
ترك برس
يطرح الأكاديمي والكاتب التركي سليمان سيفي أوغون، في مقاله بصحيفة "يني شفق"، تساؤلاً جوهرياً حول مستقبل المملكة المتحدة، في أعقاب إعلان رؤساء وزراء ويلز واسكتلندا وأيرلندا الشمالية في كارديف مذكرة تفاهم تطالب بالانفصال وتدعو وستمنستر إلى تسهيل الخطوات الدستورية اللازمة.
ويصف أوغون هذا الإعلان بـ"القنبلة"، مشيراً إلى أنه يمثل المرة الأولى التي تجتمع فيها مكونات المملكة الثلاثة بهذا الشكل الحاد لتحدي وجود الاتحاد، رغم أن أصوات الانفصال كانت تتردد بين الحين والآخر، خاصة من اسكتلندا التي شهدت استفتاءً عام 2014 خسر فيه الانفصاليون بفارق ضئيل.
يحذر الكاتب من الاندفاع في تفسير الحدث على أنه انهيار وشيك للمملكة. ويرى أن التسرع في إصدار أحكام من هذا القبيل يغفل حقيقة أن الخلفية الاجتماعية والسياسية للمذكرة ليست بالعمق الذي يُظن. فالجمع بين الأطراف الثلاثة مرتبط بصعود أحزاب قومية إلى السلطة، لكن التصويت لهذه الأحزاب لا يعني بالضرورة أن الناخبين سيؤيدون الانفصال في استفتاء.
ويؤكد أوغون أن النزعات الانفصالية ليست متساوية القوة: ففي اسكتلندا لم تتجاوز نسبة التأييد للاستقلال 50% في استطلاعات الرأي، بينما تبقى النسب في ويلز وأيرلندا الشمالية أدنى بكثير. وبالتالي، فإن أي استفتاء محتمل في ويلز أو أيرلندا الشمالية يحمل مخاطر عالية بالهزيمة للانفصاليين، بينما يتطلب الاستفتاء في اسكتلندا موافقة لندن، وقد رفض رئيس الوزراء البريطاني أندي بورنهام (من أصل اسكتلندي) المذكرة معتبراً إياها غير مقبولة.
مع ذلك، يشدد أوغون على أن تجاهل أهمية الحدث خطأ لا يقل خطورة عن المبالغة فيه. ويضع الأمر في سياق أوسع، معتبراً أن البنى الوطنية في معظم أنحاء العالم تواجه مخاطر مشابهة، وأن هذه المخاطر أعلى في أوروبا. ويعزو ذلك إلى الجذور الثقافية العميقة للقارة، التي يراها كامنة في ألف عام من الإقطاع أكثر مما هي في التراث اليوناني-الروماني الذي تؤكده الأيديولوجيا الحداثية.
فالهوية الأوروبية الحديثة، برأيه، تُنكر "العصور المظلمة" بوصفها عارضاً، بينما بقيت الجينات الثقافية الأوروبية إقطاعية في جوهرها، مما يفسر سيطرة الهويات المحلية. وقد اصطدمت ديناميات الرأسمالية، القائمة على التمركز والتوحيد، بهذه الميراث الإقطاعي، فكانت عمليات التوحيد الوطني في أوروبا مؤلمة ودموية، وكثيراً ما بقيت على مستويات فدرالية تحافظ على خطوط الصدع الإقطاعية.
يمتد تحليل أوغون إلى دور العولمة، التي يصفها بأنها عملية سهلت هروب رأس المال من الغرب، فأفرزت ديالكتيكياً الهويات المحلية. ويرى أن المصطلح "المحلي-العالمي" (غلوكاليزيشن) لم يكن سوى محاولة نظرية لتغطية هذا التناقض. فعندما ينتقل رأس المال، يترك وراءه "صحارى"، تنمو فيها الهويات القبلية: اللومبارديون في شمال إيطاليا، والكاتالونيون في برشلونة، والباسكيون في بيلباو، والويلزيون في كارديف، والاسكتلنديون في إدنبرة.
والمسألة الأساسية اقتصادية: حيث تتفكك الاقتصادات، تحل المصالح والهويات المحلية محل الهويات الجامعة. كما أعادت العولمة هيكلة رأس المال نفسه، فاستولى على أصول العالم وقطع قنوات إعادة التوزيع، مما أنتج تفاوتاً عالمياً هائلاً. ونتيجة لذلك، تحرك ملايين "بدو الصحراء" (ضحايا العملية) في هجرة شعوب حديثة من الأطراف إلى المركز، فأثارت الهويات المحلية مقاومة عبر العداء للأجانب.
يخلص أوغون إلى أن المناخ الاجتماعي والثقافي الحالي بات مشحوناً ضد الداخل والخارج معاً، وأن السياسات تُبنى اليوم على هذه التوترات، حيث تهيمن ردود الفعل "ما قبل السياسية" التي كانت تُحتقر سابقاً. وفي هذا الإطار، يبدو العالم متحضراً في مظهره الخارجي، بينما تسود البدائية في جوهره. ويترك الكاتب القارئ أمام تساؤل مفتوح: هل سيكون المؤرخون المستقبليون قادرين على كتابة تاريخ هذه المرحلة دون سخرية؟
يعزز هذا التحليل واقعاً سياسياً ملموساً، حيث وقّع قادة الحزب الوطني الاسكتلندي و"بليد كيمري" و"شين فين" مذكرة في كارديف منتصف سبتمبر 2026، معلنين أن "زمن وستمنستر يقترب من نهايته"، ومطالبين الحكومة البريطانية بالاستعداد للتغيير الدستوري.
ويأتي ذلك في وقت يقود فيه أندي بورنهام الحكومة في لندن، وسط استطلاعات تظهر دعماً متقارباً للاستقلال في اسكتلندا، ونسباً أدنى بكثير في ويلز وأيرلندا الشمالية، مما يؤكد حذر أوغون من المبالغة في قراءة الحدث، مع الإقرار بأهميته كمؤشر على تصدعات عميقة في بنية الاتحاد.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











