إحسان أكتاش - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

اضطرت هذه الأمة إلى الحديث عن صدماتها النفسية على مدى ثلاثة أجيال.

تفكك الدولة العثمانية،

وحرب الاستقلال،

والاحتلال والحصار الذي شنته الدول الغربية بلا هوادة، جلبت هزيمة تلو الأخرى، وكارثة تلو الأخرى، إلى جميع الأراضي التي عاش فيها المسلمون.

وقد تعززت محاولات الاحتلال بالإمبريالية الثقافية التي أنتجها المستعمرون.

وجرى ترسيخ نظرية مفادها أن الهزيمة والتخلف قدر محتوم، بصورة دقيقة ومتدرجة، بدءاً من الكتب المدرسية وصولاً إلى العناصر الثقافية.

وبعد حروب الاستقلال، أُعيد احتلال الدول التي تمردت، أو حُكم عليها باليأس من خلال الانقلابات والدكتاتوريين.

لقد بذرت الإمبراطورية الاستعمارية في تركيا من الجهود ما يوازي إجمالي الجهود التي بذلتها في الدول التي استعمرتها. فقد كانوا يدركون أن دولة هي إرث إمبراطورية وأمة عظيمة ستخوض يوماً ما معركة لإعادة إثبات وجودها من جديد.

نداء قدرنا والانقلاب

كان المفكر الكبير سيزائي كاراكوتش هو من عبّر عن هذه العبارة. إن الأمر يشبه تسلق جبل حتى الانقلاب، وبعد أن تنقضي نقطة الانقلاب، تصبح كل خطوة أسهل للخطوة الثانية، ويصبح كل تطور نذيراً بالتطور الذي يليه.

كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟

1- بعد الانتصار في حرب قره باغ، اكتسبت منظمة الدول التركية هويتها.

2- في ليبيا، عندما كانت الحكومة الشرعية تقف إلى جانب تركيا وحدها، كان هناك تحالف يضم 7 أو 8 دول خلف حفتر. أما اليوم، فإن كلا الطرفين في ليبيا يتحدثان مع تركيا.

3- في غزة، أصبحت تركيا، رغم أن الأمر ينطوي على مشكلات، إحدى الدول الثلاث الموجودة على الساحة من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار.

4- بعد الحرب السورية التي استمرت عشر سنوات، نتحدث اليوم عن سوريا تعمل على بناء بنية دولة موحدة. وقد خاض الجيش التركي ثلاثة حروب مهمة ضد التنظيمات الإرهابية في أصعب الأوقات.

5- تحوّل تركيا إلى قوة تعمل على تحقيق الاستقرار في الصومال والسودان والعديد من مناطق الأزمات.

6- اتفاقيات «طريق التنمية» والطاقة الموقعة مع العراق.

7- تحوّل قضية «تركيا خالية من الإرهاب» إلى «منطقة خالية من الإرهاب»، وتهيئتها أرضية لاستقرار دول المنطقة.

تسببت الحرب التي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 في حدوث انقسام جيوسياسي جذري في الشرق الأوسط.

وقد دفعت الحرب بين إيران والولايات المتحدة/إسرائيل دول الخليج إلى البحث عن حلول جديدة وتحالفات جديدة. وإن هجوم إسرائيل على قطر دون سبب، وعجز السعودية ودول الخليج عن توفير الحماية في مواجهة الهجمات الصاروخية الإيرانية، يمثلان صدمة كبيرة لكل دولة قومية.

اتفاق مكة نتيجة وبداية

إن التغيير الجذري في الجغرافيا السياسية الإقليمية، وتصاعد نفوذ تركيا، والموقع الجيوسياسي لباكستان، والموقع الاستراتيجي للسعودية وإمكاناتها ومخاطرها الخاصة، هيأت الأرضية لتحالف إقليمي.

وتتمتع هذه البنية، التي تجمع القدرات العسكرية والاقتصادية والطاقة والنووية والجيوسياسية للدول الثلاث، بإمكانات تجعلها شديدة التأثير.

ويمثل هذا المحور الجديد، من الناحية الجيوسياسية، محوراً أمنياً جديداً رادعاً ومحدداً للمشهد على المستوى العالمي.

الأمن والدفاع الجماعي، والدفاع المشروع عن النفس، والتعاون في الصناعات الدفاعية، ومكافحة الإرهاب، والملكية والمشاركة الإقليميتان،

وكما قال وزير الخارجية هاكان فيدان، الذي شارك في «طاولة تحرير وكالة الأناضول»، فعندما يجلس رئيسنا المحترم إلى طاولة المفاوضات مع دول المنطقة، فإنه، بوصفه قائداً أدار تركيا طوال هذه المدة، يطرح أفكاره الأساسية وخبراته المتعلقة بالمنطقة.

ويرى قادة دول المنطقة أيضاً أن هذه الرؤية رؤية صحيحة من منظور مصالحهم الخاصة. وقد أصبحت رؤية حكومات حزب العدالة والتنمية ورؤية رئيسنا المحترم عاملاً محدداً في السياسات الخارجية للمنطقة.

ومن الضروري استمرار حكم حزب العدالة والتنمية واستمرار قيادة رئيسنا المحترم.

كيف رأت الصحافة الغربية المسألة؟

من أهم جوانب الاتفاق بالنسبة إلى الغرب دخول تركيا، العضو في حلف الناتو، في إطار دفاع جماعي واحد مع السعودية وباكستان، التي تمتلك أسلحة نووية. ويُظهر ذلك قدرة أنقرة على البقاء داخل التحالف الغربي، وفي الوقت نفسه إنشاء هياكل أمن إقليمية مستقلة.

أما بالنسبة إلى الإعلام الغربي، فإن المعادلة التي تجمع قدرات الدول الثلاث لافتة للغاية: القوة الاقتصادية وقوة الطاقة للسعودية، والقدرة العسكرية التقليدية لتركيا، والردع النووي لباكستان.

وفي مقاربة أخرى، يُنظر إلى هذا التعاون الأمني على أنه لا يمثل نهجاً يستبعد الوجود الأمريكي في المنطقة، وإنما يعني أن كل دولة تضطلع بدور من أجل أمنها الخاص.

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس