
ترك برس
على هضبة بازلتية تشرف على نهر دجلة، حيث تلتقي أسوار ديار بكر العملاقة ببساتين هفسيل الخضراء المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2015، ينهض مجمع متحف ديار بكر الأثري داخل القلعة الداخلية (إيتش كاله) ليكون شاهداً حياً على استمرارية حضارية نادرة.
هذه المدينة، التي عُرفت قديماً باسم «أميدا»، لم تكن مجرد مركز إداري أو عسكري عبر العصور، بل نقطة التقاء حضارات متعاقبة من الهوريين والآشوريين والرومان والبيزنطيين إلى الأمويين والعباسيين والأرتقيين والعثمانيين.
وفي قلب هذا المشهد التاريخي الاستثنائي، تحولت القلعة الداخلية بعد أعمال ترميم شاملة إلى مجمع متحفي فريد يضم أربعة عشر مبنى مسجلاً، يروي كل حجر فيه فصلاً من قصة المنطقة.
تأسست مديرية متحف ديار بكر عام 1934، وكانت انطلاقتها الأولى في مدرسة الزنجيرية (السنجرية) الأرتقية المجاورة للجامع الكبير. ومع نمو المجموعة الأثرية، انتقل المتحف لاحقاً إلى مبنى في شارع إلازغ، قبل أن يُعاد توظيف القلعة الداخلية بأكملها ضمن مشروع أسوار ديار بكر وإيتش كاله، ليفتتح المجمع رسمياً أمام الزوار عام 2015.
وتشرف المديرية حالياً على خمسة متاحف وموقع أثري واحد، فيما يضم المجمع نفسه قاعات عرض أثرية وإثنوغرافية ومتحف أتاتورك وكافيتريا ومختبرات ترميم ومخازن حديثة.
يبدأ الزائر رحلته من بوابة أرتقية تعود إلى عامي 1206-1207، تعرف بقوس الأرتقيين، ويصل عرضها إلى عشرة أمتار، وتحمل نقشاً كتابياً كبيراً، وعلى جانبيها منحوتات تصور صراع الأسد والثور. وإلى جوارها يرتفع تلة أميدا (أميدا هويوك)، أول نقطة استيطان في المدينة.
وتكشف الحفريات الجارية هناك منذ عام 2018 بإشراف الأستاذ الدكتور عرفان يلدز من جامعة دجلة عن طبقات سكنية تمتد إلى الألف السابع قبل الميلاد وربما أبعد، مع بقايا قصر أرتقي وممر ملكي وأنظمة مياه وتدفئة تعود إلى نحو ألفي عام.
وقد أسفرت المواسم الأخيرة عن قطع مهمة تشمل أختاماً أسطوانية من فترة أوروك المتأخرة وعملات من عصور مختلفة، بما فيها عملة نادرة من السنوات الأولى للجمهورية التركية.
أما المباني العثمانية داخل المجمع فتحمل كل واحدة منها قصة تحول وظيفي لافت. فمبنى مستودعات الآثار، الذي بُني أصلاً كخان أرتقي عام 1203، تحول في عهد السلطان عبد الحميد الثاني إلى سجن، قبل أن يُرمم عام 2014 ليصبح مخزناً حديثاً ومختبراً إقليمياً للترميم والحفظ.
وفي قاعة العرض الأثري (مبنى العدلية أ – دار الحكومة سابقاً)، التي اكتمل بناؤها عام 1888 في عهد الوالي حاجي حسن باشا، تُعرض القطع الأثرية المستخرجة من حفريات المنطقة في صالتين و15 غرفة و96 خزانة، مرتبة زمنياً من العصور الحجرية حتى الفترات الإسلامية والعثمانية. وإلى جوارها يقع مبنى العدلية ب، الذي شُيد عام 1891 بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لجلوس عبد الحميد الثاني على العرش، ويُستخدم اليوم مقراً لاستقبالات الولاية.
وتضم المباني الإدارية مجمعاً عثمانياً يعود إلى مطلع القرن العشرين (حوالي 1900-1907)، بينما تحول مبنى الفيلق السابع، الذي بناه المعلم تيفيت عام 1902 في عهد الوالي محمد وفيق باشا، إلى كافيتريا منذ عام 2015 تطل على بساتين هفسيل المدرجة على قائمة اليونسكو.
أما مبنى الفرسان (ثكنات الجندرمة سابقاً)، الذي شُيد بين 1887 و1891، فيضم ثلاث قاعات للعرض الموضوعي. ويحتل متحف أتاتورك مبنى المفتشية العامة السابق، الذي استُخدم مقراً للقيادة العسكرية عام 1916 قبل أن يُحول إلى متحف عام 1973.
ولا يخلو المجمع من آثار أقدم. فكنيسة القديس جورج (كنيسة القسيس الأسود)، التي يُرجح أن جذورها تعود إلى أوائل القرن الرابع الميلادي، تحولت في العهد الأرتقي إلى حمام بإضافات معمارية، وتُستخدم اليوم كمعرض فني يستضيف معارض وحفلات وبرامج تلفزيونية.
وإلى جانب هذه المباني، ينتصب نافورة الأسد التي تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، وتعلوها منحوتة أسد من الحجر الجيري، بالإضافة إلى ضريح يحمل نقشاً بخط الثلث الجلي يتضمن الآية 126 من سورة البقرة.
ويمتلك المتحف مجموعة غنية تضم نحو ستة وثلاثين ألف قطعة مسجلة، تمتد من العصر الحجري القديم والمتوسط إلى العصور الكالكوليتية والبرونزية والحديدية، مروراً بالفترات الآشورية والأورارتية والهلنستية والرومانية والبيزنطية والإسلامية بمختلف مراحلها، وصولاً إلى القطع الإثنوغرافية المحلية. وكثير من هذه القطع جاء من حفريات إنقاذية مهمة في مواقع مثل كورتيك تيبي وتشايونو وحاكمي أوسى وغيرها في محيط ديار بكر.
ولمن يزور المجمع، تكتمل التجربة بزيارة متحف منزل أتاتورك داخل المنطقة نفسها، ثم الجلوس في مقهى المتحف لتذوق شراب الريحان مع إطلالة بانورامية على بساتين هفسيل. وعلى مقربة مباشرة يقع مسجد سليمان عليه السلام وقبور سبعة وعشرين من الصحابة، بينما لا يبعد الجامع الكبير (أول جامع في الأناضول ويُعد خامس الحرمين الشريفين لدى البعض) سوى خطوات قليلة، ويقابله خان حسن باشا الشهير الذي يُفضل كثيرون تناول الإفطار فيه.
وقبل مغادرة ديار بكر، ينصح الزوار بتذوق طبق الكبد المحلي الشهير، ليكتمل اللقاء مع المدينة بكل حواسها.
بهذا التكامل بين الآثار والحياة اليومية والطبيعة، يقدم مجمع متحف ديار بكر في إيتش كاله نموذجاً نادراً للمتحف المفتوح الذي لا يفصل الماضي عن الحاضر، بل يجعل التاريخ جزءاً حياً من نسيج المدينة وذاكرتها الجماعية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!









