
ترك برس
يشهد اليمن اليوم تحولاً جديداً يعيده إلى صدارة المشاهد الجيوسياسية في المنطقة، ليس بوصفه مجرد أزمة محلية قديمة، بل كحلقة مركزية في شبكة أوسع من التوترات التي تربط بين أمن الممرات البحرية والطاقة والنفوذ الإقليمي. هذا التحول ليس وليد اللحظة، بل امتداد لمسار طويل من الانقسامات الداخلية والصراعات على السلطة، أعاده تطورات السنوات الأخيرة إلى واجهة المعادلة الأمنية الدولية.
وفي مقال نشرته صحيفة ستار، يتناول الكاتب التركي محمد يالتشين يلماز هذه الديناميكيات، مستنداً إلى تحليل يربط بين مسار الحرب اليمنية ومواقف الرياض وأبوظبي وطهران، وصولاً إلى تداعيات ما بعد السابع من أكتوبر على أمن الممرات الحيوية.
لطالما عانى اليمن من انقسامات مزمنة بين الشمال والجنوب، ومن تباينات مذهبية، ومن ضعف السلطة المركزية. وفي هذا السياق، تمكن الحوثيون من تعزيز نفوذهم في الشمال، حتى سيطروا على العاصمة صنعاء عام 2014. رأت المملكة العربية السعودية في هذا التطور تهديداً مباشراً لحدودها الجنوبية، معتبرةً أن تنامي قوة جماعة قريبة من إيران يشكل خطراً استراتيجياً، فأطلقت تدخلاً عسكرياً في عام 2015. غير أن الحرب لم تسر وفق التوقعات السعودية؛ إذ لم يُقضَ على الحوثيين، بل تحولوا تدريجياً إلى فاعل أقوى يمتلك قدرات متقدمة في مجال الصواريخ والمسيّرات والهجمات البحرية. ومع طول أمد الصراع وارتفاع تكلفته، بدأت الرياض تبحث عن سبل للخروج من المستنقع اليمني.
يؤكد الكاتب التركي في مقاله أن الروايات المذهبية الشائعة لا تكفي لفهم جوهر الصراع. فما يُقدَّم في كثير من الأحيان على أنه توتر طائفي داخل العالم الإسلامي هو في حقيقته صراع على السيادة والنفوذ. فإذا نجحت السلطات المركزية في بناء نظم عادلة، فإن التوترات المذهبية تفقد كثيراً من وقودها الاصطناعي. أما حين تسيطر نخب ملكية أو أنظمة وصلت إلى السلطة عبر انقلابات، فإن الجماعات الأقلية تصبح عرضة بطبيعتها للتدخلات الخارجية. ويحذر الكاتب من أن استمرار هذا الملف دون حل قد يؤدي إلى تصدعات أعمق في منطقة الخليج.
بعد عام 2022 تراجعت حدة القتال نسبياً، ثم فتحت مبادرة التطبيع بين إيران والسعودية برعاية صينية في 2023 باباً لمرحلة جديدة. كانت الرياض تأمل أن ينعكس هذا التهدئة على الجبهة اليمنية أيضاً. غير أن دور الإمارات العربية المتحدة في الساحة اليمنية لا يمكن إغفاله؛ إذ ينبغي قراءة موقفها اليوم في ضوء دورها في اتفاقيات إبراهيم ومسار I2U2، وفي حوارها مع تل أبيب ضمن ما يُعرف بمسار الهند-إبراهيم. هذه الروابط تشكل مفتاحاً لفهم أبعاد الأزمة الحالية.
أما الاحتمالات الدبلوماسية التي دعمتها بكين بين طهران والرياض، فقد تبددت مع اندلاع الحرب بعد السابع من أكتوبر، وتحول الصراع إلى مواجهة أوسع شملت إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. كان من المستحيل ألا يمتد تأثير هذه الحرب إلى كامل المنطقة. فإيران عززت قدرتها على الضغط عبر مضيق هرمز، بينما أصبح الحوثيون أكثر فعالية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ليدخل بذلك الخليج العربي والبحر الأحمر في معادلة أمنية واحدة.
باب المندب ليس مجرد مضيق ضيق مقابل سواحل اليمن؛ إنه أحد أهم الممرات التي تصل سفن المحيط الهندي إلى البحر الأحمر ثم عبر قناة السويس إلى شرق المتوسط وأوروبا. وإذا لم يكن هذا الخط آمناً، تضطر السفن إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، ما يرفع تكاليف الوقود والنقل والتأمين. والمشكلة الأعمق تكمن في تعرض مضيق هرمز وباب المندب للضغط في آن واحد. فقد خططت السعودية والإمارات لتجاوز الاعتماد الكلي على هرمز عبر خط أنابيب شرق-غرب ينقل النفط إلى موانئ البحر الأحمر. لكن إذا أصبح خروج البحر الأحمر نفسه غير آمن، فإن البديل يتحول هو الآخر إلى مصدر خطر، ويصبح من المستحيل الاستعاضة عن مضيق بآخر.
مع امتداد الحرب إلى خطوط نقل الطاقة والموانئ والمنشآت النفطية وممرات التجارة، تتلاشى حدود الجبهات. صار صاروخ يُطلق من اليمن قادراً على التأثير لا على السعودية فحسب، بل على أسعار الطاقة في أوروبا وعلى التجارة بين آسيا وأوروبا. هذا الواقع يضع دولاً مثل تركيا وباكستان والصين أمام معادلة دقيقة. فتركيا وباكستان تقدمان دعماً لأمن السعودية، لكن الدخول المباشر في الحرب اليمنية يحمل مخاطر أخرى قد تؤثر على تجارة تركيا في البحر الأحمر وعلى وجودها في الصومال والقرن الأفريقي وعلى علاقاتها الإقليمية. لذا يُنتظر من اتفاقيات مكة أن تلعب دوراً رادعاً يضبط الأطراف، وأن تُبنى التعاونات الدفاعية والأمنية على أساس المصالح الوطنية لا على توسيع الأزمات.
أما الصين، بوصفها مستورداً كبيراً للطاقة، فتسلك مساراً مختلفاً. أولويتها الحفاظ على تدفق مصادر الطاقة الخليجية وبقاء ممرات التجارة بين آسيا وأوروبا مفتوحة. ولذلك تعود إلى التأكيد على الدبلوماسية وقنوات الوساطة، كما فعلت سابقاً في التطبيع الإيراني-السعودي.
يرى الكاتب محمد يالتشين يلماز أن إيران ومضيق هرمز واليمن وباب المندب لم تعد عناوين منفصلة. فالحروب باتت تترابط عبر خطوط اللوجستيات وممرات الطاقة والمضائق البحرية. وفي المرحلة المقبلة، لن يكون السؤال الجوهري عن أي مدينة يسيطر عليها أي طرف، بقدر ما سيكون عن اتجاه التنافس على الموانئ وممرات الطاقة. ويحذر في الوقت نفسه من أن اندلاع حروب مذهبية دموية داخل الدول الإسلامية قد يؤدي إلى تصدعات أعمق بكثير مما نشهده اليوم.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











