
ترك برس
استعرض كاتب تركي نتائج استطلاع للرأي تظهر تنامي اهتمام الشارع التركي بقضايا السياسة الخارجية والأمن، وتباين المواقف تجاه اتفاقية مكة الدفاعية بين من يراها تعزيزا للدور الإقليمي لتركيا ومن يخشى تداعياتها
ويرى الكاتب التركي إحسان أقطاش أن السياسة الخارجية للدول لا تتشكل فقط وفقا لخيارات الحكومات، بل تتأثر أيضا بمدى قبول الرأي العام لتلك الخيارات ونظرته إلى التحالفات والخطوات السياسية وما تحمله من مكاسب أو مخاطر.
ويشير أقطاش، في مقال بصحيفة "يني شفق"، إلى أن السياسة الخارجية التركية تواجه في الآونة الأخيرة تأثير عاملين رئيسيين؛ أولهما الأزمات الإقليمية المتلاحقة التي تدفع نحو البحث عن شراكات وتحالفات جديدة، والثاني حالة الاستقطاب السياسي الداخلي التي تجعل تقييم بعض ملفات السياسة الخارجية مرتبطا بالانتماءات الحزبية.
وفي هذا الإطار، سلط استطلاع "تقرير تركيا" الصادر عن مؤسسة "جينار" في أغسطس/آب 2026 الضوء على توجهات الرأي العام التركي حيال السياسة الخارجية، وتقييم أداء حزب العدالة والتنمية خلال نحو ربع قرن، إلى جانب موقف الأتراك من اتفاقية مكة الدفاعية التي برزت كأحد أبرز ملفات ذلك الشهر.
اهتمام متزايد بالسياسة الخارجية
وبحسب الكاتب، فإن نتائج الاستطلاع تعكس تصاعد اهتمام الرأي العام التركي بقضايا السياسة الخارجية والأمن، لا سيما في ظل التحولات الجيوسياسية العالمية والمخاطر المتزايدة في المنطقة.
ويعزو أقطاش هذا الاهتمام إلى مجموعة من التطورات، من بينها مسار "تركيا خالية من الإرهاب" وما يرتبط به من هدف أوسع يتمثل في الوصول إلى منطقة خالية من الإرهاب، إلى جانب المخاطر والتهديدات التي يرى أن إسرائيل تخلقها عبر الساحة السورية، فضلا عن الخطاب السياسي اليوناني المتمحور حول تركيا وارتفاع حضور ملفات السياسة الخارجية في الأجندة الحزبية.
ويلفت الكاتب إلى أن تحركات تركيا في مجال السياسة الخارجية لم تعد تحظى بالمتابعة داخل البلاد فقط، بل أصبحت موضع اهتمام على المستوى الدولي أيضا، وهو ما انعكس، بحسب رأيه، على تزايد اهتمام المواطنين بالملفات الأمنية والتحالفات الإقليمية.
وفي الاستطلاع، أفاد 59.2 بالمئة من المشاركين بأنهم على علم باتفاقية مكة الدفاعية، مقابل 40.8 بالمئة قالوا إنهم لم يسمعوا عنها أو لا يعرفون تفاصيلها.
ويرى أقطاش أن هذه النسبة تمثل مؤشرا مهما على ارتفاع مستوى متابعة الرأي العام التركي لقضايا الأمن والسياسة الخارجية، خاصة عندما يتعلق الأمر باتفاقيات وتحالفات يمكن أن تؤثر في موقع تركيا ودورها الإقليمي.
اتفاقية مكة.. بين تعزيز القوة ومخاوف الانخراط في الصراعات
ويضع الكاتب اتفاقية مكة الدفاعية في إطار ما وصفه بـ"تصميم أمني" جديد، مشيرا إلى أن الاهتمام الواسع الذي حظيت به الاتفاقية داخل تركيا يرتبط بالتوقعات بشأن حجم القوة والتأثير الذي يمكن أن ينجم عن اجتماع ثلاث دول في إطار واحد.
وأظهرت نتائج الاستطلاع تباينا في تقييم الأتراك للاتفاقية، إذ رأى 26.6 بالمئة أنها خطوة مهمة من شأنها تعزيز القوة الإقليمية لتركيا، وهي النسبة الأعلى بين الخيارات المطروحة.
في المقابل، قال 22.6 بالمئة إنهم لا يتوقعون أن تسفر الاتفاقية عن نتائج مهمة بالنسبة لتركيا، بينما اعتبر 17.9 بالمئة أنها قد تشكل خطرا يدفع تركيا إلى الانخراط في صراعات إقليمية.
ورأى 10.6 بالمئة أن الاتفاقية تمثل خطوة مهمة لتعزيز أمن تركيا، فيما اعتبر 7.5 بالمئة أنها قد تسهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي.
أما من أعربوا عن موقف إيجابي عام تجاه الاتفاقية فبلغت نسبتهم 1.1 بالمئة، وهي النسبة نفسها لمن أعلنوا موقفا سلبيا منها بصورة عامة.
ويستنتج أقطاش من هذه النتائج أن النظرة العامة للشارع التركي إلى اتفاقية مكة تميل بدرجة كبيرة إلى الدعم، مع وجود شريحة محدودة تعبر عن مخاوف من احتمال جر تركيا إلى صراعات إقليمية جديدة.
ويرى أن النتيجة الأبرز تتمثل في نظر قطاع مهم من الرأي العام إلى الاتفاقية باعتبارها أداة يمكن أن تعزز الدور الإقليمي لتركيا ومكانتها في محيطها.
السياسة الخارجية ضمن أبرز نجاحات الحكومة
ويتطرق الكاتب أيضا إلى تقييم المشاركين في الاستطلاع لأبرز المجالات التي حقق فيها حزب العدالة والتنمية نجاحا خلال 25 عاما من الحكم.
وبحسب نتائج الدراسة، برز قطاع الصحة في المقدمة، تلاه قطاعا الصناعات الدفاعية والسياسة الخارجية، وهو ما يراه الكاتب مؤشرا على اهتمام المجتمع التركي المتزايد بالأهداف الاستراتيجية للدولة والتحركات المرتبطة بها.
ويشير إلى أن السياسة الخارجية باتت تحظى بمتابعة أكبر في ظل التغيرات التي تشهدها البيئة الإقليمية والدولية، وتحول الملفات الأمنية والجيوسياسية إلى عناصر مؤثرة بصورة مباشرة في الحياة السياسية والنقاش العام داخل تركيا.
تقارب بين الأحزاب في القضايا الوطنية
ولا يقتصر تحليل أقطاش على موقف الرأي العام من اتفاقية مكة، بل يتناول أيضا انعكاس السياسة الخارجية على العلاقات بين الأحزاب والتيارات السياسية المختلفة.
ويرى الكاتب أنه رغم اختلاف الأحزاب في رؤاها الفكرية والسياسية، فإن هناك توجها متزايدا نحو تبني مواقف متقاربة في بعض ملفات السياسة الخارجية.
وبحسب قراءته، تقف "الحزب الجديد" وحزب الجيد في خطين متقاربين نسبيا من حيث التوجهات المتعلقة بالسياسة الخارجية، فيما يعكس تحالف الجمهور قدرا واضحا من التماسك حول أهداف السياسة الخارجية.
كما يشير أقطاش إلى أن حزب الشعوب الديمقراطي "ديم" وحزب الشعب الجمهوري بدآ، في أعقاب مسار "تركيا خالية من الإرهاب" وما وصفه الكاتب بقرار "البطلان"، في التعامل بقدر أكبر من المرونة مع بعض ملفات السياسة الخارجية التي تديرها الحكومة.
ويخلص الكاتب إلى أن قراءة المشهد السياسي من خلال اتفاقية مكة الدفاعية تكشف عن ظهور قدر من التقارب بين الأحزاب التركية في القضايا التي توصف بأنها قضايا وطنية.
ويرى أن هذا التقارب، رغم استمرار الخلافات السياسية والحزبية، يمثل تطورا إيجابيا يمكن أن يحمل دلالات مهمة بالنسبة إلى مستقبل السياسة التركية، خصوصا في مرحلة تتزايد فيها التحديات الإقليمية وتتقدم فيها ملفات الأمن والسياسة الخارجية إلى صدارة أولويات الدولة والمجتمع.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!








