
ترك برس
في تحليل نشره على موقع «إندبندنت تركية»، يرى الكاتب مسعود داغر، النائب السابق عن ديار بكر، أن الحرب في اليمن لم تعد صراعاً محلياً يقتصر على حدود البلاد. فالصراع هناك يتقاطع مع أمن الخليج، ونفوذ الحوثيين وإيران، ومصالح الصين وروسيا المتزايدة الظهور. وفي وسط هذه المعادلة المعقدة تقف تركيا كلاعب غير مشارك مباشرة في القتال حتى الآن، لكنها تواجه سؤالاً استراتيجياً حاسماً: ماذا ستفعل أنقرة في اليمن، وإلى أي مدى ستذهب؟
يشير داغر إلى أن أمام تركيا مسارين مختلفين تماماً. الأول يعتمد على أمن الملاحة البحرية، والحفاظ على طرق التجارة مفتوحة، والمساعدات الإنسانية، والمبادرات الدبلوماسية. أما الثاني فيقوم على استخدام القوة البرية، والتحرك المشترك مع السعودية، واتخاذ موقف عسكري مباشر ضد الحوثيين. والفرق بين المسارين ليس عسكرياً فحسب، بل جيوسياسي بامتياز، لأنه سيؤثر على علاقات تركيا بإيران والصين وروسيا ودول الخليج على المدى الطويل.
ويرى الكاتب أن التطورات على سواحل البحر الأحمر تضفي على المسألة أهمية حاسمة. فتقدم الحوثيين في المناطق الاستراتيجية وزيادة نفوذهم حول باب المندب ينقلان الصراع من كونه يمنياً محلياً إلى قضية عالمية. فباب المندب ليس مجرد منفذ بحري لليمن، بل أحد أهم نقاط عبور التجارة البحرية والطاقة وسلاسل التوريد بين آسيا وأوروبا. ولهذا فإن أي تطور عسكري هناك يتردد صداه في الاقتصاد العالمي.
إيران والصين: مصالح متقاطعة لا تحالف واحد
يؤكد داغر أن العلاقات بين إيران والصين اكتسبت بعداً استراتيجياً في السنوات الأخيرة، خاصة بعد بدء تنفيذ خطة التعاون الشامل لمدة 25 عاماً في 2021، التي تشمل الطاقة والبنية التحتية والتجارة. غير أنه يحذر من افتراض أن البلدين يتحركان بالدوافع نفسها في اليمن. فإيران تركز على توازن القوى الإقليمي ومقاومة المحور الأميركي-السعودي، بينما تهتم الصين أساساً بأمن طرق التجارة وتدفق الطاقة والملاحة البحرية.
ويضرب مثالاً على براغماتية بكين بمحاولاتها المباشرة عام 2026 للتواصل مع الحوثيين لضمان مرور آمن لناقلات النفط المرتبطة بالصين عبر البحر الأحمر. فالصين لا تختار طرفاً أيديولوجياً بقدر ما تحمي مصالحها الاقتصادية. ومن هنا يرى داغر أن بكين لا تريد إغلاقاً كاملاً لطرق التجارة، بينما تحرص إيران على ألا تتحول تركيا إلى جزء من بنية أمنية عسكرية تتمحور حول السعودية. ورغم عدم تطابق المصالح تماماً، فإن البلدين قد يتوافقان على إبقاء مسافة من أي تورط تركي واسع النطاق في حرب برية.
ويخلص الكاتب إلى أن هذا التقاطع يفتح أمام تركيا مساحة دبلوماسية مهمة. فإذا اختارت أنقرة التركيز على أمن الملاحة والمساعدات الإنسانية والحلول السياسية، فسيكون من الأصعب على إيران اعتبارها تهديداً مباشراً، بينما يمكن للصين أن تراها فاعلاً يساهم في استقرار طرق التجارة. أما إذا دخلت تركيا حرباً برية مباشرة ضد الحوثيين، فإن الصورة ستتغير جذرياً.
خيار الحرب البرية يغير المعادلة
يحذر داغر من أن إرسال قوات برية تركية إلى اليمن لن يعني مجرد قتال الحوثيين، بل قد يُفسر من قبل إيران كتحرك ضد نفوذها الإقليمي. وحتى الصين، رغم عدم مشاركتها العسكرية، ستتضرر من أي تصعيد يزيد من زعزعة استقرار طرق التجارة والطاقة في البحر الأحمر.
ويدخل العامل الروسي إلى المعادلة أيضاً. فالاتفاق الاستراتيجي الشامل بين روسيا وإيران في يناير 2025 يعكس علاقة تتجاوز المصالح المؤقتة. ومع ذلك، يرى داغر أن موسكو لا تتحرك وفق رغبات طهران فقط. فروسيا لديها حساباتها الخاصة: استنزاف القدرات الأميركية في المنطقة قد يخدمها، بينما فقدان إيران الكامل قد يضعف موقعها. كما تهتم موسكو باستقرار طرق التجارة حول البحر الأحمر بسبب روابطها الآسيوية والاقتصادية العالمية.
ويستشهد الكاتب بالواقعية الكلاسيكية لهانس مورغنثاو ليؤكد أن سلوك الدول تحدده حسابات القوة والأمن والمصلحة الوطنية أكثر من القرب الأيديولوجي. لذا يجب قراءة موقف روسيا من خلال توزيع القوى الذي يخدم مصالحها، لا من خلال أي طرف تفضله عاطفياً.
تركيا في مواجهة أربع توقعات متباينة
يلخص داغر التوقعات الأربعة المحيطة بتركيا: إيران لا تريد أن تتحول أنقرة إلى امتداد عسكري سعودي، والصين تحرص على عدم تحول البحر الأحمر إلى ساحة حرب أوسع، وروسيا ترفض زيادة غير محدودة للنفوذ الأميركي، والسعودية تريد وقف الهجمات على أراضيها وحماية أمنها. وتحقيق هذه التوقعات كلها في آن واحد صعب، لكن ميزة تركيا تكمن تحديداً في قدرتها على التحدث مع الرياض وطهران وموسكو وبكين في الوقت نفسه.
ويرى الكاتب أن القدرة الحقيقية لتركيا ليست في قوتها العسكرية وحدها، بل في قدرتها على الحوار المتزامن مع مراكز قوى مختلفة. فإذا استخدمت هذه القدرة للانضمام إلى تحالف عسكري، ستضيق مساحة حركتها. أما إذا وظفتها في الدبلوماسية الإقليمية وأمن الملاحة والحلول السياسية، فستعزز نفوذها.
الدبلوماسية قبل الجنود
يؤكد داغر أن الخطوة الأكثر استراتيجية لتركيا قد لا تكون استخدام قدرتها العسكرية، بل تفعيل قدرتها الدبلوماسية. ويحذر من اختزال اليمن في صراع بين «حوثيين مدعومين من إيران» و«أمن سعودي»، مستشهداً بنقد إدوارد سعيد للاستشراق الذي يختزل الشرق الأوسط في تهديدات ومذاهب. فليمن تاريخه وبنيته الاجتماعية والسياسية الخاصة، وعلى تركيا أن تعمل على تهيئة أرضية دبلوماسية لحل سياسي بدلاً من مجرد اختيار طرف بين فاعلين إقليميين كبيرين.
ويستعين بمنظور جيوفاني أريغي حول الرأسمالية التاريخية ليؤكد أن الصراع في البحر الأحمر ليس عسكرياً فحسب، بل يتعلق بطرق الدورة الاقتصادية العالمية: نقل الطاقة، والموانئ، والتجارة البحرية، وتكاليف التأمين، وسلاسل التوريد. فأي توتر في باب المندب يؤثر على اقتصادات بعيدة، مما يجعل اليمن قضية أمن قومي تركية مباشرة تتعلق بالاقتصاد والطاقة والتجارة.
حدود تحالف مكة
يشير داغر إلى أن تطوير العلاقات مع السعودية وإدانة هجمات الحوثيين (كما فعلت وزارة الخارجية التركية في 8 أيلول/سبتمبر 2026) أمر طبيعي ومتسق مع السياسة التركية. لكن يجب التمييز بين الدعم الدبلوماسي والمشاركة المباشرة في الحرب. يمكن لأنقرة الدفاع عن أمن السعودية وعن حرية الملاحة دون أن تخوض حرباً برية واسعة نيابة عن الرياض، ودون أن تفقد قدرتها على الحوار مع الأطراف الأخرى.
ويرى أن الدبلوماسية الحقيقية تختبر في القدرة على التحدث مع الخصوم أيضاً. ويعتقد أن تركيا قادرة على الحفاظ على هذا التوازن إذا وضعت الدبلوماسية في مقدمة أدواتها، مع الاحتفاظ بالقدرة العسكرية كخيار احتياطي. أما الدخول في حرب برية واسعة فقد يفقدها جزءاً كبيراً من قنوات التواصل مع الأطراف الأخرى، وهو ما يُعد أحد أهم مزاياها الجيوسياسية.
الخلاصة: المسألة تتعلق بموقع تركيا لا باليمن فقط
في النهاية، يرى مسعود داغر أن ما يحدث في اليمن يطرح سؤالاً أكبر: كيف ستموضع تركيا نفسها في توازنات القوى المتغيرة في القرن الحادي والعشرين؟ هل ستصبح جزءاً من بنية أمنية أميركية أو خليجية؟ أم ستفضل أن تكون فاعلاً إقليمياً مستقلاً قادراً على الحوار مع جميع مراكز القوى وفق مصالحه؟
يجيب الكاتب بأن الخيار الأخير هو الأنسب. فإيران تريد عدم توسع الحرب، والصين تريد بقاء طرق التجارة مفتوحة، وروسيا تريد عدم تغير ميزان القوى لصالح واشنطن بالكامل، والسعودية تريد أمنها. وتركيا قد لا تلبي كل هذه التوقعات دفعة واحدة، لكنها تستطيع استغلال الاختلافات بينها لخلق مساحة دبلوماسية واسعة.
ويختتم بأن الامتحان التركي في اليمن يكمن في الاختيار بين أن تصبح جزءاً من جيش، أو أن تكون فاعلاً يبني عقله الاستراتيجي الخاص في الشرق الأوسط الجديد. فالقوة الحقيقية أحياناً لا تقاس بمدى الصواريخ أو عدد الجنود، بل برغبة الطرفين المتحاربين في التحدث معك.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










