
يحيى بوستان - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
تبدأ اليوم أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. هل هي مهمة؟ نعم، مهمة. لكن هذه الأهمية لا تكمن في النقاشات المتعلقة بمستقبل الأمم المتحدة. فقد تأسست الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وصُممت بطريقة تتيح للدول المنتصرة في الحرب التحكم في النظام العالمي أو إدارة الأزمات عبر مجلس الأمن. إنها مؤسسة تنتمي إلى النظام القديم (الحرب الباردة)، وقد فقدت وظيفتها. فلا يكاد يُسمع لها صوت اليوم، لا في أوكرانيا، ولا في غزة، ولا في الحرب على إيران. نحن نعرف المشكلة الأساسية: بنية مجلس الأمن المؤلفة من خمسة أعضاء دائمين، وحق النقض (الفيتو) الذي يتمتعون به. وكان طرح الرئيس أردوغان «العالم أكبر من خمسة» موجهًا ضد هذه الآلية غير العادلة. وفي المرحلة الراهنة، يرى عدد أكبر من القادة، بمن فيهم رئيس الوزراء الهندي مودي والرئيس الفرنسي ماكرون، ضرورة إصلاح بنية مجلس الأمن.
لكن للعملة وجهًا آخر. فعلى الرغم من فقدان الأمم المتحدة وظيفتها، فإن افتتاح دورات الجمعية العامة يمثل منصة تحظى باهتمام القادة. وذلك لأن منبر الأمم المتحدة يؤدي غرضًا يتمثل في إيصال الأطروحات الوطنية إلى العالم بأسره، والتأكيد على القضايا الحساسة. كما توفر اجتماعات افتتاح الجمعية العامة أرضية مناسبة جدًا لحركة الاتصالات الدبلوماسية. ويحوّل الرئيس أردوغان، ولا سيما «البيت التركي» الواقع قبالة مقر الأمم المتحدة مباشرة، إلى مركز تُجرى فيه اللقاءات الدبلوماسية. ونحن نعرف الأولويات الاستراتيجية التي ستركز عليها أنقرة خلال هذه اللقاءات:
ترامب يريد السلام في أكتوبر
أولًا. تحقيق السلام في أوكرانيا في أقرب وقت ممكن، وإرساء الأمن في البحر الأسود. قدمت أنقرة للأطراف صيغة تتعلق بأمن الملاحة في البحر الأسود (مسار ذي ممرين)، لكن المؤشرات سلبية. فقد ابتعد ترامب عن روسيا بعد قمة الناتو في أنقرة. ونفهم ذلك أيضًا من العقوبات الأخيرة التي أُعلن عنها. لكنه يضغط كذلك من أجل السلام في أوكرانيا (ويريد أن تقبل كييف الشروط التي طرحتها روسيا على الطاولة خلال المفاوضات في إسطنبول). ويستمر الصراع في التصاعد. سمعت أن... «ترامب يضغط من أجل توقيع اتفاق سلام في أوكرانيا خلال شهر أكتوبر. لأنه لن يتمكن من إغلاق الملف الإيراني قبل نوفمبر. وهو بحاجة إلى تحقيق نجاح. وقد تطرح قمة ثلاثية على جدول الأعمال خلال الشهر المقبل».
ثانيًا. إنهاء الأزمة الإيرانية. لكن الصراع ينتشر. إذ تنتقل الأزمة من مضيق هرمز إلى باب المندب. وكانت التحذيرات التي وجهتها الولايات المتحدة خلال الأيام الأخيرة إلى مواطنيها في المنطقة لافتة للانتباه. كان الجميع يتوقع هجومًا على إيران، لكن تقريرًا لصحيفة «نيويورك تايمز» كشف أن الموضوع يتعلق باليمن: فقد كان ترامب يخطط، على ما يبدو، لشن هجوم على الحوثيين في اليمن يوم الأحد، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة. إن انتقال الصراع من هرمز إلى باب المندب، أي تحوله من البعد الأمريكي-الإيراني إلى البعد السعودي-الإيراني، من شأنه أن يريح الولايات المتحدة. ولهذا السبب يبتعد ترامب عن المواجهة (وربما أيضًا لإقناع السعوديين باتفاقيات إبراهيم). وفي غضون ذلك، استهدف الحوثيون للمرة الثانية خط أنابيب النفط السعودي الممتد من الشرق إلى الغرب. ولم تتخذ الرياض حتى الآن أي خطوة لإصلاح خط الأنابيب. ومن المرجح أن يؤدي أي تأخير في هذا المجال إلى الإضرار بالأسواق الأوروبية أيضًا (إذ لن يكون من الممكن شحن النفط إلى المصافي الأوروبية في أكتوبر). وقد يدفع هذا المشهد الدول المعنية إلى اتخاذ خطوات في البحر الأحمر.
