ترك برس

يطرح غورسل توكماك أوغلو، الرئيس السابق لدائرة الاستخبارات في القوات الجوية التركية، أطروحة مركزية يلخّصها في جملة واضحة: «لا يوجد نصر كلاسيكي، بل تغيّر في الوضع الاستراتيجي». فما يحدث اليوم، بحسب قراءته، هو إعادة تموضع لتوازن القوى والممرات والتحالفات والإدراكات، وليس انتصارات على طريقة عام 1945.

ويذكّر الكاتب بأنه طرح هذه الأطروحة منذ بداية الحرب الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية، وطبقها لاحقاً على التدخل الأميركي في فنزويلا، وعلى الحرب الأوكرانية-الروسية، وحتى على ملف غرينلاند الذي أثاره الرئيس دونالد ترامب. ويؤكد أن التحليلات الاستراتيجية المقبلة يجب أن تنطلق من هذا المنظور: رصد تغيّر الوضع الاستراتيجي لا البحث عن منتصر تقليدي.

ويقدّم توكماك أوغلو، في مقال بموقع إندبندنت تركية، تسعة أمثلة من الفترة الراهنة ليبرهن أن السؤال «من فاز؟» مضلّل، وأن السؤال الصحيح هو: أي فاعل حصل على أي ممر، أو حق فيتو، أو استمرارية؟

في غرينلاند، أُعلن في 18 أيلول/سبتمبر عن اتفاق أمني بين الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند، يُتوقَّع توقيعه خلال أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة. لا تنازل عن أراضٍ، والدنمارك ونوك يؤكدان السيادة وتقرير المصير، بينما تتحدث واشنطن عن «سيطرة أمنية دائمة» وتوسيع القواعد وحقوق الطيران وحظر القواعد أو الاستثمارات الصينية والروسية. هذا ليس فتحاً كلاسيكياً، بل نسخة مشدّدة ومفتوحة الأجل من ترتيب 1951: يُقفل الممر القطبي والمعادن وعمق الدفاع عن أميركا الشمالية لصالح واشنطن، بينما تبقى السيادة على الورق للدنمارك.

أما في جيبوتي، فتُظهر صور الأقمار الصناعية التي حلّلها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في 17 أيلول/سبتمبر أن قاعدة جيش التحرير الشعبي الصيني شهدت منذ منتصف 2024 إضافة أبراج اتصالات وأقمار صناعية وشبكة 5G وقباب رادار. الهدف لم يعد لوجستياً فحسب، بل بناء عقدة قيادة وسيطرة واستخبارات على محور البحر الأحمر وعدن والشرق الأوسط. ومع تضييق مضيق هرمز وتصاعد التوتر الأميركي-الإيراني، ارتفعت قيمة هذه القاعدة. الصين لا تعلن «نصراً»، لكن الوضع تغيّر: بكين زرعت طبقة مراقبة وقيادة دائمة بجوار القواعد الأميركية والفرنسية واليابانية.

وفي اليمن، عاد القتال بين السعودية والحوثيين منذ تموز/يوليو، وفي أيلول/سبتمبر سيطر الحوثيون على المخا وبريم، فأصبحوا قادرين فعلياً على تهديد الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وتعرّضت منشآت سعودية وخط النفط شرق-غرب لضربات، بينما تبحث الرياض عبر عُمان عن هدنة قصيرة، وتردد واشنطن في الرد المباشر. وحين ضاق هرمز، تحوّل مسار الصادرات السعودية نحو البحر الأحمر، فخرج الحوثيون من كونهم مجرد طرف في حرب يمنية داخلية. الوضع الجديد: اليمن لم يعد «حرباً أهلية»، بل طبقة صراع بالوكالة ومباشر على المضيق الثاني للنفط العالمي.

أما مضيق هرمز والملف النووي الإيراني فيكشفان مفارقة واضحة. فالولايات المتحدة تواصل حصار الموانئ الإيرانية عبر القيادة المركزية، وتحوّل السفن المتجهة إلى إيران أو الخارجة منها، بينما تعلن أن الممرات الدولية مفتوحة. وتوقف الصادرات الإيرانية عملياً، بينما يستمر جزء من التدفق تحت مرافقة أميركية. والوكالة الدولية للطاقة الذرية ما زالت عاجزة عن الوصول الكامل إلى مواقع التخصيب التي قُصفت أو معرفة مكان المخزون. لا نصر كلاسيكي: إيران لم تغلق المضيق، وأميركا لم تُسقط طهران. ما تغيّر هو ربط تدفق الطاقة بحصار انتقائي، وتحوّل الغموض النووي إلى ورقة تفاوض، واندماج الحرب الاقتصادية مع الحصار البحري.

وفي آب/أغسطس وُقّع في مكة اتفاق دفاع مشترك بين تركيا والسعودية وباكستان يتضمن بند «الهجوم على واحد هجوم على الجميع». وفي اجتماع اللجنة الأول في إسطنبول أُطلق عليه اسم «تحالف مكة»، مع أمانة عامة في الرياض وأول أمين عام من باكستان. وأعلن وزير الخارجية هاكان فيدان في 19-20 أيلول/سبتمبر أن المأسسة بلغت مرحلة متقدمة وبقي خطوة المقر والكوادر. لم يُفعَّل بعد بند الدفاع المشترك ضد هجمات الحوثيين، لكن التغيّر واضح: الخليج أدرك أن المظلة الأميركية لن تُفتح تلقائياً في كل أزمة، ودخل الخط التركي-الباكستاني إلى معمار الأمن الإقليمي.

