاجقة، والبيليك، والعثمانيين.
تشمل المعروضات أعمال الخزف من إزنيق وكوتاهيا، والأعمال الخشبية المحفورة والمطعمة، والفنون المعدنية، إضافة إلى العملات التاريخية، والأزياء التقليدية، والمخطوطات. كما يحتوي المتحف على نماذج فنية نادرة تعكس تطور الفنون الإسلامية في الأناضول عبر قرون طويلة.
منتزه سوغانلي النباتي
يمتد منتزه سوغانلي النباتي على مساحة 400 هكتار، ويُعد مركزًا مهمًا للدراسات العلمية والبحث في النباتات، إضافة إلى كونه متنفسًا طبيعيًا للسكان والزوار. أُنشئ عام 1998 ويضم حوالي 150 نوعًا من الأشجار، و27 نوعًا من الزهور، و76 نوعًا من الشجيرات، و20 نوعًا من النباتات المغطية.
يحتوي المنتزه على حدائق متنوعة مثل الحديقة اليابانية، والفرنسية، والإنجليزية، وحديقة الصخور، وحديقة النباتات العطرية، إضافة إلى بحيرة صناعية ومسارات للمشي والجري وركوب الدراجات. كما يضم مناطق ترفيهية وملاعب للأطفال، إلى جانب قصور بورصة التاريخية التي تحولت إلى فنادق ومطاعم.
جسر إرغاندي
يُعد جسر إرغاندي من الجسور التاريخية النادرة في العالم العثماني، وهو جسر حجري يضم محلات تجارية على جانبيه. يُعتقد أنه بُني عام 1442 في عهد السلطان مراد الثاني.
كان الجسر في الماضي يضم أكثر من 30 محلًا تجاريًا، ويُذكر في كتابات الرحالة أوليا جلبي أنه كان يحتوي على عدد أكبر من ذلك في فترات لاحقة. ويُعد هذا الجسر مثالًا فريدًا على دمج التجارة بالبنية التحتية في المدن العثمانية.
مسجد هُدافنديغار
يقع مسجد هُدافنديغار في بورصة ويضم ضريح السلطان مراد الأول. تعرض المبنى لأضرار كبيرة نتيجة زلزال عام 1855، وأعيد ترميمه لاحقًا خلال فترة السلطان عبد الحميد الثاني.
يضم الضريح ثمانية توابيت، من بينها تابوت السلطان مراد الأول، ويتميز بتصميم معماري يعكس الطابع العثماني الكلاسيكي مع عناصر تجديد لاحقة.
مسجد السلطان أمير
شُيّد مسجد السلطان أمير في أوائل القرن الخامس عشر على منحدرات جبل أولوداغ شرق بورصة، بأمر من هندى خاتون ابنة يلدريم بايزيد. ويتميز المسجد بقبة واحدة ترتكز على قاعدة ثمانية الأضلاع.
يحتوي المحراب على زخارف من قرميد إزنيق، كما يتميز بمدخل يؤدي إلى فناء المسجد عبر درج بين عمودين، مما يعكس بساطة وجمال العمارة العثمانية المبكرة.
مدينة إزنيك
تُعد إزنيك مدينة تاريخية تقع على ضفاف بحيرة إزنيك، وكانت تُعرف قديمًا باسم نيقية. اكتسبت أهمية دينية كبيرة في التاريخ المسيحي لاحتضانها المجمعين المسكونيين الأول والسابع في عامي 325 و787 ميلادية.
تضم المدينة آثارًا تاريخية مثل آيا صوفيا إزنيك، ومسرحًا رومانيًا، وورش صناعة الخزف الشهير بإزنيك. كما تُعد مركزًا سياحيًا مهمًا يجمع بين التاريخ والطبيعة، وهي مدرجة ضمن القائمة الأولية للتراث العالمي لليونسكو.
قرية غوليازي
تقع قرية غوليازي على ضفاف بحيرة أولوبات، وتتميز بجمال طبيعي وتاريخي فريد. كانت تُعرف قديمًا باسم أبوليونت، وتحتوي على آثار معمارية تعكس مزيجًا من الطرازين البيزنطي والعثماني.
تشتهر القرية بمشهد الطيور المهاجرة مثل البجع واللقلق، وبمياه البحيرة التي تغمر بعض الأشجار في فصول معينة، مما يخلق منظرًا طبيعيًا مميزًا. كما تُعد البحيرة محمية مهمة للطيور، وتحتضن أنواعًا نادرة من الطيور المائية.
تُظهر هذه المعالم مجتمعة التنوع التاريخي والثقافي والطبيعي لمدينة بورصة ومحيطها، حيث تمتزج العمارة العثمانية العريقة مع الطبيعة الخلابة والقرى التاريخية.
وتشكل هذه المواقع شاهدًا حيًا على تطور الحضارة في الأناضول، مما يجعل بورصة واحدة من أهم الوجهات الثقافية والسياحية في تركيا.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!












