
ترك برس
في تطور لافت يعكس التحولات العميقة التي شهدتها خريطة الأمن الأوروبي خلال السنوات الأخيرة، سلط الكاتب التركي غوكتوغ تشاليشكان الضوء في مقال تحليلي نشره موقع «إندبندنت تركية» على أول عملية مشتركة لسلاح الجو السويدي والفنلندي في ملاحقة طائرات روسية فوق خليج فنلندا. ويأتي هذا الحدث بعد انضمام فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي عام 2023 والسويد عام 2024، ليؤشر إلى بدء تحول عضويتهما من تغيير على الخريطة إلى واقع عملي على الأرض وفي الأجواء.
ويوضح الكاتب أن ما جرى في 24 أيلول/سبتمبر لم يكن مجرد تحليق روتيني. فقد أقلعت مقاتلات فنلندية من طراز «إف/إيه-18 هورنت» ثم انضمت إليها مقاتلات سويدية من طراز «جاس 39 غريبن» لمتابعة مجموعة طائرات روسية تضم طائرة نقل من طراز «تو-134» برفقة مقاتلات «ميغ-31» و«سو-30» كانت تحلق في المجال الجوي الدولي. ويؤكد تشاليشكان أن «فنلندا والسويد نفّذتا للمرة الأولى مهمة تعريف عملياتية مشتركة»، وأن طائرات البلدين «تابعتا المجموعة الروسية ذاتها معاً»، في إشارة إلى أن الحدث يتجاوز مجرد لقاء جوي عابر.
ويشير الكاتب إلى أن انضمام البلدين إلى الناتو غيّر الحسابات الأمنية جذرياً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في شباط/فبراير 2022. ففنلندا أصبحت عضواً في 4 نيسان/أبريل 2023، والسويد في 7 آذار/مارس 2024. ويلفت إلى أن «حدود فنلندا البرية مع روسيا التي تمتد لنحو 1340 كيلومتراً أصبحت جزءاً من الحدود بين الناتو وروسيا»، بينما غيّر انضمام السويد الجغرافيا العسكرية لبحر البلطيق، حيث «أصبحت روسيا الفاعل الرئيسي الوحيد غير المنتمي إلى الحلف على سواحل البلطيق».
ويضيف تشاليشكان أن انضمام السويد أدخل جزيرة غوتلاند، ذات الموقع الاستراتيجي في وسط بحر البلطيق، ضمن تخطيط الحلف. ويحذّر في الوقت نفسه من المبالغة في وصف البلطيق بأنه «بحيرة ناتو»، مشدداً على أن «روسيا تحتفظ بقدرات عسكرية مهمة في كالينينغراد، وأن أسطول البلطيق ينشط في المنطقة، وأن خليج فنلندا يحمل أهمية استراتيجية لموسكو».
ويرى الكاتب أن التعاون الجوي بين السويد وفنلندا هو ثمرة قرارات اتُخذت في أواخر آب/أغسطس لتعميق التعاون في مراقبة المجال الجوي وحماية وحدة الأراضي. ويوضح أن النظام الجديد يتيح «للطائرات سريعة الرد أن تعمل عند الحاجة من قواعد الدولة الأخرى وتنفّذ عمليات تعريف مشتركة». ويخلص إلى أن «التهديد إذا كان يتحرك حول المجال الجوي ذاته، فإن بناء الردود بشكل منفصل يفقد معناه».
ويضع تشاليشكان هذا التطور في سياق أوسع يشمل مهمة شرطة الجو في البلطيق التي ينفذها الناتو منذ 2004، واندماج القدرات الجوية الفنلندية والسويدية القوية ضمن هذا النظام. ويشير إلى أن إضافة النرويج والدنمارك تُنتج «قوة جوية واسعة متكاملة في شمال أوروبا»، مستذكراً أن الدول الاسكندنافية الأربع كانت قد بدأت قبل سنوات عملية توحيد أضيق لجيوشها الجوية وصلت قدراتها إلى نحو 250 مقاتلة.
وينتقل الكاتب إلى البعد الجيوسياسي الأوسع الممتد من كالينينغراد إلى القطب الشمالي. فيشير إلى خط سووالكي الحساس بين بولندا وليتوانيا، ويؤكد أن عضوية فنلندا والسويد «لم تلغِ هذه المشكلة لكنها زادت خيارات الوصول إلى دول البلطيق جواً وبحراً». ومن جهة موسكو، يقرأ الروس انضمام البلدين على أنه «تضييق لدائرة أمنهم»، مستشهداً بتصريحات وزارة الخارجية الروسية عن إمكانية اتخاذ خطوات عسكرية وتقنية مضادة، وبتحذيرات سيرغي لافروف بشأن نشاط الناتو في القطب الشمالي.
ويختم تشاليشكان بأن ما حدث في 24 أيلول/سبتمبر لم يكن أزمة كبرى: «لم يُفتح النار، ولم يُعلن عن انتهاك للمجال الجوي، وأنجزت الطائرات مهامها». ومع ذلك، يرى أن «تلك الدقائق القليلة من الاحتكاك أظهرت مدى التغير الذي طرأ على شمال أوروبا خلال السنوات الأربع الماضية». ويضيف أن «هورنت الفنلندية وغريبن السويدية ذهبتا معاً للمرة الأولى إلى جانب المجموعة الروسية ذاتها»، معتبراً أن «فهم التحول الجاري في شمال الناتو لا يحتاج أحياناً إلى حدث أكبر من هذا».
وبهذا يقدم التحليل صورة واضحة عن انتقال عضوية السويد وفنلندا من مجرد تعديل على الخريطة إلى بناء منظومة دفاعية جوية مترابطة، في وقت تتزايد فيه التوترات والمخاوف من سوء التقدير في أجواء باتت أكثر ازدحاماً بالرادارات والطائرات المقاتلة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











