
ترك برس
قدم الكاتب والمحلل السياسي أرطغرل جينغيل، تحليلا مفصّلا حول الانتخابات النصفية الأميركية المقررة في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، معتبراً إياها محطة حاسمة للرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري. ويشير جينغيل إلى أن هذه الانتخابات، التي ستشهد تجديد مجلس النواب بالكامل وثلث مقاعد مجلس الشيوخ، تأتي في وقت يسيطر فيه ترامب وحلفاؤه على مجلسي الكونغرس، ما يجعل الحفاظ على هذه السيطرة مسألة وجودية بالنسبة إليه. ومن هنا ينطلق الكاتب في رصد المعركة التكتيكية الشرسة التي يخوضها ترامب، مستخدماً كل الأدوات المتاحة، الشرعية منها وغير الشرعية، في مواجهة تحديات داخلية وخارجية تهدد بتحويله إلى «بطة عرجاء».
ويبرز جينغيل في مقال نشره موقع خبر7 التركي، أن ترامب يعتمد في استراتيجيته الانتخابية على دعامتين رئيسيتين: الدعم المالي الهائل من كبار المليارديرات وتكنولوجيا وادي السيليكون، والتحالف الوثيق مع اللوبي الإسرائيلي والمنظمات الإنجيلية. فمن جهة، يشير إلى أن لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (آيباك) أنفقت حتى الآن نحو 105 ملايين دولار دفاعاً عن مصالح إسرائيل، دون تمييز حزبي، طالما التزم المرشح بدعم العلاقة الأميركية-الإسرائيلية. ويستشهد بأمثلة ملموسة، كإنفاق 33 مليون دولار لإفشال المرشح الديمقراطي عبد الإله السيد في ميشيغان، ونحو 16 مليون دولار لإسقاط النائب الجمهوري توماس ماسي المعارض لترامب وإسرائيل. ويضيف أن السيناتور بيرني ساندرز كشف عن خطة آيباك لإنفاق 233 مليون دولار ضد المرشحين الذين يجرؤون على انتقاد حكومة نتنياهو. كما يشير إلى أن ميريام أدلسون، أرملة الملياردير شيلدون أدلسون، قدّمت 67.6 مليون دولار للجمهوريين. أما الإنجيليون، الذين يتراوح عددهم بين 78 و100 مليون نسمة ويمثلون أكثر من 20% من إجمالي الأصوات، فيواصلون دعم ترامب بنسبة تفوق 60% رغم الضغوط الاقتصادية، بفضل سياساته المتشددة تجاه إيران وتعزيزه الدعم العسكري لإسرائيل.
وفي المقابل، يرصد الكاتب الجانب المظلم لهذا الدعم، متمثلاً في ما يسميه «وهم الديمقراطية الممول من المليارديرات». فوفقاً لتحليل صحيفة فايننشال تايمز الذي يستند إليه، جُمع نحو 2.8 مليار دولار للحملة الانتخابية، أكثر من ثلثها يأتي من عشرين متبرعاً فقط، ستة عشر منهم يمولون المرشحين الجمهوريين. ويذكر أسماء مثل إيلون ماسك ومارك أندريسن وبن هورويتز وإخوة وينكلفوس وكين غريفين وعائلة أويهلاين، مشيراً إلى أن صناديق الانتخاب تحولت إلى عرض قوة للأوليغارشية التكنولوجية. ويضيف أن منظمة «ماغا إنك»، الذراع الاقتصادي لحركة «اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً»، أنفقت ما بين 400 و500 مليون دولار من أصل مليار دولار تمتلكها، رغم ظهور تصدعات داخل هذه الحركة حول الحرب مع إيران والدعم لإسرائيل وفضيحة إبستين.
ولا يتوقف ترامب عند الدعم المالي، بحسب جينغيل، بل يلجأ إلى وعود شعبوية مبالغ فيها، أبرزها تعهد بمنح كل مواطن أميركي بالغ «أرباح ترامب» بقيمة خمسة آلاف دولار إذا احتفظ الجمهوريون بالكونغرس. ويحسب الكاتب التكلفة بنحو 1.2 تريليون دولار، معتبراً إياها «رشوة انتخابية» غير واقعية، خاصة أن إيرادات الرسوم الجمركية الحالية لا تكفي لتغطيتها، وأن الخبراء يحذرون من تفاقم الدين العام الذي تجاوز أصلاً 40 تريليون دولار، مع مخاطر تضخمية كبيرة. ويذكّر بأن وعوداً سابقة مشابهة بقيمة ألفي دولار ما زالت حاضرة في ذاكرة الناخبين.
أما على صعيد قواعد اللعبة الانتخابية نفسها، فيؤكد جينغيل أن ترامب يحاول تغييرها من الجذور. فقد دفع نحو إعادة رسم الدوائر الانتخابية في ولايات عدة قبل أشهر من الاقتراع، بدءاً من تكساس وصولاً إلى ألاباما وفلوريدا ولويزيانا وكارولينا الشمالية وأوهايو وتينيسي، فيما رد الديمقراطيون في كاليفورنيا ويوتا. ورغم أن الجمهوريين حققوا ميزة نظرية بثلاث أو أربع مقاعد، إلا أن الهدف الأوسع لم يتحقق بالكامل. كما حاول فرض وثائق جنسية إلزامية عبر مرسوم رئاسي، لكن المحاكم أوقفته، في حين نجح في الحصول على إذن بمسح سجلات الناخبين عبر قواعد بيانات فدرالية، ما يهدد بحرمان ملايين من حق التصويت تحت ذريعة منع الأصوات غير الشرعية. أما محاولات تقييد التصويت البريدي، الذي يراه ترامب مفيداً للديمقراطيين والمهاجرين، فقد باءت بالفشل.
ورغم كل هذه التحركات، يخلص جينغيل إلى أن استطلاعات الرأي ترسم صورة قاتمة للجمهوريين. فتأييد ترامب انخفض إلى 37%، وهو مستوى تاريخي متدنٍ، متأثراً بارتفاع أسعار النفط والتضخم جراء الحرب مع إيران، فيما يبدو فوز الديمقراطيين بمجلس النواب مرجحاً، مع استمرار التعادل الهش في مجلس الشيوخ. ويؤكد أن لا المليارات ولا اللوبيات ولا الوعود الشعبوية تنجح في قلب المعادلة، بل إن الآلة السياسية لترامب تتضخم بينما تتآكل شرعيتها. ويرى الكاتب أن ضغط كل الأزرار في آن واحد ليس استعراضاً للقوة، بل تعبيراً عن الهلع من كارثة سياسية وشيكة وتحول ترامب إلى «بطة عرجاء»، فيما يتربص الديمقراطيون مستعدين لتفعيل آليات الرقابة وإجراءات العزل إذا تغيرت موازين الكونغرس.
ويختم جينغيل بتعريف مصطلح «البطة العرجاء» (Lame Duck) في السياسة الأميركية: وهو وصف يُطلق على الرئيس الذي لم يعد قابلاً لإعادة الانتخاب أو وصل إلى نهاية ولايته وفقد الدعم السياسي في الكونغرس، فيصبح عاجزاً عن إنجاز شيء ومجرّداً من التأثير الفعلي.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