ويرتبط بذلك الإطار النووي المدني الذي وُقّع بين واشنطن والرياض في تموز/يوليو، ثم إبلاغ الكونغرس في 17 أيلول/سبتمبر باحتمال بيع 48 طائرة إف-35 بقيمة 24.3 مليار دولار. هذا ليس «حزمة نصر» ضد إيران، بل تغيّر في الوضع: الرياض بدأت توازن المظلة الأميركية غير المؤكدة بالتكنولوجيا النووية والطائرات من الجيل الخامس وتحالف مكة.

وعلى الجبهة الأوكرانية، استمر القتال، وفي ليلة 19-20 أيلول/سبتمبر تعرّضت منطقة موسكو لأكبر موجة مسيّرات هذا العام، واستُهدفت مصفاة غازبروم نفت في كابوتنيا. زعم عمدة موسكو إسقاط أكثر من 1600 مسيّرة، بينما وصف زيلينسكي المنشأة بأنها «تغذي آلة الحرب بمليارات الدولارات». هذا لا يعني أن كييف احتلت موسكو. التغيّر الاستراتيجي هو انتقال مركز ثقل الحرب من الخطوط الأمامية إلى العمق الطاقوي واللوجستي. روسيا تواجه طوابير وقود وخسائر في المصافي، وأوكرانيا تستخدم المدى الطويل كأداة لتغيير الوضع.

أما أوروبا فباتت تقرأ الحرب الأوكرانية لا كقضية حدود شرقية بل كأمن قاري. في عهد المستشار ميرز خُفّف كابح الديون لأغراض الدفاع، وميزانية 2026 بلغت مئات المليارات من اليورو، مع خطط تتجاوز أهداف الناتو بحلول 2030. وصعود حزب البديل من أجل ألمانيا في انتخابات الولايات الشرقية يجعل هذا التحوّل هشاً سياسياً، بينما تُنشر مقاتلات يوروفايتر ألمانية في لاتفيا كخطوات ملموسة. أوروبا لا تعلن «حرباً أوروبية»، لكنها تبني ردعها الخاص بافتراض أن المظلة الأميركية قد ضعفت، وإعادة تسليح ألمانيا تولّد حاجة وقلقاً لدى الجيران في آن.

وأخيراً، يستخدم ترامب لغة السلام وهدنة الطاقة، وتستمر دبلوماسية المكوك عبر مبعوثيه، ويُتحدث عن لقاء ثلاثي في تشرين الأول/أكتوبر. وفي الأسبوع نفسه وقّع قانون عقوبات على روسيا، دون إغلاق باب الإمدادات المحدودة لكييف بالكامل. موسكو تقول «نتقدم»، وكييف تقول «قد يمتد إلى 2027». هذا ليس نصر سلام. التغيّر هو أن واشنطن تمسك بدبلوماسية المعاملات مع روسيا وبالعقوبات والتسليح في الوقت نفسه، وتدير عتبة التفاوض لا نهاية الحرب.

ويجمع توكماك أوغلو هذه العناوين التسعة تحت قالب واحد: في غرينلاند والقطب وهرمز وباب المندب وجيبوتي، لا انتصار بل سيطرة على الممرات. في إيران واليمن وأوكرانيا لم تسقط أنظمة، بل برز الحصار وعمق المسيّرات والصواريخ والاستنزاف الاقتصادي. تحالف مكة والملف النووي السعودي والإف-35 وإعادة تسليح ألمانيا تعكس إعادة حساب للتحالفات. ودفء ترامب تجاه بوتين مع الدعم الخافت لكييف ليس اختيار معسكر كلاسيكي بل دبلوماسية معاملات.

ويختصر الصورة الراهنة في خريف 2026 بثلاثة ممرات وتحالفين وحصار واحد. الممرات هي القطب/غرينلاند حيث السيادة على الورق للدنمارك والعمارة الأمنية لواشنطن، وهرمز حيث يُعلن المضيق مفتوحاً بينما الموانئ الإيرانية تحت حصار انتقائي، وباب المندب-البحر الأحمر حيث تحوّل اليمن إلى عتبة مسلحة على طريق الطاقة العالمي، مع ترقية القاعدة الصينية في جيبوتي كعقدة مراقبة. أما التحالفان فهما تحالف مكة كتملك إقليمي يفترض أن المظلة الأميركية لم تعد تلقائية، وإعادة حساب الغرب حيث تنقل أوروبا جزءاً من العبء من واشنطن إلى نفسها. والحصار على هرمز ليس وحيداً؛ فضربة المصفاة في موسكو تنتمي إلى العائلة نفسها: الهدف ليس النظام بل عمق الوقود واللوجستيات.

ويخلص توكماك أوغلو إلى أن من يبحث عن نصر كلاسيكي سيُخدع. أما من يرى تغيّر الوضع الاستراتيجي فيسأل: من يملك الممر؟ من يملك الفيتو؟ وإلى أي حد يدين التحالف لمن؟ درس 2026 أن الحروب والصراعات لا تنتهي، لكن مواقع الفاعلين تتغيّر باستمرار عبر لمسات صغيرة متواصلة. وهذه هي طريقة عصرنا.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!