نصوحي غونغور - خبر تورك - ترجمة وتحرير ترك برس

أشرنا أمس إلى بعض النقاط بشأن اتفاق مكة الذي وُقّع بين تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية. ويقوم جزء مهم من الانتقادات والمقاربات الموجهة إلى هذا الاتفاق على أنه تحالف أُنشئ ضد دول أخرى. وهذه «انتقادات» ذات حمولة أيديولوجية ثقيلة إلى حد كبير.

بينما يتغير النظام الدولي

قبل التطرق إلى هذه النقاط، أود أن ألفت الانتباه إلى بعض المسائل. بدايةً، لا يمكن فهم موقع تركيا ومساعيها الجديدة من دون إدراك التغيير الذي طرأ على النظام الدولي. إذ تشهد طبيعة التحالفات اليوم، ومفهوم الدول للأمن، وأدوار القوى الإقليمية في النظام الدولي، تغيرات مهمة.

وكما أشرت أمس، فإن إحدى السمات الأساسية لهذه المرحلة الجديدة تتمثل في إمكانية انضمام الدول إلى تحالف آخر أو بناء تحالف جديد، من دون الانفصال عن تحالفاتها القائمة.

لننظر إلى تركيا. فهي من جهة عضو في حلف الناتو، وتواصل علاقاتها مع العالم الغربي. لكنها في الوقت نفسه تلتقط، بالمعنى الحرفي للكلمة، روح العصر من خلال إقامة تحالفات جديدة. واتفاق مكة مثال مهم على ذلك.

ليس الشرق الأوسط فقط

عند النظر من الناحية الجغرافية، فإن وصف البنية الناشئة بأنها «تحالف إقليمي» لا يبدو كافياً. وربما يمكن النظر إليها من زاوية «الشراكة الاستراتيجية بين الأقاليم». وبالطبع، عندما نضيف إلى نطاقها طرق الطاقة، وممرات التجارة، والموانئ، والأمن البحري، فإن معنى التعاون الثلاثي يصبح أعمق بكثير. ويؤدي تأمين هذه الروابط وإدارة تدفقها إلى توليد قوة حقيقية.

ويقع محور تركيا–السعودية–باكستان فوق جغرافيا من هذا النوع. وسيكون نجاحها مرهوناً بمدى توحيدها لقدراتها.

هل هو مؤيد للولايات المتحدة أم مناهض لها؟

لنأتِ إلى السؤال المتعلق بماهية التحالف أو بمن يستهدفه، وإلى الادعاءات المطروحة في هذا الاتجاه.

لنبدأ بالولايات المتحدة. فكما أن الادعاء بأن التشكيل الجديد «مشروع أمريكي» بعيد عن الواقع، فإن وصفه بأنه «تحالف قوى» في مواجهة الولايات المتحدة لا يقل عنه افتقاراً إلى الأساس.

وللدول الثلاث علاقات مع الولايات المتحدة، وإن كانت على أسس مختلفة. كما أن بعضها، كما هو الحال مع تركيا، خاض حتى وقت قريب مشكلات حادة مع الولايات المتحدة في العديد من الملفات.

ومن الصحيح عموماً أن الولايات المتحدة انسحبت من المنطقة. لكن هذا لا يعني بالطبع أنها تخلت تماماً عن المنطقة. ولعل «إعادة التموضع» تكون تعريفاً أدق. فواشنطن تعلن أنها «تريد تقاسم أعباء البنية الأمنية» في منطقة واسعة. وهذا الوضع يشبه إلى حد ما توقعاتها من أوروبا داخل حلف الناتو.

هل أُنشئ ضد إيران؟

والآن، فإن اجتماع الدول الثلاث وتوجهها، ولا سيما في مجال الدفاع، نحو شراكة في القدرات والمستقبل، يُراد وضعه بالكامل في خانة الولايات المتحدة، لأنه يمثل بحثاً عن صيغة تستوعب أيضاً الفراغ الذي عرّفناه أعلاه. ويضاف إلى ذلك في الوقت نفسه «بطاقة معاداة إيران».

لقد بذلت تركيا وباكستان، بكل قوتهما، جهوداً عقب الهجوم على إيران من أجل عدم إلحاق الضرر بهذا البلد. فأين الأساس الذي يمكن أن تستندا إليه اليوم في تشكيل جبهة ضد إيران من خلال إقامة تحالف؟ وإذا كان المقصود هو السعودية، فكيف نُسيت بهذه السرعة الاتفاقات التي وُقّعت بين طهران والرياض قبل وقت قصير من الحرب؟

والسؤال الأكثر أهمية: ألا يعتقد أولئك الذين يتقبلون ما تفعله إيران وما تقوم به من خلال الضغط على زر «الشرعية التلقائية»، أن هذا البلد أيضاً بات بحاجة إلى إجراء مراجعة ومحاسبة؟

هل يستهدف إسرائيل؟

لنأتِ إلى مسألة إسرائيل. إن أطراف اتفاق مكة منزعجون من الموقف الإسرائيلي العدواني والاحتلالي في المنطقة، ويريدون الآن وضع حد لذلك.

ورغم مواقف حكومة تل أبيب التي تستهدف تركيا بشكل خاص، وسوريا على الأرضية نفسها، فإن اتفاق مكة لم يظهر لمجرد الوقوف ضد إسرائيل. فإسرائيل تمثل مشكلة أمنية خطيرة، وهي قوة احتلال لا تعترف بالشرعية. وتواصل مجازرها وهجماتها في غزة والضفة الغربية.

أهداف التحالف كبيرة

لكن التحالف الذي شكلته هذه الدول الثلاث، والذي قلت منذ لحظة توقيعه إنه سيشهد أيضاً انضمام دول من المنطقة، يستهدف بنية أمنية أوسع بكثير. «إنهاء الفوضى الإقليمية، والاضطلاع بدور رادع». ومن المفيد التأكيد على هذين المفهومين. كما سيتولى دوراً استباقياً في مواجهة الأزمات المحتمل ظهورها.

ويمكننا التعبير عن الأمر على النحو التالي: إذا تعمقت العلاقات داخل التحالف في جانبي الأمن والدفاع، فإن تركيا والسعودية وباكستان قد تضطلع بدور ردعي جديد. ومقاربة «واحد منا يعني أننا جميعاً» هي تعبير عن ذلك. إنه تحالف نواة قوي سيكون فاعلاً على نطاق أوسع.

إن مؤسسية التحالف الثلاثي، وآلياته، والمجالات والمستويات التي ستتقاسم فيها الدول قدراتها، مثل الاستخبارات وغيرها من الملفات الحساسة، ستكون مهمة بالنسبة إلى مستقبله. وسنتناول هذه المسائل في المرحلة المقبلة.

وفي جميع الأحوال، أعتقد أنه يمثل بداية مهمة لإعادة بناء التوازنات وتجديدها في جغرافيا تعمل فيها الجهات الفاعلة من خارج الدول على زعزعة الاستقرار.

 

عن الكاتب

نصوحي غونغور

كاتب وصحفي تركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس