
ترك برس
تزيّنت معالم بارزة في العاصمة التركية أنقرة ومدينة إسطنبول بألوان وأعلام تركيا والسعودية وباكستان، ضمن حملة بصرية أطلقتها رئاسة دائرة الاتصال التركية احتفاءً بتوقيع «اتفاق مكة للدفاع المشترك» بين الدول الثلاث، في خطوة تعكس الأهمية السياسية التي توليها أنقرة للاتفاق الأمني الجديد.
وشملت العروض في أنقرة الشاشات الرقمية على مبنى دائرة الاتصال في الرئاسة التركية ومبنى «تورك تيليكوم» وبرج أتاكوله، أحد أبرز معالم العاصمة، حيث عُرضت مواد بصرية خاصة بالاتفاق ورسائل تؤكد التعاون والتضامن بين الدول الثلاث.
وفي إسطنبول، ظهرت المواد الخاصة بالاتفاق على الشاشة الرقمية في مركز أتاتورك الثقافي، فيما أضيء جسر شهداء 15 يوليو بألوان أعلام تركيا والسعودية وباكستان، كما شهد برج غلطة عروضًا بصرية أعدت خصيصًا للمناسبة. وقالت دائرة الاتصال التركية إن الحملة تهدف إلى إبراز رسائل «الوحدة والتضامن والصداقة والتعاون الدولي» التي يمثلها الاتفاق.
https://x.com/TR99media/status/2086754688364392921/video/1
ما هو «اتفاق مكة»؟
وُقعت اتفاقية مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس/آب 2026، خلال قمة ثلاثية عقدت في قصر الصفا بمدينة مكة المكرمة، بحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.
ويقوم الاتفاق على مبدأ الدفاع الجماعي، إذ ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على واحدة من الدول الثلاث هجومًا على جميع الأطراف، مع العمل على تعزيز الردع المشترك والتعاون العسكري والأمني ومشروعات الصناعات الدفاعية. وأكدت الدول الموقعة أن الاتفاق ذو طبيعة دفاعية ولا يستهدف دولة بعينها.
وشبّه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان جوهر بند الدفاع الجماعي في الاتفاق بالمادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي «الناتو»، التي تعتبر الاعتداء على أحد أعضاء الحلف اعتداءً على الجميع، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن آليات الاستجابة العملية ستعتمد على طبيعة التهديد وطلب الدولة التي تتعرض للهجوم.
وبحسب فيدان، يمكن أن تتدرج المساعدة في حالة تعرض إحدى الدول لاعتداء من تبادل المعلومات الاستخبارية والدعم اللوجستي والذخائر وصولًا إلى تقديم وحدات عسكرية، وفق حجم الخطر والقرارات التي تتخذها المؤسسات المشتركة للاتفاق.
هيكل أمني مشترك
ولا يقتصر الاتفاق على إعلان سياسي للتضامن؛ إذ يتضمن إنشاء لجنة سياسية وعسكرية استراتيجية مشتركة تضم وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء هيئات الأركان في الدول الثلاث، على أن تعقد اجتماعات دورية لبحث التهديدات والتنسيق العسكري. كما تقرر إنشاء أمانة عامة دائمة للاتفاق في السعودية، على أن تُحدد تفاصيل هيكلها وصلاحياتها في الاجتماعات اللاحقة.
ومن المنتظر أن تشمل مجالات التعاون رفع مستوى قابلية القوات المسلحة للدول الثلاث للعمل معًا، إلى جانب توسيع التعاون في الصناعات الدفاعية والاستفادة المتبادلة من التقنيات العسكرية التي طورتها كل دولة. وقال فيدان إن التعاون في الصناعات الدفاعية ونقل والاستفادة من التكنولوجيا العسكرية كان من أبرز الملفات التي ناقشها قادة الدول الثلاث عند توقيع الاتفاق.
اتفاق سبقه إعداد استمر قرابة ثلاثة أعوام
ويأتي «اتفاق مكة» تتويجًا لمسار من المشاورات سبق الأزمات الراهنة في المنطقة. وقال فيدان إن النقاشات بشأن إنشاء هذا الإطار استمرت نحو عامين وثمانية أشهر، وانتقلت خلالها الفكرة تدريجيًا من التصور السياسي إلى صياغة إطار مؤسسي واتفاق رسمي بين أنقرة والرياض وإسلام آباد.
وتقدم تركيا الاتفاق باعتباره جزءًا من رؤية أوسع تقوم على زيادة ما تصفه بـ**«الملكية الإقليمية» للأمن**، أي اضطلاع دول المنطقة بدور أكبر في بناء ترتيباتها الأمنية بدل الاعتماد بصورة كاملة على قوى خارجية. كما تؤكد أن عضويتها في حلف الناتو لا تتعارض مع التزاماتها في الاتفاق الجديد، وأن أطر التعاون المختلفة يمكن أن تكون متكاملة.
ويجمع الاتفاق بين ثلاث دول تمتلك عناصر قوة متباينة ومتكاملة نسبيًا: تركيا بما لديها من قدرات عسكرية وصناعات دفاعية متنامية وعضوية في الناتو، والسعودية بثقلها السياسي والاقتصادي في الخليج والعالم العربي، وباكستان بما تمتلكه من خبرات عسكرية وقدرات استراتيجية، ما يمنح الترتيب الثلاثي وزنًا يتجاوز حدود التعاون الدفاعي التقليدي.
هل يتوسع الاتفاق؟
وأعلن الرئيس أردوغان أن «اتفاق مكة» مفتوح أمام دول صديقة أخرى ترغب في المساهمة في الأمن والاستقرار الإقليميين، فيما قال فيدان إن الدول الثلاث ستظل في المرحلة الحالية بمثابة الدول المؤسسة التي تضع المبادئ والمعايير الأساسية للمنظومة قبل التوسع فيها.
وأشار وزير الخارجية التركي بصورة خاصة إلى مصر باعتبارها شريكًا طبيعيًا للدول الثلاث، معربًا عن اعتقاده بإمكان انضمام القاهرة في مرحلة لاحقة بعد معالجة مسائل فنية مرتبطة بهيكل الاتفاق.
وفي ظل التحولات الأمنية المتسارعة في الشرق الأوسط، يمنح «اتفاق مكة» العلاقات التركية السعودية الباكستانية بعدًا مؤسسيًا جديدًا، ينتقل بها من التعاون السياسي والعسكري الثنائي والمتعدد الأطراف إلى صيغة دفاع جماعي أكثر وضوحًا.
وتبدو العروض الضوئية التي امتدت من أنقرة إلى إسطنبول جزءًا من محاولة إبراز الاتفاق أمام الرأي العام باعتباره محطة استراتيجية تتجاوز مراسم التوقيع في مكة، ورسالة رمزية بأن الدول الثلاث تريد تحويل علاقاتها المتنامية إلى إطار دائم للتنسيق الأمني والدفاعي.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