القضية الأكثر سخونة: سوريا وإسرائيل
ثالثًا. توجد ملفات عديدة مفتوحة على طاولة أنقرة (معضلة إس-400 وإف-35، والسلام بين أذربيجان وأرمينيا، وقبرص وجزر بحر إيجه، ونقل النموذج الصومالي إلى بعض الدول الإفريقية الأخرى، وغيرها). لكن القضية الأكثر سخونة هي سوريا، والمشكلة الإسرائيلية المرتبطة بها.
دخل التوتر التركي-الإسرائيلي المرتكز على سوريا مرحلة جديدة مع هجوم أبو الظهور الذي وقع في 18 أغسطس/آب. وتحاول إسرائيل، مع اقتراب الانتخابات، تضخيم «تصور التهديد التركي» في الداخل. ويصعد نتنياهو إلى جبل الشيخ المحتل، ويلقي خطابًا بعنوان «كلمة إلى الأمة». لكن الانتخابات ليست القضية الوحيدة. فقد انعكس الموضوع أيضًا على مجلس الأمن الدولي. لقد قرأنا تصريحات الممثل الدائم لإسرائيل لدى الأمم المتحدة، دانون، التي استهدف فيها تركيا والوجود العسكري التركي في سوريا خلال جلسة مجلس الأمن المخصصة لسوريا. كما قرأنا رد الممثل الدائم لتركيا لدى الأمم المتحدة، أحمد يلديز، عليه. وقال يلديز إن الوجود التركي في سوريا يأتي بناءً على دعوة من الإدارة السورية في دمشق، وفي إطار التعاون بين البلدين. ولم يتمكن دانون من الرد على تذكير الصحفيين له بأن «الحكومة السورية لا تنزعج من الوجود العسكري التركي، لكنها تعتبر إسرائيل قوة احتلال». إن إسرائيل، بنقلها إلى مجلس الأمن نقاشًا لا تمتلك فيه حقًا، تسجل هدفًا في مرماها.
هل تُنفذ أعمال تخريب في المستودعات؟
نعلم أن الولايات المتحدة تضغط على إسرائيل بشأن سوريا. فواشنطن لا تريد أن تتضرر «استثماراتها» في سوريا. ومن المفترض أن يكون مستوى الضغط قد ارتفع مع هجوم أبو الظهور. ومنذ ذلك التاريخ، طرأ تغير على الخطاب الإسرائيلي. فهم لا يستهدفون سوريا و«الشرع» بشكل مباشر. لكنهم لم يتخلوا عن سياساتهم. وبعد خسارتهم عنصر «قسد»، حوّلوا تركيزهم إلى السويداء (وقد انعكس في وسائل الإعلام المحلية، خلال عطلة نهاية الأسبوع، نقل أسلحة بالمروحيات إلى الجماعات الانفصالية في السويداء). وبالتزامن مع ذلك، وعلى الرغم من أنهم لا ينفذون هجمات علنية خلال الأيام الأخيرة، فقد كثفوا أيضًا عملياتهم السرية في سوريا.
في 9 سبتمبر/أيلول، وقع انفجار كبير في مستودع للذخيرة في إدلب. وكان التعليق الأولي على النحو الآتي: «قد يكون عملًا تخريبيًا، لكن من الممكن أيضًا أن يكون الانفجار ناجمًا عن الظروف الجوية وظروف التخزين». إلا أنه بعد ذلك، وقع انفجار في دُمير بريف دمشق، ثم في دير الزور يوم 18 سبتمبر/أيلول، وأيضًا صباح أمس في منشأة عسكرية/مستودع للذخيرة في حلب. والآن بات هناك اعتقاد قوي بأن هذه الانفجارات أعمال تخريب. ولا شك أيضًا في أن إسرائيل هي الجهة المسؤولة عنها. ومن المرجح أن تكون تل أبيب تقول لواشنطن: «نحن نستهدف الوجود العسكري الذي قد يشكل تهديدًا لنا، وليس استقرار سوريا أو اقتصادها». لكن هل يقتنع الأمريكيون بذلك؟ لا أعتقد.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













