
زينب بورجو أوغور - فوكس بلس - ترجمة وتحرير ترك برس
تتراجع معدلات الخصوبة في جميع دول العالم تقريبًا. ورغم تفاوت وتيرة هذا الانخفاض من بلد إلى آخر، فإن الظاهرة باتت عالمية. وفي تركيا أيضًا، يواصل معدل الخصوبة تراجعه بصورة ملحوظة، ولا سيما منذ عام 2010.
ولا تقتصر تداعيات انخفاض الخصوبة على الجانب الديموغرافي فحسب، بل تمتد إلى النمو الاقتصادي، إذ يصبح من الصعب مستقبلاً الإجابة عن سؤال: «من سيعمل في هذا البلد؟». كما أن نظام الضمان الاجتماعي في تركيا يقوم على تمويل معاشات الجيل المتقاعد من اشتراكات العاملين حاليًا، ما يعني أن استمرار تراجع الخصوبة سيجعل عددًا أقل من العاملين مضطرًا إلى تمويل معاشات عدد أكبر من المتقاعدين، الأمر الذي يثير مزيدًا من التساؤلات بشأن استدامة البنية الاقتصادية.
لهذه الأسباب وغيرها، باتت إزالة العقبات التي تحول دون تكوين الأسرة بالنسبة إلى الراغبين في ذلك إحدى القضايا المهمة في السياسات العامة.
لكن ثمة اختلافات جوهرية بين الخيارات السياسية المتاحة؛ فبعض هذه السياسات قد تكون ذات أثر تضخمي، في حين يمكن لبعضها الآخر أن يسهم في خفض التضخم.
ولعل الجميع يتفق على أن التضخم يمثل المشكلة الأبرز في الحياة الاقتصادية في تركيا. وكما يتضح من المقارنة مع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، فإن حجم المشكلة يبدو أكثر وضوحًا.
وبعيدًا عن التكلفة المعروفة التي يفرضها التضخم على أصحاب الدخول الثابتة، ينبغي أيضًا التوقف عند كلفته الاجتماعية، لأن للتضخم، شأنه شأن تراجع الخصوبة، تداعيات ثقيلة وطويلة الأمد.
ففي بيئة تضخمية، تختل الأسعار النسبية وتضطرب الإشارات التي تقدمها للمستهلك. ويجد الإنسان نفسه مضطرًا بصورة متزايدة إلى التساؤل: «أي السلع مرتفعة السعر فعلًا، وأي الأسعار طبيعية؟ هل يحاول المتجر خداعي؟ أم أنه يفرض هذا السعر على فئة معينة من المستهلكين لأنه يعتقد أنهم لن ينتبهوا إلى الأمر؟».
والأسوأ من ذلك أن شعورًا عامًا قد يتشكل بمرور الوقت مفاده: «هل أتعرض للخداع مرة أخرى؟». وعندما ينتشر هذا الإحساس، لا تعود المشكلة مقتصرة على الأموال التي ينتزعها التضخم من جيوبنا، بل تمتد إلى تآكل الثقة بين الناس، وبين المستهلكين ومؤسسات الأعمال، بل وفي الحياة الاقتصادية برمتها. فالاقتصاد السليم لا يحتاج إلى استقرار الأسعار وحده، وإنما يحتاج أيضًا إلى الثقة المتبادلة.
لذلك، ليس من المبالغة القول إن «التضخم هو الخطيئة الكبرى في الحياة الاقتصادية». وعلى تركيا أن تتخلص منه بأي وسيلة ممكنة، لأن ثمن التضخم المرتفع لا يقتصر على الدخل أو القوة الشرائية التي نفقدها اليوم، بل يشمل أيضًا الثقة الاجتماعية التي قد نفقدها غدًا.
سياسة تركيا الحالية: مساعدات الولادة وتمديد إجازة الأمومة
تستخدم تركيا مساعدات الولادة إحدى أدوات السياسة العامة لمواجهة تراجع الخصوبة. وبموجب النظام الجديد المطبق على الأطفال المولودين اعتبارًا من الأول من يناير/كانون الثاني 2025، تحصل الأسرة على دفعة واحدة بقيمة 5 آلاف ليرة تركية عن الطفل الأول، وعلى 1500 ليرة شهريًا عن الطفل الثاني حتى بلوغه سن الخامسة، فيما تبلغ المساعدة 5 آلاف ليرة شهريًا عن الطفل الثالث وكل طفل يليه، حتى بلوغ سن الخامسة.
ولا شك أن لهذه السياسة وظيفة اجتماعية مهمة، إذ يمكنها أن تساعد، خصوصًا الأسر ذات الدخل المنخفض، على تحمل جزء من تكاليف إنجاب الأطفال.
غير أن تقديم مساعدات نقدية للأسر بهدف تشجيع الإنجاب يعني زيادة الإنفاق العام، وبالتالي فإن احتمالات أن تكون لهذه السياسة آثار تضخمية تظل مرتفعة، ولا سيما في وقت تُستخدم فيه أدوات السياسة النقدية بأقصى طاقتها.
فالأطراف الاقتصادية التي تتصرف بصورة عقلانية تدرك أن أي مساعدة عامة تُطلق يصعب وقفها سريعًا، ولذلك ستبدأ في التفكير في مصادر تمويل هذه النفقات على المدى الطويل، وهو ما قد يدفعها إلى رفع توقعاتها بشأن التضخم. وهذه الآلية لا تقتصر على مساعدات الولادة، بل تنطبق على جميع أشكال الإنفاق العام التي لا تولد إنتاجية في الأجل القصير.
وثمة نقطة مهمة أخرى، وهي أن معدل الخصوبة واصل تراجعه حتى بعد بدء صرف مساعدات الولادة في عام 2025. فالقرار المتعلق بإنجاب الأطفال لا يتحدد بعامل الدخل وحده، وهي نقطة سنعود إليها لاحقًا.
وقد يكون استمرار تراجع الخصوبة، رغم مساعدات الولادة، مرتبطًا بقيمة تلك المساعدات. إلا أن أبحاثي [1]، إلى جانب دراسات باحثين آخرين، أظهرت أن مساعدات الولادة لم تكن فعالة في رفع معدلات الخصوبة حتى في دول أوروبية تقدم مبالغ أعلى.
ومن التغييرات المهمة الأخرى في السياسات تمديد إجازة الأمومة في أبريل/نيسان 2026 من 16 أسبوعًا إلى 24 أسبوعًا، أي بزيادة قدرها 50%. ولا تزال هذه السياسة حديثة إلى درجة لا تسمح بقياس آثارها بعد، إلا أنه يمكن القول إنها تخفف من حدة التعارض بين الأمومة والحياة العملية.
كيف يُتخذ قرار إنجاب الأطفال؟
خلال القرون التي كانت فيها الزراعة النشاط الاقتصادي الرئيسي، وكان الأطفال يشاركون في العملية الإنتاجية، كان قرار الإنجاب أقرب إلى قرار استثماري. أما اليوم، فإن قرار إنجاب طفل بات يشبه، من بعض الجوانب، القرارات المتعلقة بشراء السلع الاستهلاكية المعمرة.
فلنفترض أنك اشتريت ثلاجة. من المتوقع أن تجري بحثًا جيدًا قبل شرائها، لأن إعادتها بعد الشراء ليست بالأمر السهل. وبالمثل، عندما ينجب الوالدان طفلًا، لا يمكنهما ببساطة القول: «لقد اتخذت قرارًا خاطئًا وتراجعت عنه». أي إنه، بالتعبير الشعبي، قرار لا مجال عمليًا للرجوع عنه. ولذلك فإن إنجاب الأطفال قرار يتطلب تفكيرًا طويل الأمد وحسابًا دقيقًا لمختلف الاعتبارات.
