
شعبان عبدالرحمن - خاص ترك برس
لم تفارق مشاهد المحاكمات والمجازر والأحداث المأساوية التي شهدتها كمبوديا بحق المسلمين خلال حكم “الخمير الحمر” لم تفارق ذاكرة المسلمين حتي اليوم وإن كان عدد منهم قد نسي تلك الأحداث أوبات جاهلا بها وغافلا عن خلفياتها التاريخية ، بل ويشارك في الاحتفال القومي بانتصارات هؤلاء “الخمير الحمر” على مملكة التشامبا التي تعود أصولها للمسلمين في هذه البلاد، وهو في الواقع احتفال بغزو قضى على معظم السكان المسلمين في البلاد. ويتم خلاله تقديم عرض أمام قصر ملك كمبوديا في العاصمة “بونم بنه” كل عام على شكل مسابقة سنوية للقوارب.
احتفال سنوي بجرائم الخمير الحمر!
وقد أصبح هذا الاحتفال من الاحتفالات القومية الرسمية التي يشارك فيها المسلمون بأنفسهم وذلك في غفلة منهم عن خلفيتها التاريخية المأساوية بحق المسلمين!!
ومع مرور الأيام بدأت القبضة الحديدية للخمير الحمر تضعف ، وتم اسقاط هذا النظام علي أيدي القوات الشعبية الفيتنامية التي "حرّرت" كمبوديا من دكتاتوريته ووحشيته . وقد توفي الجزار بول بوت عام 1998م.
وبعد عقود مضت وانجلاء الحقبة المظلمة أدانت كمبوديا الحديثة المسؤول الوحيد الذي بقي على قيد الحياة من قادة الخمير الحمر ، وهو “كاينغ غويك إياف” المعروف بـ”دوتش” مدير سجن “إس-21” السيء السمعة؛ حيث قتل قرابة 18 ألف شخص خلال حكم الخمير الحمر لكمبوديا بقيادة “بول بوت” المعروف أيضًا باسم “الأخ رقم 1″. وقد عمت الفرحة من نجا من المسلمين التشام من الإبادة، بخبر محاكمته ولكن الفرحة لم تكتمل بوفاته قبل انعقاد المحاكمة .
مشاكل ما بعد السقوط
وبسقوط حكم الخمير الحمر بدأت حركة عودة المسلمين إلى كمبوديا من الشتات تنتعش لكن المسلمين فوجئوا في الوضع الجديد بواقع صعب، باتوا يقاسونه من آثار الحملات الوحشية التي تعرضوا لها خلال السنوات الماضية تحت حكم الخمير الحمر .. فقد باتوا يواجهون واقعًا صعبا من الفقر الشديد وقلة ذات اليد، حتى باتوا عاجزين عن سد احتياجاتهم العائلية والفردية أو تمويل مشاريعهم الدعوية والدراسية .. باتوا يقاسون التخلف وانعدام وسائل الحياة وعوامل النهوض بعد فقدانهم الإمكانات والأدوات والأموال اللازمة لتطوير هذا الواقع الأليم.
وعندما تحسنت الأوضاع في البلاد بشكل عام بعد سقوط حكم الخمير الحمر وتنفس المسلمون الصعداء …وما لبثوا أن عادوا لممارسة شعائرهم الدينية، بدأ عدد المساجد والمصليات والمدارس ومراكز تحفيظ القرآن الكريم في التزايد بشكل سريع ، إذ تشير الإحصائيات إلى افتتاح 268 مسجدًا و200 مصلى و300 مدرسة ومركز تحفيظ القرآن الكريم ، وأصبح النشاط الدعوي والعلمي بين المسلمين تديره منظمات إسلامية معترف بها مثل "رابطة مسلمي كمبوديا"، و" رابطة الشباب المسلم الكمبودي" ، و"مؤسسة تنمية مسلمي كمبوديا" ، و"الجمعية الإسلامية الكمبودية للتنمية".
مساجد كمبوديا اليوم ...
ويبدو واضحا اهتمام المسلمين في كمبوديا بمساجدهم ، فهم يولون ترتيب شئونها اهتمامًا كبيرًا ، ولا تخلو قرية من قرى المسلمين في كمبوديا من وجود مسجد أو أكثر، ومنها ما يكون كبيرا ( جامع ) أو مصلى ويطلق عليه اسم «سوراوا»، وبعضها قديم مصنوع من الأخشاب ، والبعض الآخر أحسن حالا وهيئة، ويمكن للمساجد الموجودة في القرى رفع الأذان بمكبرات الصوت؛ على عكس مساجد المدن الكبرى..وفي كل قرية يوفر أهلها إمامًا وخطيبًا ومؤذنًا يدعى “بلال”، كما يخصصون موظفا يقوم على شؤونه ويتولى جمع الصدقات فيه، خاصة في الأعياد والمناسبات الدينية، بالإضافة إلى قيام حاكم القرية بالإشراف العام على كل ما سبق من ترتيبات.
حالة غريبة ..في المساجد :ولا تزال في كمبوديا بعض العادات الغريبة عند المسلمين يمارسونها في المساجد، كاتخاذهم طبلًا كبيرًا لإعلان اقتراب الصلاة قبل الأذان، ويتكرر ذلك في شهر رمضان للإعلان عن دخول وقت الإفطار، وكذلك التدخين في المساجد وساحاتها، لكن وبفضل بعض الجهود الدعوية بدأت هذه الممارسات في التراجع.
ويتواجد اليوم في كمبوديا العديد من المساجد، أشهرها مسجدانِ في العاصمة، الأول هو مسجد “السركال”؛ وهو المسجد الرئيسي في العاصمة "بنوم بنه" وهو أكبر المساجد وأشهرها عند المسلمين الكمبوديين، ويرجع تاريخ بنائه إلى ستينيات القرن الميلادي الماضي ، وبقي غير مكتمل البناء بسبب الأحداث التي مرت بها البلاد، حتى تم إكمال بنائه في بداية تسعينيات القرن الماضي بتمويل من بعض المحسنين في منطقة الخليج العربي .
تاريخ عريق..
وغني عن البيان فإن المساجد في كمبوديا صاحبة تاريخ عريق فهي موجودة منذ دخول الإسلام هذه البلاد في القرن الخامس عشر الميلادي ، وقد شيّد المسلمون الكثير منها ولكنها تعرضت للهدم أو التخريب في عهد الخمير الحمر وبول بوت ، لكن بعد تلاشي قبضة الاضطهاد وزوال ذلك العهد الأسود ،عاد المسلمون بنشاط ملحوظ في الدعوة للإسلام وبناء المساجد كما هو حال المسلمين في كل مكان بعد التخلص من قيود الاضطهاد والظلم ، وهو ما يثبت فشل جميع أساليب القمع والاضطهاد والحروب لانتزاع هذا الدين العظيم من قلوب أبنائه، لكن ما يلبث أن ينطلق المسلمون عملًا ونشاطًا عقب زوال هذا القمع والاضطهاد
وبعد .. كيف يعيش المسلمون في كمبوديا اليوم ؟ نناقش ذلك في المقال القادم ان شاء الله .
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس












