غورسل توقماق أوغلو - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس

في بيئة الحروب الهجينة وحروب الجيل الخامس الهجينة في عصرنا الحالي، بل وأضيف إلى ذلك جانبًا آخر، وهو أساليب التفاوض والاتفاقات من الجيل الجديد، التي أصبحت اليوم جزءًا من المعادلة الكاملة للصراع وتحقيق المكاسب، فإن الرسالة التي أريد إيصالها هي التالية: لا يمكن للتحليل الاستراتيجي أن يكتفي بجمع البيانات أو تكرار النظريات الرائجة.

لقد جعلت حالة عدم اليقين، وعدم تماثل المعلومات، وارتفاع المخاطر العملية، فعل "المعرفة" أكثر ديناميكية. وفي هذا المقال، سأوضح كيف يمكن دمج الإبستمولوجيا المعاصرة (إبستمولوجيا غاو غير المستقرة والتدخل البراغماتي – Shifty Epistemology وPragmatic Encroachment) مع الأساليب الكلاسيكية لتحليل الاستخبارات (اختبار الفرضيات لدى هيور)، ومع المقاربة الاحتمالية البايزية، من خلال "الإحاطة العميقة بالحالة وصياغة بناء مفاهيمي أصيل". وسيُستخدم نموذج عملية إيران 2026 (الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وما أعقبه من عملية "تغيير في الوضع") بوصفه حالة تطبيقية.

والهدف هو انتقاد المقاربة السطحية القائمة على "سرد النظريات واستخلاص النتيجة الخاصة"، واقتراح منهج "قابل للاختبار، وقابل للتحديث، وذو طبيعة داعمة لاتخاذ القرار".

وهذا المنهج يتيح إنتاج فكر أصيل قائم على النزاهة الإبستمولوجية، بعيدًا عن فخ الامتثال والاتجاهات الشعبوية.

الإطار النظري: التحليل المنظم من خلال الإبستمولوجيا غير المستقرة والتدخل البراغماتي

تربط الإبستمولوجيا التقليدية المعرفة والتبرير فقط بـ"العوامل المتعلقة بالحقيقة" (قوة الأدلة والموثوقية). إلا أن دراسة جي غاو المعنونة "الإبستمولوجيا غير المستقرة" (Cambridge Elements، 2026) تبين أن العوامل العملية (المخاطر، وتكاليف القرار، وضغط الوقت، والمخاطر الإدراكية) يمكن أن "تغيّر" المكانة الإبستمولوجية للمعرفة (Shifty). ويصبح هذا التحول أمرًا لا مفر منه، خاصة في البيئات الاستراتيجية عالية المخاطر.

ويعبر مبدأ جي جي (Justified Belief) الذي طرحه فانتل وماكغراث عن هذا التحول بأوضح صورة؛ إذ إن كون الاعتقاد مبررًا يستلزم أن يكون قويًا بما يكفي لتبرير أي فعل يستند إليه. ففي قرار ينطوي على مخاطر عالية، قد تصبح مجموعة الأدلة نفسها "غير كافية" مقارنة بما تكون عليه في بيئة منخفضة المخاطر. ويُوسّع غاو هذا النهج ليشمل مستوى "الاعتقاد أو الثقة العقلانية" (درجة الاعتقاد)، حيث إن الحساسية المنهجية تجاه العوامل العملية تُحسن الأهداف الإبستمولوجية، وتبقى متوافقة مع القيود الأساسية للمقاربة البايزية.

أما أسلوب "تحليل الفرضيات المتنافسة" (Analysis of Competing Hypotheses – ACH) الذي طوره ريتشاردز هيور في كتابه "سيكولوجية تحليل الاستخبارات"، فيقدم استجابة عملية لهذا التحدي الإبستمولوجي. ويؤكد هيور أن أكبر أعداء المحلل هو عقله نفسه (مثل التحيز التأكيدي وتأثير الارتساء وغيرها). ويتيح أسلوب ACH اختبار الفرضيات المتنافسة بصورة منهجية، واستبعاد الأدلة غير المتسقة، وإجراء تحليل للحساسية. ويُعد هذا الأسلوب الهيكل النوعي للتفكير البايزي.

ويتمثل المبدأ الأساسي للمقاربة المتكاملة في الآتي: أولًا "الإحاطة العميقة بالحالة" و"البناء المفاهيمي الأصيل"، ثم الأدوات (ACH، والاعتقاد المشكوك فيه وفق غاو، والتحديث البايزي). فالأدوات لا تنتج الأفكار؛ ومن دون افتراضات أولية قوية وبناء مفاهيمي متين، ستظل سطحية. وبعبارة بسيطة، فإن هذا هو المبدأ القائل: "يجب أن يعمل العقل أولًا".