وثانيًا، وكما هو الحال في الطلب على السلع الاستهلاكية، يُتوقع أن يؤدي كل من «أثر الدخل» و«أثر الإحلال» دورًا حاسمًا في قرار الإنجاب.
فما المقصود بهذين الأثرين؟
أثر الدخل يعني أن ارتفاع دخلنا يجعلنا نشعر بقدر أكبر من الثراء، وبالتالي نصبح قادرين على استهلاك المزيد من السلع والخدمات، بما في ذلك تحمل تكاليف إنجاب الأطفال وتربيتهم.
وتسعى مساعدات الولادة إلى تشجيع الخصوبة من خلال هذا الأثر؛ أي إن الأموال الإضافية المقدمة للأسرة تهدف إلى مساعدتها على تغطية تكاليف مثل أغذية الأطفال والحفاضات والأسرة وغيرها من الاحتياجات، بما يشجعها على الإنجاب.
أما أثر الإحلال، فيعني أننا عندما نجد سلعة أو خدمة أصبحت أرخص مقارنة بغيرها، فإننا نميل إلى استبدال الخيار الأغلى بالخيار الأقل تكلفة. فعلى سبيل المثال، إذا ارتفع سعر الشاي وظل سعر القهوة ثابتًا، فقد نتجه إلى شراء القهوة.
وعند تطبيق هذا المفهوم على قرار الإنجاب، تبرز مسألة الوقت بوضوح، لأن تربية الطفل تستغرق وقتًا طويلًا، وبالتالي يصبح السؤال هو: ما البدائل الأخرى التي يمكن استخدام هذا الوقت فيها؟
فالمرأة القادرة على العمل خارج المنزل والحصول على راتب مرتفع قد تميل إلى إنجاب عدد أقل من الأطفال بسبب «أثر الإحلال»، أي بسبب ارتفاع تكلفة الوقت الذي تخصصه لرعاية الأطفال مقارنة بالدخل الذي كان يمكن أن تحققه من العمل.
في الماضي، كان أثر الإحلال، أو ما يسمى «تكلفة الفرصة البديلة» لوقت المرأة، منخفضًا، لأن فرص النساء في سوق العمل كانت محدودة بدرجة كبيرة.
وقد يقود ذلك سريعًا إلى استنتاج من قبيل: «إذن، يمكن حل المشكلة إذا عادت النساء إلى نمط الحياة القديم وتوقفن عن العمل خارج المنزل».
لكن معدلات مشاركة النساء في سوق العمل والتوظيف تسير في اتجاه تصاعدي، كما يتضح من الشكل الثالث، وهذا الارتفاع ينطوي على إمكانات كبيرة بالنسبة إلى التنمية الاقتصادية. وكما أشرت في مقال سابق نشرته في Fokusplus، فإن النساء لم يعدن يغادرن سوق العمل حتى خلال سنوات الخصوبة الرئيسية بين سن 25 و44 عامًا.
إضافة إلى ذلك، تنص سياسة التنمية الرسمية في تركيا بوضوح على زيادة مشاركة النساء في القوى العاملة ورفع معدلات توظيفهن. ووفق الخطة التنموية الثانية عشرة، تستهدف تركيا رفع معدل مشاركة النساء في القوى العاملة من 36.2% إلى 40.1% بحلول عام 2028، وزيادة معدل توظيف النساء من 32.1% إلى 36.2%.
وبعبارة أخرى، فإن إخراج النساء مجددًا من سوق العمل بهدف زيادة معدلات الخصوبة لا يبدو خيارًا ممكنًا.
وبما أن العامل الأكثر حسمًا ليس أثر الدخل بقدر ما هو أثر الإحلال، فإن السياسات الرامية إلى تشجيع الإنجاب ينبغي أن تمنع وقوع النساء بين خيارين متعارضين: العمل المأجور أو إنجاب الأطفال.
وفي هذا السياق، ينسجم تمديد إجازة الأمومة من 16 إلى 24 أسبوعًا مع هذا الهدف. لكن يبقى السؤال قائمًا: من سيتولى رعاية الطفل بعد انتهاء الأسابيع الأربعة والعشرين؟
ومن هنا، يبدو أن الخيار المتبقي لرفع معدلات الخصوبة يتمثل في توفير بدائل لرعاية الأطفال يمكن تحمل تكلفتها ماليًا. وهو هدف شدد عليه أيضًا تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن تركيا لعام 2025.
هل من مبرر لدخول القطاع العام مجال رعاية الأطفال؟
عندما يدور الحديث في تركيا عن تطوير خدمات رعاية الأطفال، فإن الحل الأول الذي يتبادر إلى الذهن، كما هو الحال في العديد من القضايا الأخرى، هو أن تتولى الدولة هذه المهمة بنفسها.
وقد ازدادت فكرة الحضانات العامة حضورًا في النقاش العام مع الإقبال الذي لاقته خدمات الحضانة منخفضة التكلفة التي تقدمها البلديات، ولا سيما مشروع «يوفام إسطنبول» التابع لبلدية إسطنبول الكبرى.
وفي يوليو/تموز 2026، صدر أيضًا تنظيم [2] يهدف إلى توحيد معايير عمل حضانات البلديات، كما يفتح المجال أمام مؤسسات عامة أخرى لإنشاء حضانات لتلبية احتياجات المواطنين في مجال رعاية الأطفال. ومع ذلك، نادرًا ما يجري التطرق إلى السلبيات المهمة التي قد تترتب على هذا النهج.
فمن المرجح أن يؤدي تقديم الدولة لهذه الخدمات إلى أثر تضخمي، لأنه يعني زيادة الإنفاق العام. إذ يتطلب توفير الخدمة، بداية، شراء مبانٍ جديدة أو تجهيزها، واستحداث وظائف جديدة لتقديم الخدمة، ثم دفع رواتب العاملين فيها.
كذلك فإن اقتصار الخدمة التي تقدمها الدولة مباشرة على مدن بعينها أو على موظفي مؤسسات عامة محددة سيؤدي، بمرور الوقت، إلى إثارة نقاشات بشأن العدالة في الوصول إليها. أما التوقعات التي ستنشأ لاحقًا بشأن تعميم الخدمة في مختلف أنحاء البلاد، فمن شأنها أن تفرض ضغوطًا إضافية على المالية العامة، وقد تؤدي إلى مزيد من التراخي في الانضباط المالي الضروري لمكافحة التضخم.
والحضانات العامة ليست نموذجًا جديدًا في تركيا؛ فقد جرى تطبيقه في السابق.
فوفق الإطار الذي حدده نظام دور الحضانة والرعاية النهارية التابع لهيئة الخدمات الاجتماعية وحماية الطفل (SHÇEK)، والمنشور في الجريدة الرسمية رقم 18240 عام 1983، عملت هذه الحضانات تحت إشراف الدولة لتقديم الخدمات إلى أطفال الأمهات والآباء العاملين.
وفي عام 1985، بدأت 21 حضانة العمل لخدمة أبناء الآباء والأمهات العاملين، إلا أن هذه المؤسسات توقفت عن تقديم خدماتها في عام 2006، وأُلغي نظامها التنظيمي نهائيًا عام 2009.
كما تضمنت إرشادات إعداد البرنامج الاستثماري للفترة 2006-2008 نصًا جاء فيه: «لن تبدأ استثمارات في المساكن الوظيفية، ودور الموظفين، والمخيمات، والحضانات، ودور الضيافة وغيرها من المرافق الاجتماعية المماثلة إلا في حالات الضرورة القصوى، ولن تخصص اعتمادات لصيانة وإصلاح المرافق القائمة إلا في حالات الضرورة الشديدة».
وكانت هذه الإجراءات من الخطوات المهمة التي اتُخذت في تلك الفترة لضبط الموازنة، وقد نجحت تركيا، نتيجة هذا الانضباط المالي، في خفض التضخم إلى مستويات أحادية الرقم.
وكانت الخسائر المالية من أبرز الأسباب التي دفعت إلى إغلاق المؤسسات التي تديرها الدولة من هذا النوع.
ولا يقتصر الأمر على الماضي. ففي عام 2024، طُرح إغلاق حضانة جامعة إيجه، التي كانت تعمل منذ نحو سبعين عامًا، بسبب تكبدها خسائر مالية.
فكون الخدمة العامة لا تهدف إلى تحقيق الربح لا يعني أن التوازن بين الإيرادات والنفقات أمر بلا أهمية.
أما إذا كانت الدولة ستقدم هذه الخدمات للمواطنين بمقابل مالي وبمنطق مشابه للقطاع الخاص، فلن يكون من السهل عليها تقديمها بأسعار تختلف كثيرًا عن أسعار السوق.
فعلى سبيل المثال، تسجل الحضانة التي تقدم خدماتها لموظفي وزارة الأسرة الأطفال مقابل رسوم تبلغ 17 ألف ليرة تركية. وفي السوق الخاصة توجد حضانات تقدم خدمات رعاية الأطفال بالسعر نفسه تقريبًا. وهنا يبرز سؤال منطقي: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا ينبغي أن تكون الدولة هي مقدم هذه الخدمة؟
وتختلف خدمات رعاية الأطفال عن القطاعات التي تتطلب مستويات مرتفعة من رأس المال المادي، فهي قطاع كثيف العمالة في الأساس. وهذا يتيح، في ظل تنظيمات مناسبة، دخول مشروعات صغيرة ومقدمي خدمات جدد إلى السوق.
كما أن رعاية الأطفال ليست مجالًا شديد التعقيد أو التخصص، كعلوم الفضاء مثلًا، بحيث لا يمتلك المعرفة اللازمة به إلا عدد محدود للغاية من الجهات. ومن ثم، يصعب تأسيس تدخل الدولة المباشر في هذا القطاع على حجة اقتصادية قوية.
وثمة جانب آخر ينبغي التشديد عليه: ففي خدمات رعاية الأطفال لا تقتصر العوامل الحاسمة على عدد الأماكن المتاحة أو قيمة الرسوم، بل تشمل أيضًا مدى توافق الخدمة مع متطلبات الحياة العملية.
فمؤسسة تعمل بين التاسعة صباحًا والسادسة مساءً لا تستطيع تلبية احتياجات أب أو أم تبدأ ساعات عملهما في الثامنة صباحًا وتمتد إلى السابعة مساءً، أو يعملان بنظام الورديات.
وحتى إذا أُنشئت حضانات عامة، فقد يكون من الصعب غالبًا منحها المرونة اللازمة لمواكبة ساعات العمل الطويلة في القطاع الخاص.
بل إن رياض الأطفال التابعة لوزارة التربية الوطنية تقدم خدماتها نصف يوم فقط، ولهذا تفضل الأمهات العاملات في القطاع الخاص، ممن يمتلكن الإمكانات المادية، رياض الأطفال الخاصة بدلًا من المؤسسات التابعة للوزارة.
كما أن وصول الطفل إلى المدرسة، ونقله منها، وتوفير وجبة الغداء، وتوافق ساعات عمل المؤسسة مع ساعات عمل الوالدين، كلها عوامل لا تقل أهمية.
وعند الاطلاع على الشكاوى المنشورة على الإنترنت بشأن مشروع «يوفام إسطنبول»، يمكن العثور بسهولة على عدد كبير من الشكاوى التي تتحدث عن عدم توافق ساعات تقديم الخدمة مع ساعات عمل الموظفين.
