
ترك برس
تسارع تركيا الخطى لتطوير مقاتلتها الوطنية من الجيل الخامس "كآن" (KAAN) للوصول إلى بديل سيادي لمقاتلة "إف-35" الأمريكية، عقب استبعاد أنقرة من البرنامج الأمريكي وفرض عقوبات "كاتسا" عليها إثر شرائها منظومة "إس-400" الروسية عام 2017.
ويؤكد كبير مهندسي الطائرة المقاتلة "كآن"، إمري يابان، أن المشروع وطني بنسبة 100% صُمم محليا من الصفر بمكوناته كافة بما في ذلك نظام التشغيل، كعائد عملي لمبادرة "اصنع طائرتك بنفسك" المنطلقة في السبعينيات.
وأوضح يابان، خلال حديثه لبرنامج "المتحري" على شاشة قناة الجزيرة القطرية، أن تركيا دخلت نادي 4 دول فقط طورت طائرات من الجيل الخامس؛ وهي فئة تشمل "إف-22" الأمريكية، و"سو-57" الروسية، و"جيه-20" الصينية، مشددا على أن "كآن" ستتفوق بـ"قدرات جو-جو أعلى مع ميزة واضحة في المناورة والتخفي".
معضلة المحركات وتحدي الوقت
في المقابل، يشير المسؤول السابق في حلف شمال الأطلسي (ناتو) والخبير الدفاعي، نيكولاس وليامز، إلى أن تركيا نجحت في تضييق الفجوة التكنولوجية بمقدار مذهل، غير أن نقطة ضعفها المتبقية تكمن في "أنظمة الدفع"، وهو ما جعل برنامج "إف-35" خيارا سعت أنقرة للتفاوض بشأن العودة إليه رغم رغبتها في الاستقلالية.
وردا على معالجة هذا التحدي، يوضح الرئيس التنفيذي لشركة "تي إي آي" (TEI) الرائدة في مجال محركات الطيران، محمود أكشيت، أن تطوير محرك لمقاتلة من الجيل الخامس عملية طويلة ومعقدة لا تُنجز في غضون 3 إلى 5 سنوات، مؤكدا أن النجاح في إنتاج محرك "كآن" سيكون دليلا حاسما على القدرة على تصنيع المحركات الأخرى كافة.
وفي يوليو/تموز الماضي، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن نظيره الأمريكي دونالد ترمب "تبنى نهجا إيجابيا تجاه تركيا" بشأن شراء المقاتلات الأمريكية "إف-35″، وذلك بعد يوم من تصريحات للأخير -على هامش قمة الناتو- قال فيها إنه سيتخذ قرارا بشأن بيع محتمل لطائرات "إف-35" إليها.
سد الفجوات والشراكة الإقليمية
من جانبه، يبين الباحث في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري)، زين حسين، أنه رغم رغبة أنقرة الموازية في اقتناء "إف-35" أو "تايفون"، فإن "كآن" ستسد فجوات رئيسية في القدرات التركية حال نجاحها في تحقيق أهدافها التقنية.
وعلى الصعيد الإقليمي، شهد فبراير/شباط 2026 عرض مجسم المقاتلة في الرياض وعلى ذيلها العلم السعودي، حين ألمح الرئيس أردوغان إلى إمكانية الشراكة مع السعودية، وأكد المدير العام لشركة "توساش"، محمد دمير أوغلو، وصول المفاوضات إلى مراحل متقدمة.
ويخلص دمير أوغلو -خلال حديثه لبرنامج "المتحري"- إلى أن العضوية في حلف الناتو لا تغني عن الاعتماد على الذات، مشيرا إلى أنه "يجب أن نمتلك المستوى نفسه من التسليح الذي يملكه الخصم لنقول بكل وضوح: لن أسمح لك بإيذائي.. وما نقوم به ليس اعتداءً، بل من أجل الدفاع".
يذكر أن برنامج "المتحري" تتبع خلال الفيلم واحدة من أبرز المحاولات الإقليمية لكسر الهيمنة الدولية على سوق السلاح، متحريا تحولات الصناعة العسكرية التركية على مدى نصف قرن.
وحاور الفيلم صناع القرار والخبراء، بدءا من رئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية خلوق غورغون، والمديرين التنفيذيين وكبار المهندسين في الشركات الكبرى (أسيلسان، هافيلسان، توساش، روكيتسان وغيرها)، مرورا بشهادات جنرالات متقاعدين ووزراء دفاع، وصولا إلى تحليل خبراء عسكريين دوليين.
كيف تحولت الصناعات الدفاعية التركية من الحظر إلى التصنيع المحلي
ويمتد سعي تركيا إلى بناء صناعة دفاعية مستقلة لعقود، لكن أحد أبرز المنعطفات جاء بعد التدخل العسكري التركي في قبرص عام 1974 وما أعقبه من حظر أمريكي على توريد السلاح، وهو ما دفع أنقرة إلى إعادة التفكير في اعتمادها الكبير على المصادر الخارجية، وتأسيس شركات ومؤسسات محلية مثل «أسيلسان» و«هافيلسان».
وفي عام 1985، أنشأت تركيا المؤسسة التي أصبحت لاحقاً رئاسة الصناعات الدفاعية بهدف تطوير قاعدة صناعية وطنية وتحديث القوات المسلحة. لكن التحول الأكبر جاء في العقد الأول من الألفية الجديدة، ولا سيما بعد قرارات اتخذتها اللجنة التنفيذية للصناعات الدفاعية عام 2004 أعطت أولوية أكبر للمشروعات ذات التصميم والإنتاج المحليين بدلاً من الاكتفاء بشراء الأنظمة الجاهزة من الخارج.
وخلال السنوات التالية، توسعت الصناعة التركية من تصنيع الأسلحة والذخائر التقليدية إلى مجالات أكثر تعقيداً، شملت الطائرات المسيّرة والرادارات وأنظمة الحرب الإلكترونية والصواريخ والسفن الحربية والمروحيات والمدرعات. وبرزت شركات مثل أسيلسان، وتوساش، وروكيتسان، وهافيلسان، وبايكار، فيما أصبحت مشاريع مثل مسيّرات «بيرقدار»، والسفينة الوطنية «ميلغم»، والدبابة «ألتاي»، والمروحية «غوكباي»، والطائرة التدريبية «حرجيت»، والمقاتلة «كآن» رموزاً لهذا التوجه.
ولم يعد الهدف التركي يقتصر على تلبية احتياجات الجيش، بل امتد إلى التصدير والمنافسة في الأسواق الدولية. وسجلت صادرات الصناعات الدفاعية والطيران التركية مستوى قياسياً تجاوز 10 مليارات دولار خلال 2025، وفق رئاسة الصناعات الدفاعية، فيما بلغت صادرات القطاع خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 نحو 5.79 مليارات دولار بزيادة 26.2% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
غير أن طموح الاستقلال الدفاعي لا يعني أن تركيا تخلصت بالكامل من الاعتماد الخارجي؛ إذ ما تزال بعض التقنيات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها محركات الطائرات المقاتلة، تمثل تحدياً رئيسياً. ولهذا يُنظر إلى «كآن» بوصفها اختباراً يتجاوز تصنيع طائرة جديدة، ليقيس قدرة تركيا على الانتقال من إنتاج المنصات والأسلحة إلى امتلاك التقنيات الحرجة التي تحدد الاستقلال الحقيقي في الصناعات الدفاعية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