الحالة التطبيقية: عملية إيران 2026 وتغيير الوضع

تُعد عملية إيران 2026 (Epic Fury / Roaring Lion) حالة مثالية لاختبار الإطار السابق. ومن هنا أصل إلى مدى متانة أطروحتي: فالسؤال الكلاسيكي عن "النصر" لم يعد كافيًا. أما السؤال الحقيقي فهو:

كيف أعادت الحرب تشكيل توازن القوى الإقليمي، والردع، والقدرة الاقتصادية على الصمود، وحرب الإدراك؟

الخطوة الأولى: الإحاطة العميقة بالحالة

التسلسل الزمني للعمليات، واختيار الأهداف (المنشآت النووية، وقواعد الحرس الثوري، وبنية الوكلاء).

العتبة النووية الإيرانية، وشبكة الوكلاء (حزب الله، والحوثيون)، ونقاط الضعف الاقتصادية، وآلية اتخاذ القرار لدى القيادة.

الخطوط الحمراء الأمريكية والإسرائيلية، ومواقف الصين وروسيا، والأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز.

التكاليف الاقتصادية (أسعار النفط، والعقوبات، والدعم متعدد الأقطاب).

الخطوة الثانية: البناء المفاهيمي الأصيل – "تغيير الوضع"

نتخلى عن نماذج النصر التقليدية.

والمفهوم الذي أقترحه هو التالي:

لم تنته الحرب بانتصار تقليدي، بل أحدثت "تغييرًا استراتيجيًا في الوضع". وهذه هي أطروحتي التي أرى أنها أصبحت مؤكدة، وستتحول إلى معيار.

فبحسب النتائج، تأجلت العتبة النووية الإيرانية، وضعفت شبكة الوكلاء جزئيًا، لكن النظام لم ينهر بالكامل بفضل تماسكه الداخلي والدعم متعدد الأقطاب. ودخلت المنطقة مرحلة جديدة من "التوتر المضبوط، والضغط الاقتصادي، وحرب الإدراك". فلا يوجد نصر، بل إعادة تموضع (Re-positioning).

ويجمع هذا البناء بين مقولة كلاوزفيتز بأن "الحرب امتداد للسياسة"، وبين واقع حروب الجيل الخامس الهجينة (الأبعاد الإدراكية والاقتصادية، وحروب الوكلاء، وحرب التصورات)، فضلًا عن دمج جميع عمليات استراتيجيات تحقيق المكاسب، بما فيها الاتفاقات، كما أشرت في البداية.

الخطوة الثالثة: اختبار الفرضيات المتنافسة باستخدام أسلوب هيور (ACH)

أمثلة على الفرضيات المتنافسة:

الفرضية الأولى: حققت الولايات المتحدة وإسرائيل نصرًا استراتيجيًا، وتم ردع إيران.

الفرضية الثانية: صمد النظام الإيراني، وحقق ميزة غير متماثلة عبر حرب الوكلاء.

الفرضية الثالثة: أحدثت الحرب "تغييرًا في الوضع"، فلا نصر كامل ولا هزيمة كاملة، بل تشكل توازن جديد للقوى.

الفرضية الرابعة: أصبحت الحرب الاقتصادية وحرب الإدراك العامل الحاسم (العقوبات في مواجهة تهديد مضيق هرمز).

الفرضية الخامسة: فشل اختبار النظام متعدد الأقطاب، واستمرت الهيمنة الأمريكية.

ويجري إعداد مصفوفة للأدلة (مع الإشارة إلى ما إذا كان كل دليل يدعم كل فرضية أم لا)، ثم تُستبعد الفرضيات الأكثر تناقضًا، ويُجرى تحليل للحساسية: "إذا تبين أن هذا الدليل غير صحيح، فكيف ستتغير النتيجة؟"

الخطوة الرابعة: غاو، والتدخل البراغماتي، والتحديث البايزي

بسبب ارتفاع المخاطر (المخاطر النووية، وأزمة الطاقة، وتصعيد حروب الوكلاء)، يرتفع المعيار الإبستمولوجي تلقائيًا. فقد تبدو مجموعة الأدلة نفسها "كافية" في بيئة منخفضة المخاطر، لكنها تصبح هنا "غير كافية" (وفقًا لغاو ومبدأ JJ).

ويتم الحفاظ على حساسية المخاطر العقلانية تجاه المخاطر العملية. وتُحدد الافتراضات الأولية (Prior) استنادًا إلى المعرفة العميقة بالحالة وبناء "تغيير الوضع". ومع ورود أدلة جديدة (نتائج العمليات، والبيانات الاقتصادية، والإشارات الدبلوماسية)، تُحدّث الاحتمالات اللاحقة (Posterior).

ومثال على المخرجات:

"يتراوح الاحتمال اللاحق للفرضية الثالثة بين 62 و68 بالمئة، بينما ينخفض احتمال الفرضية الأولى إلى أقل من 15 بالمئة."

نقد المقاربة السائدة: الامتثال والتكرار السطحي

إن المقاربة السائدة في الأوساط التركية للعلاقات الدولية والاستراتيجية تقوم على سرد النظريات الرائجة (مثل ميرشايمر ودييسن وغيرهما)، ثم إسقاط الحدث الراهن عليها واستخلاص "النتيجة الخاصة". وهذه منهجية ذات مستوى إبستمولوجي متدنٍ، تتسم بالامتثال والشعبوية.

ولا أتحدث هنا أصلًا عما يفعله الصحفيون...

أما الباحثون محدودو الأفق، فيخرجون من مثل هذه الحالة المهمة بنتيجة مفادها: هناك أسماء، وهناك منهج، لكن لا توجد "فكرة أصيلة ولا نتيجة قابلة للاختبار". ففي الواقع عالي المخاطر (الحرب الاقتصادية، وعمليات الإدراك، وقرارات القيادة)، تصبح مجموعة الأدلة نفسها غير كافية. وهنا أيضًا يعمل مبدأ JJ لفانتل وماكغراث: فالادعاء بأن "لدينا مبررات كافية" لا يكتسب معنى إلا إذا اختُبر في مواجهة المخاطر العملية.

الفارق: إنتاج الفكر الأصيل واستراتيجية المخاطب

تعتمد دراساتي على المنهج المتكامل المذكور أعلاه. فمن خلال الإحاطة العميقة بالحالة، والبناء المفاهيمي الأصيل ("تغيير الوضع")، والاختبار المنظم (ACH، وإبستمولوجيا غاو غير المستقرة، والمقاربة البايزية)، أنتج "أطروحات مختبرة ومتوافقة مع الواقع". وأنا لا أكرر، بل أركب وأُنتج مفاهيم جديدة.

أما الجهات التي أخاطبها فهي:

مفكرون استراتيجيون واقعيون ومتعددو الأقطاب، مثل غلين دييسن (من خلال مناقشة أطروحاتي مقارنة بتحليلاته).

الأوساط الواقعية المستقلة ومنظرو التعددية القطبية.

المؤسسات الاستراتيجية التركية ومنصات الفكر الباحثة عن العمق.

المنشورات الدولية الرصينة ومنصات النقاش المستقلة.

ولا أخاطب المكررين الملتزمين بالامتثال، بل أولئك المنفتحين على التركيب الفكري. فالفكرة الصحيحة تجذب، مع مرور الوقت، المخاطبين المناسبين.

الخاتمة والدعوة

تُظهر الإبستمولوجيا غير المستقرة (Shifty) أن المخاطر العملية تغيّر المعايير الإبستمولوجية. ويقدم هيور الطريق المنهجي لتجاوز التحيزات المعرفية. أما المقاربة البايزية، فتُضفي طابعًا كميًا على هذا الانضباط. لكن أياً من هذه الأدوات لا يحقق نتائج من دون دراسة عميقة للحالة، وصياغة مفاهيمية جريئة.

إن المنهج الذي جسدناه من خلال حالة إيران 2026 يجعل أطروحة "لا يوجد نصر، بل يوجد تغيير في الوضع" أطروحة قابلة للاختبار، وقابلة للتحديث، وصالحة لدعم اتخاذ القرار. وهذا النهج يمثل إنتاجًا لفكر أصيل قائم على الشجاعة الإبستمولوجية، بعيدًا عن الامتثال والشعبوية.

وأقولها بوضوح: يجب أن يعمل العقل أولًا، لا أن تنشغلوا بالقيل والقال، ولا بالحسد والضغائن، بل بالمعرفة والخبرة، فهما اللتان ستنتصران. يجب أن يكون العمق والتركيب في المقدمة، أما الأدوات فمهمتها أن تضبط هذا العمق بمنهجية. عندها فقط، يستطيع التحليل الاستراتيجي أن ينتج نتائج "نافعة" و"مختبرة" حقًا.

تخلوا عن الامتثال والشعبوية!

ملاحظة: الأطروحة التي قدمتها في أكاديميات الحرب عام 1995 كانت تدور حول هذا الموضوع، ولذلك فإن هذا المجال بالنسبة إليّ ناضج، وأطرح فيه مواقف واثقة.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!