د. عثمان غازي قندمير – إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس

تشهد طهران في الأيام الأخيرة واحدة من أكبر الفعاليات الرسمية في تاريخ إيران. فقد غيّرت مراسم تشييع آية الله علي خامنئي إلى حد كبير إيقاع الحياة اليومية في العاصمة. وجعلت البلدية وسائل النقل العام مجانية استعداداً للمراسم التي يُتوقع أن يشارك فيها ملايين الأشخاص.

كما فُتحت المدارس والصالات الرياضية والمباني الحكومية أمام الزوار. وأُغلقت الشوارع الرئيسية في المدينة لأسباب أمنية. في حين فرض الحرس الثوري وقوات الأمن إجراءات استثنائية على طول مسار مراسم التشييع.

ويمثل هذا التنظيم، الذي يأتي بعد الحرب، بالنسبة إلى القيادة الإيرانية، واجهة كبرى لإظهار أن الدولة لا تزال قائمة ومتماسكة.

غير أن القصة الحقيقية في طهران لا تكمن في موكب الجنازة، بل في الوفود الرسمية الأجنبية.

فجنازات كبار رجال الدولة تتحول في كثير من الأحيان إلى قمم صامتة للنظام الدولي. ففي عام 1953، أظهرت جنازة ستالين طبيعة علاقة مراكز القوة بموسكو في السنوات الأولى من الحرب الباردة.

وفي عام 1970، كشفت جنازة جمال عبد الناصر عن بحث العالم العربي عن قيادة جديدة. أما جنازة جوزيف بروز تيتو عام 1980، فقد كانت واحدة من اللحظات الدبلوماسية النادرة التي جمعت الكتلتين الشرقية والغربية في مراسم واحدة. وفي عام 2022، جسدت جنازة الملكة إليزابيث الثانية تضامن التحالف الغربي.

ويُظهر لنا التاريخ أن الجنازات غالباً ما تكون أكثر من مجرد مراسم حداد. فالدول تُظهر أحياناً ملامح توازنات القوى الجديدة في مراسم التشييع قبل أن تفعل ذلك في مؤتمرات القمة.

والمشهد الذي يتشكل اليوم في طهران يستحق قراءة مماثلة.

فعند النظر إلى المشاركات التي أُعلن عنها حتى الآن، فإن أول ما يلفت الانتباه هو الغياب شبه الكامل للدول الغربية. إذ لم ترسل الولايات المتحدة ولا الدول الأوروبية الكبرى ممثلين رفيعي المستوى.

ولا يُعد هذا الخيار مفاجئاً. ففي ظل العقوبات المتفاقمة، والحرب، والانقطاع الدبلوماسي خلال السنوات الأخيرة، لم يكن من المتوقع أساساً أن يكون المشهد مختلفاً. ومع ذلك، ينبغي التذكير بأن هذا التقييم يستند إلى قوائم المشاركين المعلنة حتى الآن.

فمراسم التشييع لا تزال مستمرة. وليس من المستبعد أن تنضم إليها وفود جديدة خلال الأيام المقبلة أو أن يطرأ تغيير على مستوى التمثيل.

في المقابل، ترسم الوفود القادمة من آسيا وأوراسيا والجنوب العالمي لوحة دبلوماسية أكثر لفتاً للانتباه. لكن أكبر خطأ يمكن ارتكابه هنا هو تفسير هذه المشاركة على أنها دعم سياسي مباشر للنظام الإيراني.

ومن وجهة نظري، فإن غالبية الدول تحاول إقامة توازن أكثر حساسية. لأن الحفاظ على العلاقات مع الدولة الإيرانية شيء، وإعطاء انطباع بالوقوف إلى جانب النظام القائم شيء آخر تماماً.

ويُعد الخيار الروسي أول مثال على ذلك.

فقد أرسلت موسكو نائب رئيس مجلس الأمن دميتري ميدفيديف بدلاً من الرئيس فلاديمير بوتين. ويُظهر هذا الاختيار استمرار الشراكة الاستراتيجية، كما يكشف في الوقت نفسه أن الكرملين حرص على ضبط مستوى الرسالة الرمزية بدقة. فروسيا لا تترك إيران وحيدة، لكنها تُظهر أن الأولوية في العلاقة هي للبعد الأمني.

