نبي ميش - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس

إن اتفاق مكة للدفاع المشترك، الموقع بين تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان، لم ينشأ من حاجة قصيرة الأمد، وهذا ما سيدركه بسهولة أولئك الذين يعيشون في هذه المنطقة. أي إن الاتفاق لم يظهر في يوم واحد.

لطالما كانت هناك حاجة في المنطقة إلى بنية مشتركة للدفاع والأمن. إلا أن تنفيذ اتفاق فعال وقابل للعمل لم يكن أمراً سهلاً.

لقد أُنشئت حتى اليوم العديد من المنظمات ذات العضوية الواسعة والأهداف المختلفة، مثل منظمة التعاون الإسلامي، وجامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، التي تضم الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. إلا أن هذه المنظمات لم تتمكن من بناء قدرة قادرة على حل مشكلات المنطقة والعالم الإسلامي. وفي معظم الأحيان، لم تتمكن حتى من إظهار الإرادة اللازمة لاتخاذ قرار إدانة بسيط. لأن المنظمات التي تضم عدداً كبيراً من الأعضاء تصبح بمرور الوقت ثقيلة وبيروقراطية. كما أن اختلاف المصالح يجعل عملية اتخاذ القرار أكثر صعوبة.

إذا وضعنا المئة عام الأخيرة جانباً، فقد شهد الشرق الأوسط خلال العشرين عاماً الماضية وحدها، كل أنواع الأزمات والحروب التي كادت تشمل جميع دول المنطقة، وتعمّق الهشاشة الاجتماعية والصراعات.

لقد رأى كل قائد وصانع قرار، وبمعنى أوسع المجتمعات في المنطقة، كيف اندلعت هذه الحروب والصراعات والأزمات، ومن صمّمها، وما أسبابها ونتائجها. وقد اختبروا هذه العمليات بأنفسهم وعاشوها.

ومن خلال هذه التجربة، تعلم رجال الدولة وصانعو القرار بالطريقة الصعبة، أي نوع من الخطوات يؤدي إلى تعميق الأزمات، وأي المقاربات تسهم في تطبيع العلاقات بين الدول.

سارعت تركيا، من خلال البحث عن «الملكية الإقليمية»، ولا سيما بعد عام 2021، إلى خطوات التطبيع. وكان الرئيس أردوغان يتحدث بإصرار عن إقامة «حزام من السلام والاستقرار والرخاء من حولنا». ودخل في مسعى «للتطبيع» من جديد. (كان قد طور نهجاً مشابهاً خلال فترات حكمه الأولى أيضاً، إلا أن التطورات دفعت الدول إلى مكان آخر، وهي العمليات المعروفة...)

في «هذه المرحلة الجديدة»، كانت تركيا قد وصلت إلى قدرة ردع مهمة في تأمين أمنها وأمن أصدقائها. وقد أظهرت ذلك للصديق والعدو في ساحات مثل ليبيا وقره باغ وسوريا. وبالتالي، أصبحت في موقع «كلمتها مؤثرة وقوتها فاعلة».

ذكّرت تركيا دول المنطقة، بطريقة ودية، بخلاصة تجارب سنوات طويلة: لأن دول المنطقة لم تحل مشكلاتها من خلال الحوار فيما بينها، فإن القوى المهيمنة القادمة من الخارج، بدلاً من حل المشكلات، تحولها إلى جزء من صراعاتها الخاصة على النفوذ. وهي تستفيد من عدم الاستقرار المستمر في المنطقة. ولا تستفيد من تطبيع العلاقات بين الدول، بل من صراعاتها.

وعقب هذا التذكير، اقترحت عموماً إطاراً للتعاون يمكن تلخيصه على النحو التالي: أمن دول المنطقة ليس منفصلاً عن بعضه البعض. فعدم الاستقرار الموجود في دولة واحدة يؤثر في المنطقة بأكملها. وبالتالي، ينبغي إعطاء الاستقرار الإقليمي أهمية على مستوى كل دولة. والتطبيع بين الدول يسهم في ذلك. والدفاع والدبلوماسية ليسا بديلين عن بعضهما، بل مكملان لبعضهما البعض. فلنحل مشكلاتنا بأنفسنا، لا أن يحلها الآخرون.

وتجسيداً لهذا المنظور، كثفت تركيا، ولا سيما خلال العامين الأخيرين، الزيارات الثنائية. وأجرى الرئيس أردوغان زيارات متتالية إلى العديد من الدول. وخلال الزيارات الثنائية، ركزت دبلوماسية القادة، إلى جانب الوزارات المعنية، وفي مقدمتها وزارة الخارجية بقيادة وزير الخارجية هاكان فيدان، ومؤسسات الدولة، بل وحتى مراكز الفكر ومنظمات المجتمع المدني، على أهمية جعل بناء الاستقرار والنظام في الشرق الأوسط أمراً ممكناً. وعملوا من أجل ذلك.

وباعتبارها مخرجات ملموسة لهذه الجهود، اتُخذت خطوات لتعميق العلاقات الاقتصادية بين الدول. وحاولت الدول تعزيز قدراتها من خلال إبرام اتفاقيات تعاون تبرز فيها نقاط القوة التي تتمتع بها كل دولة. وكان الهدف تطوير القدرات الدفاعية بما يضمن الأمن الجماعي ويعزز الردع. وفي نهاية المطاف، ظل إنشاء بنية أكثر فاعلية للدفاع والأمن المشترك على جدول الأعمال. وقد جرى تقريباً خوض عملية إعداد على المستويين العقائدي والعملي.

إن العدوان الإقليمي الإسرائيلي بعد 7 و8 أكتوبر/تشرين الأول، والهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، والصدمات الأمنية الجديدة التي أفرزتها هذه الحروب، إلى جانب الطبيعة المتغيرة للحروب بفعل التطورات التكنولوجية، أظهرت مدى إلحاح هذه البنية الأمنية. وسرّعت من عملية تجسيدها.

وفي هذا السياق، فإن اتفاق مكة للدفاع المشترك هو خطوة في اتجاه إنشاء البنية الأمنية التي احتاجتها المنطقة منذ فترة طويلة. وإن تقييم الاتفاق باعتباره مجرد اتفاق للتعاون العسكري بين ثلاث دول، أو مجرد رد على ظروف الحرب الراهنة، يقلل من دلالته الاستراتيجية.

وتصبح مثل هذه الاتفاقيات فعالة بفضل حزم الإرادات السياسية. وإن تعميق هذا التعاون، الذي بدأ بهدف إقامة نظام إقليمي طويل الأمد، سيتطلب خطوات جديدة وتصميماً مشتركاً. فالأرضية الفكرية والسياسية مهمة.

سيؤدي الاتفاق أولاً إلى رفع مستوى عتبات الثقة والاطمئنان المتبادل بين الدول المؤسسة. ولا ينبغي النظر إليه باعتباره بديلاً عن التحالفات التي تنتمي إليها هذه الدول. لأن التحالفات الجديدة الأقل عدداً والأكثر فاعلية تنتشر في السنوات الأخيرة إلى جانب التحالفات القديمة في العالم.

وأكدت الدول المؤسسة بشكل خاص أن هذا التحالف هو تحالف للردع والدفاع، وأنه لم يُنشأ ضد أي طرف. ورغم هذا التعهد، فإن الذين ينزعجون أو سينزعجون من هذا الاتفاق لن يكونوا سوى أولئك الذين يتغذون على عدم الاستقرار في المنطقة.

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس