ليفت إرسين أوراللي - ستار - ترجمة وتحرير ترك برس

إن الطريق إلى سلام دائم في بحر إيجه يمر عبر تناول القانون الدولي والأمن البحري والحماية البيئية والتخطيط الاستراتيجي معًا. غير أن خطاب السلام لا يمكن أن يشكّل مبررًا لتجاهل الالتزامات المحددة بموجب المعاهدات أو لتطبيع الأوضاع القائمة بحكم الأمر الواقع بمرور الوقت.

وينبغي إبقاء اعتراضات تركيا، ولا سيما بشأن تسليح الجزر الخاضعة لوضع غير عسكري، مطروحة بحزم على جدول الأعمال عبر القنوات الدبلوماسية وفي إطار القانون الدولي. ومع ذلك، فإن المقاربات التي تزيد التوتر المتبادل من خلال التحركات العسكرية، وتعمّق المعضلة الأمنية، وتدفع البلدين إلى أزمات جديدة، لا تخدم استقرار بحر إيجه.

يجب ألا يُحصر الرد التركي في نهج يقتصر على التفاعل مع التطورات الراهنة، بل ينبغي أن يجمع بين حقوقها المشروعة في البحار ومصالحها الاقتصادية ومسؤولياتها البيئية ضمن استراتيجية طويلة الأمد.

المقترح الأول: المنصات البحرية الاستراتيجية

أحد الخيارات المطروحة أمام تركيا هو تطوير مشاريع للجزر الاصطناعية والمنصات البحرية من شأنها تعزيز وجودها البحري في بحر إيجه، من خلال البنية التحتية المدنية والبحوث العلمية والأمن البحري والأنشطة الاقتصادية.

وينبغي تقييم مشاريع توفر الموانئ والدعم اللوجستي ومحطات الأبحاث والبنية التحتية للصيد البحري وقدرات البحث والإنقاذ، في المناطق التي تتمتع فيها تركيا بصلاحيات قانونية، بما في ذلك المناطق البحرية المحيطة بجزر مثل ميس وخيوس.

والهدف الأساسي هنا ليس إنشاء مجال جديد للتوتر العسكري، بل تعزيز الوجود الاقتصادي والمدني لتركيا في البحار بصورة مستدامة. ويمكن لهذه المنشآت أن تؤدي وظائف في دعم أنشطة الصيد البحري، ومراقبة حركة الملاحة البحرية، وإجراء البحوث البيئية، وتوفير الإمكانات اللوجستية في حالات الطوارئ.

رد دائم على النزعة العسكرية اليونانية

ويمكن أن تشكل المشاريع المدعومة بالبيانات العلمية والقابلة للتطبيق اقتصاديًا، ولا سيما في المناطق البحرية القريبة من السواحل التركية، جزءًا من استراتيجية بحرية طويلة الأمد.

لكن الحدود التي يرسمها القانون الدولي واضحة هنا: فالجزيرة الاصطناعية لا تكتسب تلقائيًا صفة الجزيرة، ولا تنشئ بحرًا إقليميًا خاصًا بها، ولا تغيّر ترسيم حدود مناطق الاختصاص البحري.

وتُظهر الممارسات في العالم أن الجزر الاصطناعية والمنصات البحرية يمكن تصميمها باعتبارها بنى تحتية استراتيجية تجمع بين الطاقة والخدمات اللوجستية والبحوث العلمية والأمن البحري. فعلى سبيل المثال، تقدم ممارسات هولندا في استصلاح الأراضي من البحر وحماية السواحل، ومشاريع سنغافورة الرامية إلى توسيع مساحتها البرية المحدودة، والبنى التحتية البحرية لليابان، نماذج مختلفة لكيفية تحويل المناطق البحرية إلى قدرات اقتصادية باستخدام التكنولوجيا.

والدرس الأساسي الذي يمكن استخلاصه من هذه الأمثلة هو أن المشاريع التي ستطورها تركيا في بحر إيجه ينبغي ألا تُخطط على أساس الحجم المادي، بل على أساس الوظائف العملية والاستدامة والتكلفة والفائدة الاستراتيجية طويلة الأمد.

رؤية تركية تمتد من الساحل إلى الأفق

يمكن تجهيز المنصات البحرية الاصطناعية بأنظمة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ومنشآت لتحلية مياه البحر، وشبكات اتصالات مرتبطة بالأقمار الصناعية، ومحطات أرصاد جوية آلية، ومستشعرات لقاع البحر. وبفضل تحليلات حركة الملاحة البحرية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والمركبات البحرية غير المأهولة، وأنظمة الاستشعار عن بُعد، يمكن مراقبة مناطق الصيد البحري والتلوث البحري ودرجة حرارة المياه والتيارات وحركة السفن بانتظام. وهكذا، يمكن أن تتحول المنصات إلى مراكز متعددة الأغراض تجمع بين قدرات تركيا في البحوث البحرية والإدارة البيئية والأمن البحري المدني.

وينبغي التخطيط لهذا المشروع ذي العمق الاستراتيجي في إطار الصلاحيات القانونية الحالية لتركيا، لا بهدف تغيير الوضع القانوني لجزيرة ميس أو خيوس، أو إنشاء حقوق في المناطق البحرية التابعة لليونان.

إن النجاح الاستراتيجي لا يتحقق بصب الخرسانة في البحر، بل بإنشاء قدرة مدنية دائمة في المكان الصحيح، وعلى أساس قانوني سليم، ولتحقيق غاية اقتصادية مناسبة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!