إضافة إلى ذلك، فإن استخدام البلديات أو المؤسسات العامة لموارد الدولة لتقديم خدمات مثل الحضانات سيؤثر، بصورة أو بأخرى، سلبًا في مؤسسات القطاع الخاص العاملة في هذا المجال.
فقد ينتقل جزء من الأطفال المسجلين في الحضانات الخاصة إلى الحضانات البلدية، وهو ما قد يحد بدوره من رغبة القطاع الخاص في الاستثمار في هذا القطاع.
وخلاصة القول إن الجامعات والبلديات نفسها كثيرًا ما تجد صعوبة في تشغيل حضانات بالساعات والأسعار التي تلائم احتياجات المواطنين. ففي بعض الحالات لا تتناسب جودة الخدمة أو ساعات تقديمها مع احتياجات الأسر، وفي حالات أخرى تكون الأسعار مرتفعة.
دور الدولة: تفعيل السوق بدلًا من إنتاج الخدمة بنفسها
لا ينبغي هنا إقامة ثنائية زائفة بين الدولة والقطاع الخاص.
فما سبق لا يعني أن على الدولة الانسحاب من مجال رعاية الأطفال، لكنه يعني في الوقت ذاته أن الدولة ليست مضطرة إلى إنتاج خدمات الرعاية بنفسها.
وقد يكون النموذج الأكثر فاعلية هو أن تضطلع الدولة بثلاثة أدوار رئيسية:
أولًا: الرقابة على الجودة
ينبغي للدولة أن تحدد المعايير الدنيا التي تضمن سلامة الأطفال وأمنهم.
ويمكن الافتراض أن رقابة الدولة على الحضانات الخاصة العاملة في السوق ستكون أقل عرضة لتضارب المصالح من قيامها بالرقابة على خدمات هي نفسها التي تقدمها.
ثانيًا: دعم وصول الأسر منخفضة الدخل إلى خدمات الرعاية
الحضانات الخاصة لن تتمكن بطبيعتها من توفير خدمات مجانية أو منخفضة التكلفة لأطفال الأسر الفقيرة. ولذلك فإن ضمان وصول الأسر التي لا تمتلك الإمكانات المالية إلى خدمات رعاية الأطفال يمثل مسألة لا بد من التعامل معها باستخدام الموارد العامة.
لكن بدلًا من أن تتولى الدولة تقديم الخدمة إلى عموم المواطنين بصورة مباشرة، ينبغي أن يكون محور التدخل العام هو ضمان حصول أطفال الأسر الفقيرة على هذه الخدمات.
ولهذا الغرض، يمكن التفكير في تقديم دعم مخصص لرعاية الأطفال، تستطيع الأسر استخدامه لدى مختلف مقدمي خدمات الرعاية المسجلين والخاضعين للرقابة، بدلًا من أن تنشئ الدولة الخدمة وتديرها بنفسها.
ثالثًا: خفض الحواجز أمام دخول السوق
من شأن ذلك أن يسهل دخول رواد أعمال جدد، ولا سيما النساء ومقدمي خدمات الرعاية على نطاق صغير، إلى هذا القطاع.
كما أن سياسات زيادة عدد الداخلين إلى السوق، وتنويع مقدمي الخدمات، وإتاحة نماذج الرعاية المنزلية، لا تتطلب إنفاقًا عامًا مباشرًا، وبالتالي لا تحمل آثارًا تضخمية.
بل إن الدولة قد تحصل على إيرادات ضريبية من مقدمي هذه الخدمات، ما يمكن أن ينعكس إيجابًا على المالية العامة.
وخلاصة الأمر أن أدوات السياسة الأسرية الرامية إلى دعم الخصوبة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد سياسات للمساعدات الاجتماعية. بل يتعين التعامل مع القضية بصورة شاملة تأخذ في الاعتبار جانب العرض، وتأثير السياسات في المالية العامة، وما يترتب على ذلك من انعكاسات على توقعات التضخم.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس











