غورسل توكماك أوغلو - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس

ينقل اتفاق النفط بين الولايات المتحدة وفنزويلا تأثير واشنطن على موارد الطاقة في البلاد إلى مرحلة جديدة.

في إطار الاتفاق الذي أعلن عنه ترامب يومي 28 و29 أغسطس/آب 2026، ووصفه بأنه «أكبر اتفاق نفطي في تاريخ العالم»، وأكدت القائم بأعمال الرئيس ديلسي رودريغيز صحته، لا يتعلق الأمر بعقد تجاري تقليدي، بل بتغير استراتيجي في الوضع يعيد رسم خريطة القوة والموارد والتبعية في نصف الكرة الغربي.

بعد القبض على مادورو ونقله إلى نيويورك إثر العملية الأمريكية في 3 يناير/كانون الثاني 2026، لا توجد في النظام الجديد صورة تشير إلى تصفية التشافيزية بالكامل، أو اكتمال عملية انتقال ديمقراطي، أو احتلال فنزويلا. وبدلاً من ذلك، جرى تأسيس توازن جديد رُبطت فيه الموارد وتدفقات الإيرادات والتوجه في السياسة الخارجية بالمحور الأمريكي. ولهذا تحديداً يحمل الاتفاق طابعاً تاريخياً واستراتيجياً.

الإطار الملموس للاتفاق

تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، بنحو 303 مليارات برميل، إلا أن إنتاجها ظل لسنوات عند نحو 1.25 مليون برميل يومياً، وهو أقل بكثير من مستوى 3 ملايين برميل يومياً الذي بلغته في أواخر تسعينيات القرن الماضي. ويستهدف الاتفاق 17 حقلاً استراتيجياً تغطي نحو خُمس هذا الاحتياطي، أي أكثر من 65 مليار برميل، وتشمل حقولاً جديدة في حزام أورينوكو ومناطق ناضجة مثل ماراكايبو.

وتشمل العناصر المعلنة ما يلي:

• حصة أمريكية فعالة تبلغ 55 بالمئة من خلال مشروع مشترك خاص جديد، وامتيازات لمدة 100 عام.
• تعهدات باستثمارات خاصة تتجاوز 100 مليار دولار.
• توقعات بتحصيل أكثر من 209 مليارات دولار من الإيرادات الضريبية للخزانة الفنزويلية.
• الادعاء بعدم وجود تكلفة مالية مباشرة على دافع الضرائب الأمريكي.
• توجيه الإنتاج إلى الأسواق الأمريكية، ولا سيما مصافي النفط الخام الثقيل على ساحل الخليج.

ويقدم ترامب ذلك باعتباره خطوة من شأنها «مضاعفة الاحتياطيات الأمريكية أكثر من مرتين» وخفض أسعار البنزين على المدى الطويل. وفي ظل وصول الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي إلى أدنى مستوياته منذ عام 1982، وضغط الحرب مع إيران، المستمرة منذ فبراير/شباط 2026، على أسعار النفط، فإن هذا الادعاء يحمل أهمية سياسية.

لماذا هو «تاريخي»؟

منذ عام 1999، وضعت قيادة تشافيز-مادورو فنزويلا في محور مناهض للولايات المتحدة، وفي مثلث روسيا-الصين-إيران، وفي نموذج ريعي محاصر بالعقوبات. وكان النفط أداة لتمويل النظام وسلاحاً جيوسياسياً في آن واحد: نفط خام رخيص للصين مقابل الديون، وإمدادات مدعومة لكوبا، وشراكات مع روسيا.

بعد عملية يناير/كانون الثاني 2026، انكسر هذا المحور. فقد بدأت الولايات المتحدة أولاً بالسيطرة على الصادرات والإيرادات، ثم نفذت تخفيفاً تدريجياً للعقوبات من خلال التراخيص العامة الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، قبل أن تنتقل إلى السيطرة طويلة الأمد على الحقول. وتعمل ديلسي رودريغيز، وزيرة الخارجية ونائبة الرئيس السابقة، بوصفها شخصية براغماتية في المرحلة الانتقالية بالتعاون الوثيق مع واشنطن؛ إذ تُجمع عائدات النفط في صناديق خاضعة للرقابة الأمريكية، كما يتغير توجه السياسة الخارجية. وهذا يعني فعلياً نهاية سياسة خارجية «بوليفارية» استمرت لأكثر من 25 عاماً.

ولا ينبع البعد التاريخي من حجم الاحتياطيات وحده، بل من تغير الجهة التي تسيطر على الموارد والشروط التي تُدار بها. فالاحتياطيات تبقى في مكانها؛ لكن السيطرة وحق التسويق وأولوية الاستثمار وتوزيع الإيرادات تتغير.

لماذا هو «تغيير استراتيجي في الوضع»؟

لا ينبغي البحث هنا عن نصر كلاوزفيتزي تقليدي. فالمطلوب هو تحول دائم في توازن القوى وشبكات التبعية وهامش الحركة.

• الجغرافيا السياسية للطاقة: أدت الحرب مع إيران إلى زيادة حالة عدم اليقين بشأن خط هرمز وإمدادات الخليج. وتسعى الولايات المتحدة، من خلال فرض سيطرة طويلة الأمد على مورد قريب من قارتها، مع امتلاكها بنية تحتية للتكرير ملائمة للنفط الخام الثقيل، إلى إدارة ضغوط الأسعار ومخاطر الإمدادات في آن واحد. وهذه الخطوة، تتجاوز خطاب «الاستقلال في مجال الطاقة»، وتمثل تحركاً لسحب جزء من الإمدادات العالمية نحو القنوات التي تفضلها واشنطن.

• التنافس بين القوى الكبرى: يضعف نموذج الصين القائم على الديون مقابل النفط في فنزويلا، وكذلك شراكات روسيا. وبعض الحقول كانت في السابق مناطق تديرها شركات صينية. ورسالة الولايات المتحدة واضحة: لن يُسمح للقوى القادمة من خارج القارة بإنشاء قواعد استراتيجية للطاقة في نصف الكرة الغربي. وهذا هو النسخة الطاقوية من «مبدأ دونرو». وبالنسبة إلى الصين، قد تكون الخسارة قابلة للإدارة من حيث الحجم، لكن خسارة حضورها الرمزي والمؤسسي في أمريكا اللاتينية كبيرة.

• بُعد الحرب الهجينة وحرب الجيل الخامس: لا يوجد احتلال للأراضي، أو نشر دائم لقوات كبيرة، أو تغيير كامل للنظام.

وبدلاً من ذلك، يجري استخدام:

• السيطرة على الموارد وتدفقات النقد،
• فرض السلوك من خلال آلية العقوبات والتراخيص،
• التنسيق اليومي بين الحكومة الانتقالية وواشنطن،
• امتيازات طويلة الأمد من خلال رأس المال الخاص.

وهذا يمثل، بدلاً من النصر التقليدي، إعادة تعريف للوضع: فلم تعد فنزويلا حصناً نفطياً معادياً للولايات المتحدة، بل أصبحت منطقة إنتاج تسيطر عليها الولايات المتحدة وتستثمر فيها. وبينما بقي الهيكل السياسي، بما في ذلك كوادر التشافيزية والدستور والطابع الحكومي لشركة «PDVSA»، إلى حد كبير، فقد تغيرت النتيجة الاستراتيجية.

• التداعيات الإقليمية والعالمية: انقطع خط النفط الرخيص إلى كوبا. ويزداد النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية. وستتأثر ديناميكيات «أوبك» وسوق النفط الخام الثقيل. كما تقلصت إمكانية استخدام فنزويلا بوصفها «صمام هروب» للدول الخاضعة لنظام البترودولار والعقوبات، مثل إيران وروسيا.

الحدود ومواطن الهشاشة

لم يصل الاتفاق بعد إلى مرحلة النضج القانوني والتشغيلي الكامل. فالدستور الفنزويلي يحصر الأنشطة الأساسية المتعلقة بالنفط في الدولة؛ ولذلك فإن نموذج الإيجار/الامتياز عرضة للاعتراضات القانونية. كما أن تهالك البنية التحتية، وشبكة الكهرباء، ونقص العمالة المؤهلة، ومشكلات الفساد ستبطئ زيادة الإنتاج. وتنتقد المعارضة وجزء من كوادر التشافيزية الاتفاق، معتبرة إياه «نهباً» و«مخالفاً للدستور». وقد لا يرتفع الإنتاج على المدى القصير إلى مستوى من شأنه إحداث اضطراب في الأسواق؛ فالتأثير الأساسي يكمن في السيطرة والتوجيه على المدى الطويل.

الخلاصة

هذا الاتفاق، أكثر من كونه عقداً نفطياً، يمثل تغيراً في الانتماء الجيوسياسي للموارد. ففي الوقت الذي تخوض فيه الولايات المتحدة حرباً مكلفة على الجبهة الإيرانية، أضافت إلى احتياطياتها الاستراتيجية، عبر رأس المال الخاص وحكومة انتقالية، جزءاً حيوياً من أكبر حوض للاحتياطيات النفطية في العالم، والواقع في جوارها القريب. لم يُعلن النصر؛ لكن الوضع تغير. وقد تأكدت أطروحتي مرة أخرى. فقد أُعيدت كتابة الطاقة والديون والعقوبات والتبعية السياسية في وقت واحد. وهذا مثال نموذجي على «تغيير الوضع» في صراع القوة الهجينة في القرن الحادي والعشرين. أكرر باستمرار أن خطاب «النصر» في قضية إيران أيضاً ليس خطاباً مناسباً لحرب هذا العصر، بل مجرد خطاب بلاغي.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!