غولدنر سونوموت - ملييت - ترجمة وتحرير ترك برس

تُظهر زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) جون راتكليف إلى موسكو، واتصالات نائب وزير الدفاع الأمريكي إلبرِج كولبي في مقر حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أن حالة الركود الصيفي في السياسة العالمية قد انتهت.

زيارة تحولت إلى استعراض للقوة

قبل التطرق إلى مضمون رحلة راتكليف إلى موسكو، من الضروري الانتباه إلى بعض العناصر المتعلقة بالبروتوكول. فعادةً ما تُبقي زيارات رؤساء أجهزة الاستخبارات الخارجية إلى دول ثالثة طي الكتمان. إلا أن هبوط الطائرة العسكرية التي كانت تقل راتكليف في موسكو جرى تسجيله علناً. وبدا أن الولايات المتحدة شعرت بالحاجة إلى إعلان هذا الاتصال الحساس لمدير وكالة الاستخبارات المركزية للعالم بأسره، وكأنه عرض علني مدوٍّ.

أما المسألة الثانية فتتعلق مباشرة بالمضمون. فقد حاولت الولايات المتحدة، التي تلقت معلومات استخباراتية تفيد بأن روسيا تستعد لشن «عملية» ضد إحدى الدول الأعضاء في الناتو، ردع موسكو عن هذه النوايا. وهذه ليست المرة الأولى التي تقوم فيها الولايات المتحدة بمثل هذه الخطوة. ففي عام 2021، كان مدير وكالة الاستخبارات المركزية آنذاك وليام بيرنز قد حذّر من أن روسيا تستعد لغزو دونباس. وبالمثل، فإن جون برينان، الذي تولى منصبه عام 2013، توجه إلى موسكو وحاول إقناع نظرائه الروس بالعدول عن خططهم، استناداً إلى معلومات مؤكدة بشأن ضم شبه جزيرة القرم.

تغيير محور الولايات المتحدة ومسؤولية أوروبا

في هذه النقطة، ينبغي النظر إلى الجانب الآخر من العنوان، أي اتصالات إلبرِج كولبي مع حلف الناتو. وكنا قد تناولنا بالتفصيل في هذه الزاوية في 16 أغسطس/آب جولة كولبي الآسيوية. وكانت تلك الجولة مؤشراً واضحاً على أن واشنطن تنقل محور اهتمامها فعلياً إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وبينما تنقل الولايات المتحدة الجزء الأكبر من قوتها العسكرية إلى آسيا، فإنها تهدف إلى إسناد مسؤولية الأمن التقليدي في أوروبا إلى الحلفاء الأوروبيين.

وفي هذه العملية، كان اجتماع كولبي في شتوتغارت مع قائد القوات الأمريكية في أوروبا والقائد الأعلى لقوات الحلفاء في الناتو الجنرال أليكسوس غرينكويتش بالغ الأهمية. وعلى خلاف موقفها في الماضي، لا تريد الولايات المتحدة أن تترك القارة عرضة للخطر بالتزامن مع خفض وجودها العسكري فيها. ولذلك، فإن ملء الفراغ الذي ستخلفه القوات الأمريكية المنسحبة من جانب الحلفاء الأوروبيين في الوقت المناسب يمثل أهمية حيوية.

وبالإشارة إلى معايير الإنفاق الدفاعي التي تم الاتفاق عليها في قمة لاهاي لعام 2025، قدّم كولبي للحلفاء استبياناً يتضمن أسئلة حول الدولة التي ستفي بأي هدف، ومتى ستفي به. وستوضح الإجابات المرتقبة الجدول الزمني الذي ستسحب وفقه الولايات المتحدة إمكاناتها وقدراتها من أوروبا. ومن المتوقع أن تعلن واشنطن خطتها النهائية هذه في نوفمبر/تشرين الثاني، أو في موعد أقصاه ديسمبر/كانون الأول 2026.

نوافذ الفرص أمام موسكو

وتكتسب زيارة راتكليف إلى موسكو معناها تحديداً في هذا السياق. ذلك أن روسيا تنفذ تحركاتها دائماً في اللحظات التي يكون فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها في أضعف حالاتهم أو أكثرها انشغالاً. وكان التدخل في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عقب قمة بوخارست عام 2008، وضم شبه جزيرة القرم عام 2014، وحرب أوكرانيا عام 2022، جميعها نتاجاً لهذه الاستراتيجية.

ويبدو أن موسكو ترى في الوقت الراهن نافذة فرصة جديدة، في ظل انشغال الولايات المتحدة بإيران، ومعاناتها من نقص في الذخائر، وعدم انتقال أوروبا الغربية بعد إلى اقتصاد الحرب. وفي الواقع، وقبل زيارة راتكليف، أصدرت أجهزة الاستخبارات في ألمانيا وبلجيكا والدنمارك وإستونيا وفنلندا وفرنسا وبولندا تحذيرات متتالية من «تحرك عدائي» محتمل من جانب روسيا تجاه أوروبا.

النتيجة التي سيكشف عنها الزمن

في الماضي، لم تتراجع موسكو عن التحرك رغم تحذيرات مديري وكالة الاستخبارات المركزية بشأن جورجيا أو القرم أو أوكرانيا. فهل سينجح تحذير راتكليف الأخير في هذه المرة؟ وإذا لم ينجح، فهل سيسحب كولبي القوات الأمريكية من أوروبا رغم كل شيء؟

الجميع في أوروبا يأمل أن يكون تحذير راتكليف رادعاً، وأن يتعامل كولبي بمرونة فيما يتعلق بالجدول الزمني. الزمن وحده سيكشف الإجابة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!