ترك برس

رأى المحلل الاستراتيجي الدكتور عثمان غازي قندمير أن الزيارة السرية التي أجراها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) جون راتكليف إلى موسكو تعكس عودة قنوات الاستخبارات إلى الواجهة في ظل محدودية قنوات الاتصال الدبلوماسي المباشر بين واشنطن وموسكو، مشيرًا إلى أن الحرب في أوكرانيا لم تعد تُقرأ من خلال التطورات الميدانية وحدها.

وفي مقال نشره موقع «إندبندنت توركية» بعنوان «لماذا ذهب مدير CIA إلى موسكو؟»، اعتبر قندمير أن القراءة التي تتعامل مع زيارة راتكليف باعتبارها مجرد مهمة لردع روسيا عن مهاجمة إحدى دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) تظل ناقصة، موضحًا أن تقارير صحفية غربية تحدثت عن معلومات استخباراتية بشأن استعداد روسي لتنفيذ هجوم أو استفزاز ضد دولة عضو في الحلف.

وأوضح الكاتب أن رواية أخرى نقلتها صحيفة «نيويورك تايمز» تشير إلى أن راتكليف ركز خلال اتصالاته في موسكو على التكاليف التي تتحملها روسيا جراء الحرب، والقيود العسكرية والاقتصادية التي تواجهها، بهدف إقناع القيادة الروسية بأن استمرار سياستها الحالية في الحرب ليس مستدامًا.

واشنطن تريد تغيير حسابات موسكو

بحسب قندمير، فإن الرسالة الأمريكية لا تتمثل بالضرورة في توجيه تهديد جديد إلى موسكو، وإنما في إظهار أن مواصلة الحرب ستفرض على روسيا تكاليف متزايدة، وأن خيار التفاوض قد يصبح أكثر عقلانية قبل استنزاف القدرات العسكرية الروسية بشكل كامل.

ويرى المحلل التركي أن هذا التوجه قد يعكس تحولًا في طبيعة الهدف الأمريكي من الحرب، فبينما كان السؤال في المراحل الأولى يتمحور حول كيفية وقف روسيا، بات السؤال اليوم يتعلق بكيفية احتواء روسيا دون دفعها إلى انهيار غير منضبط.

ويحذر قندمير من أن إضعاف روسيا وانهيار الدولة الروسية ليسا أمرًا واحدًا بالنسبة إلى الغرب، مشيرًا إلى أن موسكو دولة نووية، وأن حدوث ضعف خطير في السلطة المركزية قد يخلق حالة من عدم اليقين بشأن منظومات القيادة والسيطرة على الأسلحة النووية.

كما يرى أن تفكك سلطة الدولة في مساحة جغرافية تمتد من القوقاز إلى الشرق الأقصى قد يؤدي إلى صراعات جديدة وأزمات حدودية وموجات هجرة واسعة، فضلًا عن احتمال أن تملأ الصين الفراغ الجيوسياسي الناتج عن ذلك، وهو ما قد يتحول إلى مشكلة استراتيجية جديدة بالنسبة إلى الغرب.

«الدبلوماسية الاستخباراتية» بدلًا من الخطاب السياسي

ويولي قندمير أهمية خاصة لطبيعة لقاءات راتكليف في موسكو، لافتًا إلى أن لقاءه بمدير جهاز الأمن الفيدرالي الروسي ألكسندر بورتنيكوف، إلى جانب لقاءات محتملة مع مدير جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين، يحمل دلالة مهمة.

وأشار إلى أن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أعلن أن راتكليف لم يلتقِ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وجهًا لوجه، لكنه رجح أن تنقل نتائج لقاءات أجهزة الاستخبارات إلى الكرملين.

وبحسب الكاتب، فإن قنوات الاستخبارات تختلف عن الاتصالات الدبلوماسية التقليدية، إذ تتيح تبادل معلومات مباشرة بدلًا من الاكتفاء بالمواقف السياسية المعلنة، كما يمكنها إيصال تقييمات إلى صناع القرار بشأن معلومات لا تكون متاحة للرأي العام.

ويرى قندمير أن المعلومات التي يقدمها مدير CIA مباشرة قد تحمل وزنًا مختلفًا داخل موسكو، ولا سيما أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه كان ضابطًا سابقًا في جهاز استخبارات، ومن المرجح أن يقارن بين التقارير التي تقدمها مؤسساته وبين المعلومات التي تنقلها الاستخبارات الغربية.

تكرار لمسار بدأ قبل حرب أوكرانيا

ويربط المحلل التركي زيارة راتكليف الحالية بسلسلة من الاتصالات الاستخباراتية الأمريكية الروسية السابقة، مشيرًا إلى أن مدير CIA السابق وليام بيرنز زار موسكو في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 وحذر القيادة الروسية من شن عملية عسكرية واسعة ضد أوكرانيا.

كما لفت إلى لقاء بيرنز وناريشكين في العاصمة التركية أنقرة عام 2022، حيث جرت اتصالات بشأن حدود التصعيد النووي.

إلا أن قندمير يشدد على اختلاف الظروف الحالية عن عام 2021؛ ففي ذلك الوقت كان الهدف يتمثل في منع حرب كانت تلوح في الأفق، بينما يتمثل التحدي في عام 2026 في البحث عن سبل لإنهاء حرب مستمرة منذ سنوات.

ولذلك، يعتبر أن القراءة الأكثر منطقية لزيارة راتكليف هي أن واشنطن تحاول الجمع بين الردع والضغط من أجل التفاوض في الوقت نفسه.

تركيا مركز مهم للدبلوماسية الاستخباراتية

ويرى قندمير أن تركيا تمتلك دورًا مهمًا في هذه المعادلة، مستندًا إلى استضافتها سابقًا لقاء بيرنز وناريشكين، وهو ما يجعل أنقرة، بحسب تحليله، واحدة من المراكز التي يمكن من خلالها إقامة قنوات اتصال استخباراتية بين واشنطن وموسكو.

ويخلص الكاتب إلى أن زيارة راتكليف لا تعني بحد ذاتها بدء مفاوضات سلام، وإنما تكشف عن قناة اتصال مغلقة تعيد من خلالها الأطراف حساباتها بشأن حدود الحرب وتكاليفها.

ويعتقد قندمير أن مستقبل الحرب في أوكرانيا لن يتحدد بعد الآن فقط من خلال السيطرة على المواقع العسكرية، بل سيتأثر أيضًا بقدرة الاقتصاد الروسي على الصمود، والتفوق التكنولوجي الأوكراني في الحرب، وقدرة الغرب على مواصلة العقوبات، ومخاطر التصعيد النووي.

ويخلص المحلل التركي إلى أن السؤال الأساسي لم يعد ما إذا كانت روسيا قادرة على تحقيق النصر في الحرب، وإنما متى سيبدأ الكرملين في اعتبار تكلفة استمرار الحرب أعلى من تكلفة التوصل إلى اتفاق سياسي؟، معتبرًا أن الإجابة عن هذا السؤال ستكشف في النهاية النتائج الحقيقية للاتصالات التي أجراها راتكليف في موسكو.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!