ترك برس

تشهد منطقة بحر إيجه، بحسب الكاتب والمحلل الاستراتيجي التركي الدكتور عثمان غازي قندمير، مرحلة جديدة من الاستعدادات العسكرية، في ظل برنامج يوناني واسع لتحصين الجزر الواقعة في شرق إيجه وتحويلها إلى مراكز عسكرية قادرة على الصمود في الساعات الأولى من أي مواجهة محتملة.

ويرى قندمير، في مقال نشره موقع «إندبندنت تركية»، أن التحركات اليونانية لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد تعزيزات دفاعية تقليدية، بل تمثل تحولا في مفهوم أثينا للدفاع عن جزرها، كما تثير في الوقت نفسه تساؤلات قانونية وعسكرية جديدة بالنسبة إلى تركيا.

وبحسب معلومات أوردتها صحيفة «توفيما» اليونانية واستند إليها الكاتب، يشمل برنامج التحصين 315 مشروعا دفاعيا في جزر شرق إيجه و207 مشاريع أخرى على البر الرئيسي في منطقة نهر مريتش، على أن يتم إنجازها خلال ثلاثة أعوام.

وتتضمن هذه المشاريع إنشاء ملاجئ للأفراد ومستودعات للذخيرة ومراكز للقيادة تحت الأرض، إلى جانب تجهيزات تسمح باستخدام أنظمة الضربات الدقيقة المتحركة من منشآت محصنة.

من الدفاع التقليدي إلى مراكز عسكرية محصنة

يلفت الكاتب إلى أن أبرز ما يميز البرنامج الجديد هو ابتعاد اليونان عن نموذج الدفاع التقليدي القائم على نشر وحدات عسكرية صغيرة في مواقع مكشوفة على الجزر.

وبدلا من ذلك، تسعى أثينا، بحسب تحليله، إلى بناء نموذج دفاعي أكثر تشتتا وقدرة على البقاء، يعتمد على منشآت تحت الأرض يمكن من خلالها حماية القوات والذخائر ومراكز القيادة، فضلا عن تشغيل أنظمة صاروخية عند الحاجة.

ويشير قندمير إلى أن صواريخ «سبايك NLOS» الإسرائيلية الصنع ستكون من بين عناصر هذه البنية العسكرية الجديدة، في إطار هدف أوسع يتمثل في منع تحول الجزر إلى مواقع متقدمة يسهل تحييدها أو فقدانها في بداية أي حرب.

وبحسب الكاتب، فإن الهدف اليوناني لم يعد يقتصر على حماية الجزر من هجوم محتمل، بل يتجه نحو تحويلها إلى مراكز دفاعية قادرة على الاستمرار في العمل وإنتاج قوة نارية طوال فترة النزاع.

قضية الجزر من زاوية القانون الدولي

ويرى قندمير أن فهم التحول العسكري الجاري في إيجه يقتضي العودة إلى الوضع القانوني للجزر، إذ لا يمكن، حسب رأيه، فصل عمليات التحصين الحالية عن الاتفاقيات الدولية التي حددت وضع عدد من جزر المنطقة.

ويشير إلى أن المادة 13 من معاهدة لوزان للسلام فرضت قيودا عسكرية على جزر ميديللي وخيوس وساموس وإيكاريا، بما يشمل حظر إنشاء قواعد بحرية أو تحصينات عسكرية وفرض قيود على الوجود العسكري.

أما بالنسبة إلى جزر الدوديكانيز، فيلفت الكاتب إلى أن المادة 14 من معاهدة باريس للسلام عام 1947 نصت على بقائها منزوعة السلاح عند نقلها إلى السيادة اليونانية.

ومن هذا المنطلق، يرى قندمير أن إقامة قواعد ومنشآت تحت الأرض ومستودعات للذخيرة ومراكز قيادة وأنظمة ضربات دقيقة على هذه الجزر ينبغي تقييمها في ضوء وضعها القانوني.

ويشير إلى أن موقف تركيا المعلن في 5 مارس/آذار 2026 يستند إلى هذا الأساس، إذ أكدت وزارة الخارجية التركية أن جزر شرق إيجه والدوديكانيز تتمتع بوضع غير عسكري بموجب معاهدتي لوزان وباريس، وأن هذا الوضع لا يقبل الجدل.

أثينا تتمسك برؤيتها الأمنية

في المقابل، يشير الكاتب إلى أن اليونان لا تقبل التفسير التركي للوضع القانوني للجزر، إذ تعتبر أثينا أن وضع جزر شرق إيجه ينبغي تقييمه في إطار معاهدات لوزان ومونترو وباريس مجتمعة.

كما تستند اليونان إلى أن تركيا ليست طرفا في معاهدة باريس لعام 1947، إضافة إلى تأكيدها أن الظروف الأمنية في المنطقة تفرض عليها اتخاذ تدابير دفاعية.

لكن قندمير يرى أن هذه الحجج لا تغير، من وجهة نظره، طبيعة التحول العسكري الجاري، إذ لم يعد الأمر يتعلق بمجرد نشر وحدات عسكرية، بل بإنشاء بنية متكاملة للحرب تضم منشآت محصنة تحت الأرض ومخازن للذخيرة ومراكز للقيادة وأنظمة صاروخية متحركة.

ويؤكد الكاتب أن الفارق بين جزيرة تتمتع بوضع منزوع السلاح وجزيرة يجري تحصينها لاستخدامها خلال الحرب يمثل مسألة تتجاوز مجرد التفسير التقني لنصوص المعاهدات.

الجغرافيا في قلب الحسابات العسكرية

ويفسر قندمير أهمية الجزر بموقعها الجغرافي، إذ تقع أجزاء كبيرة من جزر شرق إيجه على مقربة شديدة من السواحل التركية.

ويرى أن نشر رادارات ومنظومات صاروخية وعناصر عسكرية أخرى في هذه الجزر يمكن أن يؤثر في المجال الذي تتحرك فيه القوات التركية على السواحل الغربية للبلاد.

أما من المنظور اليوناني، فإن الجغرافيا ذاتها تمثل ميزة أمنية، إذ تخشى أثينا أن يؤدي فقدان الجزر أو إضعاف قدراتها الدفاعية إلى انهيار خط دفاعي مهم في إيجه.

وهنا، بحسب الكاتب، تظهر «مفارقة أمنية»، حيث إن البنية العسكرية التي تنشئها دولة بهدف الدفاع يمكن أن تنظر إليها الدولة الأخرى باعتبارها زيادة في القدرة على التهديد.

ويحذر قندمير من أن تحصين اليونان للجزر قد يؤدي إلى تعميق ما يعرف بـ«المعضلة الأمنية» في إيجه؛ فكلما زادت القدرات العسكرية للجزر، قد تضطر تركيا إلى اتخاذ تدابير مضادة، فيما يمكن أن تؤدي هذه التدابير بدورها إلى تعزيز الشعور بالتهديد لدى الجانب اليوناني.

«النموذج الإسرائيلي» في الدفاع اليوناني

ويربط الكاتب بين برنامج تحصين الجزر والمشاريع الدفاعية الأوسع التي تنفذها اليونان على مستوى البلاد.

فأثينا تعمل، بحسب المقال، على إنشاء شبكة متعددة الطبقات للدفاع الجوي والصاروخي، في إطار اتفاق مع إسرائيل تم توقيعه في 31 أغسطس/آب 2026 وتبلغ قيمته نحو 3 مليارات يورو.

ويشمل المشروع منظومات مثل «David's Sling» و«SPYDER» و«BARAK MX»، إضافة إلى الرادارات ومراكز القيادة والسيطرة، في إطار مشروع أطلقت عليه اليونان اسم «درع أخيل».

ويرى قندمير أن هذه المنظومات يجب النظر إليها بالتوازي مع التحصينات التي تشيدها اليونان في الجزر.

فالمرافق تحت الأرض ستوفر الحماية للأفراد والذخائر، بينما تتولى الرادارات مراقبة المجال المحيط، وتوفر أنظمة الدفاع الجوي الحماية من الطائرات والصواريخ والطائرات المسيرة، فيما يمكن استخدام الأنظمة الصاروخية المتحركة ضد أهداف بحرية عند الضرورة.

وبهذه الطريقة، يرى الكاتب أن الجزيرة لم تعد مجرد قطعة أرض تنتشر فوقها بعض الوحدات العسكرية، بل تتحول تدريجيا إلى «عقدة عسكرية» متكاملة قادرة على العمل بصورة مستقلة.

تحولات في التوازن العسكري لإيجه

ويتساءل الكاتب عن المكاسب التي يمكن أن تحققها اليونان من هذا النموذج، ويرى أن أولها يتمثل في تعزيز القدرة على الردع.

فإمكانية بقاء المنشآت العسكرية العاملة في الجزر بعد الساعات الأولى من أي مواجهة، بفضل المرافق المحصنة تحت الأرض والأسلحة المتحركة، قد تمنح اليونان قدرة أكبر على امتصاص الضربة الأولى والاستمرار في العمليات.

لكن قندمير يرى أن التطور ذاته يخلق مشكلة عسكرية جديدة بالنسبة إلى تركيا، ولا سيما إذا استمر تعزيز القدرات العسكرية في جزر تعتبرها أنقرة خاضعة لوضع منزوع السلاح.

ويؤكد أن البعدين القانوني والعسكري لا يمكن فصلهما في هذه القضية، لأن ما تصفه اليونان بأنه قدرة «دفاعية» لا تنظر إليه تركيا بالضرورة بهذه الصفة فقط، خصوصا في ظل قرب هذه المنظومات من السواحل التركية.

دروس أوكرانيا والشرق الأوسط

ويرى الكاتب أن الخطأ يكمن في قراءة ما يجري باعتباره مجرد إصلاح في منظومة الدفاع اليونانية، إذ إن أثينا، بحسب تحليله، تعيد تشكيل قواتها المسلحة استنادا إلى الدروس المستخلصة من الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط.

ويضيف أن هذا التحول يفرض على تركيا النظر إلى مسألتين متلازمتين: التوازن العسكري الجديد في بحر إيجه والوضع القانوني للجزر.

وبحسب قندمير، فإن اليونان لم تعد تسعى فقط إلى الدفاع عن جزرها، بل إلى تحويلها إلى مراكز عسكرية تستطيع الصمود خلال المرحلة الأولى من الحرب وإنتاج قوة نارية والرد على الهجمات.

ويعتقد الكاتب أن اكتمال هذا المشروع سيؤدي إلى تغيير ملموس في الجغرافيا العسكرية لبحر إيجه، رغم أن تحديد حجم الدور الدفاعي أو الردعي أو التغييري لهذه التحصينات في التوازن العسكري سيبقى رهنا بالتطورات المقبلة.

السؤال المركزي بالنسبة إلى تركيا

ويخلص قندمير إلى أن القضية الأساسية بالنسبة إلى تركيا لم تعد مرتبطة فقط بحجم الأسلحة التي تشتريها اليونان، بل بالمكان الذي سيتم نشر هذه الأسلحة فيه.

فالمسألة، وفق رؤية الكاتب، تتعلق بإمكانية وضع منظومات عسكرية على جزر لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن السواحل التركية، وما إذا كان ذلك يمكن التوفيق بينه وبين الوضع القانوني الذي حددته المعاهدات الدولية.

ويرى أن هذا السؤال بات في صلب التنافس العسكري الجديد في بحر إيجه، وأن التحصينات الجارية في الجزر لا يمكن تقييمها بمعزل عن المعادلة الأمنية المتوترة بين تركيا واليونان.

ويخلص الكاتب إلى أن التحول الجاري في إيجه قد لا يكون مجرد سباق جديد نحو التسلح، بل إعادة صياغة للجغرافيا العسكرية للمنطقة، حيث أصبحت الجزر محوراً يجمع بين القانون الدولي والردع العسكري والتنافس الاستراتيجي بين أنقرة وأثينا.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!