أما النهج الصيني، فيتسم بالحذر نفسه. فقد مثّل بكين نائب رئيس المؤتمر الوطني لنواب الشعب. وبالنسبة إلى الصين، فإن الأولوية ليست للنظام الإيراني بقدر ما هي للاستقرار الإقليمي، وأمن الطاقة، وحماية طرق التجارة.

ولذلك، يبدو مستوى التمثيل منسجماً مع نهج السياسة الخارجية الحذر الذي تتبناه بكين منذ فترة طويلة.

أما باكستان، فقد وجهت رسالة مختلفة. إذ لم يكن وجود قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ضمن الوفد، إلى جانب رئيس الوزراء شهباز شريف، أمراً عفوياً.

فبعد جهود الوساطة التي بذلتها إسلام آباد طوال فترة الحرب، أرادت أن تُظهر أنها تنوي مواصلة تواصلها المباشر مع المؤسسة الأمنية الإيرانية حتى بعد خامنئي. وقد برز الوفد الباكستاني باعتباره واحداً من أقوى الوفود المشاركة في مراسم التشييع.

أما المثال الأكثر لفتاً للانتباه، فكان الهند. فقد أرسلت نيودلهي من جهة وفداً رسمياً، ومن جهة أخرى ضمت إلى الوفد مسؤولين حكوميين وشخصيات سياسية بارزة معروفة بانتمائها إلى المذهب الشيعي.

وبذلك، وجهت رسالة تؤكد تمسكها بعلاقاتها التاريخية والثقافية مع إيران.

لكن في اليوم نفسه، لم يُسمح لرجل دين شيعي بارز من كشمير بمغادرة البلاد، وهو ما أظهر أن الهند تضع أيضاً توازناتها الداخلية في الحسبان. وعند قراءة هذين القرارين معاً، يتضح أن نيودلهي تنتهج دبلوماسية متعددة الطبقات.

كما ينبغي النظر إلى مشاركة أرمينيا باعتبارها ملفاً مستقلاً. فوجود رئيس الوزراء نيكول باشينيان في طهران يدل على أن الجغرافيا السياسية في جنوب القوقاز لا تزال تأخذ العامل الإيراني في الاعتبار.

فعلى الرغم من أن حكومة يريفان عملت خلال السنوات الأخيرة على تطوير علاقاتها مع الغرب وتنويع سياستها الخارجية، فإنها أظهرت في الوقت نفسه أنها لا تتبنى سياسة تستبعد إيران من معادلة الأمن الإقليمي.

ولا سيما في ظل النقاشات المتعلقة بممر زنغزور وأمن الحدود، فإن القيمة الرمزية لهذه الزيارة تتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية.

كما شاركت تركيا في مراسم التشييع بوفد ترأسه نائب الرئيس جودت يلماز. كما أن انضمام شخصيات من مختلف الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان التركي إلى الوفد يُعد مهماً من حيث إظهار الدعم المجتمعي التركي لإيران في مواجهة الولايات المتحدة.

ويعكس المشهد الذي برز السمات الأساسية للنظام الدولي الجديد. فلم يعد العالم يقوم على بنية تنقسم إلى كتل واضحة المعالم. بل أصبحت الدول قادرة على إقامة علاقات مع مراكز قوة مختلفة في الوقت نفسه.

ولذلك، فإن اعتبار الوفود التي حضرت إلى طهران جزءاً من محور سياسي واحد سيكون مضللاً. فكل دولة تحدد مستوى تمثيلها انطلاقاً من أولوياتها الأمنية، ومصالحها الاقتصادية، وحساباتها الإقليمية.

ولهذا السبب، فإن جنازة خامنئي تحمل دلالة تتجاوز السياسة الداخلية الإيرانية. فالصورة التي التُقطت في طهران تُعد واحدة من أولى الصور الدبلوماسية التي تُظهر الكيفية التي بدأ بها النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب بالتشكل.

وعندما ننظر إلى هذه المراسم بعد سنوات، سنرى بصورة أوضح أن إحدى أولى الإشارات إلى توازن القوى الجديد قد ظهرت هنا.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!