ترك برس

في خضم الأزمات المتراكمة في الشرق الأوسط، يؤكد الجنرال المتقاعد غورسل توكماك أوغلو، الرئيس السابق لدائرة الاستخبارات في القوات الجوية التركية، أن إبقاء اليمن باستمرار في مرتبة ثانوية وعدم التعامل معه كمشكلة من الدرجة الأولى يُعد من أكثر الأخطاء تكلفة على مر السنين. ويشير إلى أن تعطيل التجارة في البحر الأحمر ليس شأناً غربياً فحسب، بل مسألة تمس التجارة العالمية بما فيها الصين. 

ويحذر الكاتب في مقال بموقع إندبندنت تركية من النظر إلى الأمر كحادثة "صغيرة ومحلية" مرتبطة بالحوثيين فقط، معتبراً ذلك غير عقلاني. فقد تدخلت أطراف عدة بين الحين والآخر من منظور مصالحها الخاصة، ثم انسحبت عندما ضاق حسابها. والأصل، برأيه، هو انهيار دولة تراكمت منذ تسعينيات القرن الماضي، مع جذور تاريخية أقدم، وحروب متداخلة وعجز عن إقامة سلطة مركزية. وقد نمت الحرب الأهلية الأساسية في ظل إطار "الوكيل الإيراني".

ويرى الكاتب أن حساب إسرائيل كان بسيطاً نسبياً: وضع الحوثيين في موقع الوكيل الإيراني، وبناء السياسة الإقليمية والعالمية على هذا الرابط. فإسرائيل ليس لها حدود مع اليمن، والبنية اليمنية المضطربة غالباً ما أنتجت لتل أبيب فرصاً أكثر من التكاليف. 

أما الإمارات العربية المتحدة فقد تدخلت لفترة في جنوب اليمن ثم قطعت دعمها، وهي أيضاً لا تملك حدوداً برية مع اليمن. وتُظهر أحداث كانون الأول/ديسمبر 2025 – كانون الثاني/يناير 2026 المتعلقة بمجلس الانتقال الجنوبي، والتدخل الجوي السعودي، وسحب أبوظبي لقواتها، حقيقة "الفاعل غير الجار" مرة أخرى.

ويؤكد توكماك أوغلو أن الدولة التي تحملت تاريخياً ثقل المسألة اليمنية هي المملكة العربية السعودية، حيث تكمن الجوار والتوتر الضمني ورابط الأمن. وقد يكون تخلف البلاد وانهيار بنية الدولة واعتمادها على الدعم المادي والسياسي الذي يمكن أن تقدمه الرياض سبباً عملياً لإبقاء المشكلة في المرتبة الثانية طويلاً. 

غير أن الحوثيين دفعوا الأمر قدماً في اتجاهين: فأصبحوا يهددون وحدة البلاد بصيغة صراع بديلة في الحرب الأهلية اليمنية، ووصلوا بقدراتهم التسليحية والتنظيمية إلى مستوى يتيح لهم ضرب أمن الأرواح والممتلكات السعودية.

ويقر بأن عبارة "المدعوم من إيران" قد تكون تشخيصاً صحيحاً، لكنها لا يجب أن تتحول إلى فهم يقول "إن وُجدت إيران فالأمر موجود، وإن غابت فهو غائب". ويجب قراءة الرابط الحوثي-الإيراني بشكل صحيح، إذ يستغله فاعلون مثل إسرائيل. 

والحقيقة الجلية أن الحرب الأهلية اليمنية بدأت قبل أن تدخل طهران مرحلة سهلة لزيادة نفوذها؛ فقد جاءت طهران لاحقاً، وسلحت الشقوق القائمة، ووسعت القدرات البحرية والصاروخية. ولا ينبغي الخلط بين السبب التأسيسي والسبب المُيسّر.

ويشير الكاتب إلى أن المسألة ليست مجرد ميليشيا وكيلة. فهناك مساران بحريان مترابطان: هرمز وخليج عدن/باب المندب. فمنذ شباط/فبراير 2026 أدى تضييق خط هرمز إلى تحويل النفط السعودي نحو البحر الأحمر وينبع. وفي أيلول/سبتمبر 2026، أدى استيلاء الحوثيين على المخا وجزيرة بريم (ميون) وجزر حنيش إلى وضع المضيق الثاني فعلياً تحت الضغط. 

وفي الأيام نفسها، جاءت الصواريخ والمسيرات على المدن والقواعد السعودية، والغارات الجوية للتحالف على اليمن، وادعاء اعتراض طائرة مسيرة قرب مكة، وتشريد أكثر من مئة ألف شخص، لتثبت انهيار سردية "الأزمة من الدرجة الثانية".

ويكمن مأزق السعودية هنا. فرؤية 2030 والتحول الاقتصادي لا يتوافقان مع حرب استنزاف مستمرة على الحدود الجنوبية. ومن جهة أخرى، فإن فقدان باب المندب وساحل البحر الأحمر يضع صادرات النفط تحت كماشة ثانية في ظل تضييق هرمز أصلاً. 

وابتعاد واشنطن عن التدخل المباشر يترك الرياض معتمدة على قوتها الجوية الخاصة وعلى حلفاء يمنيين مجزأين. وقد زاد التأخير في التقييم الاستخباراتي والميداني – أي عدم قراءة تراكم الحوثيين بما يكفي – من ثقل هذه الصورة.

وتُظهر البدائل المتداولة في الإعلام أن الوضع ينزلق نحو خط آخر. فهناك مشكلة يمنية لا تستطيع السعودية التعامل معها بمفردها. وقد يبدو رأس الدمل مكبوتاً على المدى القصير، لكنه يربط رأس الرياض على المدى الطويل. وقد يواجه التوازن الداخلي الذي أداره ولي العهد بسهولة نسبية حتى الآن ملف الأمن مباشرة من الآن فصاعداً.

ويؤكد توكماك أوغلو أن البحر الأحمر ليس خليجاً محدوداً بعدن. فهو يحمل حركة مرور ثنائية الاتجاه غرباً عبر السويس وشرقاً في الاتجاه المعاكس. والدولة على الضفة الأخرى هي مصر. وطلب إدارة قناة السويس عبر العصور من قبل قوى متغيرة ليس مصادفة؛ فالقناة طريق تجارة وأداة سلطة في آن. لذا يطرح السؤال: هل تستطيع الإدارة المصرية الحالية التحرك المشترك مع السعوديين بشأن أمن البحر الأحمر؟

وإذا أرادت بريطانيا وفرنسا وأميركا وباقي الفاعلين الغربيين، إلى جانب الصين وروسيا والهند ودول آسيا البحرية الأخرى، دفع خططها على هذا الخط، فإن الأرضية التي يلتقي عليها القاهرة والرياض تتحدد تلقائياً. والشراكة لا تحتاج أن تكون تحالفاً أيديولوجياً؛ فحسب إيرادات القناة والبوابة الثانية لصادرات النفط وأمن السواحل ونزول منافسة القوى الكبرى إلى مياهها يكفي.

ويُعرف أن الحرب الإقليمية اتسعت بتوجه الولايات المتحدة وإسرائيل نحو إيران. وواشنطن وتل أبيب تُقدمان الآن ملف هرمز وإيران. أما اليمن والبحر الأحمر فيبقيان بالنسبة إليهما في المرتبة الثانية. وهذا الفراغ يضع السعودية ثم مصر مباشرة في مركز المسألة. فالأولى جارة برية ومصدرة للطاقة، والثانية حارسة القناة. وإذا خسرتا الخط، فإن التكلفة تُكتب مباشرة على استقرار نظاميهما ودخلهما الوطني.

ولا ينبغي اختزال هذه الصورة في معادلة كلاسيكية "تُشكل تحالفاً وتُحرز نصراً". فتجنب الولايات المتحدة استخدام القوة المباشرة ضد الحوثيين، وإغلاق إسرائيل إطار الوكيل على إيران، وانسحاب الإمارات من جنوب اليمن، كلها تترك الرياض وحيدة. والقوة الوحيدة إما تبحث عن نظام بحر أحمر محدود مع مصر قائم على المصالح، أو تصبح مفتوحة لفرض القوى الكبرى خططها. والطريق الثاني أقرب إلى مصير السويس التاريخي وإلى فراغ الدولة في اليمن.

ويجب قراءة خيار انعكاس الحل على دول معينة في إطار محدد استراتيجياً جيداً، سواء للفاعلين الغربيين والآسيويين أو لأولئك الذين ما زالوا في حرب مع إيران. وهنا ينفصل الرابحون الحقيقيون عمن يضعون أيديهم تحت الحجر.

والخلاصة أن اليمن ذاته وتفاقم النزاع السعودي-اليمني لم يعودا مسألة الشرق الأوسط أو شبه الجزيرة العربية فحسب. إنه تغيير في الوضع يؤثر على التوازنات الإقليمية والعالمية – الطاقة والشحن وموثوقية التحالفات وتكلفة حرب الوكالة. واختزال الحوثيين في ظل إيران، أو اعتبار خطوة الإمارات الجنوبية حلاً دائماً، أو قبول إطار الوكيل الإسرائيلي كمفتاح تحليلي وحيد، تكرار للخطأ نفسه.

فبينما يُمسك بهرمز من جهة، يُنتج باب المندب-البحر الأحمر-السويس من الجهة الأخرى مراكز دوله الخاصة. وهذا المركز اليوم هو السعودية ومصر. فالفاعل الجار الذي يحمل أمن الحدود ويدفع فاتورة انهيار الدولة مباشرة هو السعودية؛ وحارسة القناة هي مصر. وما إذا كانتا ستتحركان معاً يعتمد، قبل خطة القوى الكبرى، على ما إذا كانت الدولتان تريان حساب أمنهما ودخلهما على الخريطة نفسها.

ويفترض الكاتب أنه حتى لو ضُرب الحوثيون بطريقة ما – وهو ما يبدو مطلوباً – فماذا بعد؟ من سينهي الحرب الأهلية في اليمن؟ وإلى أي مدى الشعب اليمني مستعد للنهوض؟ أم أن الإدارة ستتم بطريقة أخرى مستترة؟ فاليمن جغرافياً ليس بلداً صغيراً وله مشاكل عميقة جداً. ويرى أنه لو سُئل ترامب لقال "اضربوا أنتم وأنا أعين والياً"، لكن هذا وضع شوهد كثيراً في التاريخ ونتيجته معروفة. فأين الأمم المتحدة؟ غائبة مجدداً والنقاشات حولها مستمرة.

هذه الحروب الأهلية والفاعلون من غير الدول وحرب الوكالة والإرهاب في هذا العصر عند هذه النقطة الاستراتيجية! هناك مسألة إعادة ترتيب توازن القوى في جغرافيا لم تُقم فيها سلطة، وهذا أمر مهم. وبدون سحب اليمن إلى الدرجة الأولى لا يكتمل أمن البحر الأحمر ولا استقرار السعودية ولا مستقبل السويس ولا القراءة الاستراتيجية لخط هرمز-باب المندب. لكن كيف ومن يجعله مرئياً؟

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!