ترك برس

في مقال تحليلي نشره موقع Independent Türkçe، يستعرض غورسيل توكماك أوغلو، الرئيس السابق لدائرة الاستخبارات في القوات الجوية التركية، مسار السياسة الأمريكية خلال العامين الأولين من ولاية دونالد ترامب السابعة والأربعين (يناير 2025 – أكتوبر 2026). ويرى أن هذه الفترة شهدت إعادة تنظيم منهجية للسياسة الخارجية والاقتصادية الأمريكية حول محور «هيمنة الطاقة»، بحيث شُكّلت أدوات السياسة كافة – من العقوبات والتدخلات العسكرية إلى الدبلوماسية والمبادرات السلمية – عبر إدارة الإنتاج والاحتياطيات وتدفقات الطاقة. 

ويتساءل الكاتب في خاتمة تحليله إن كانت هذه الهيمنة قد خلقت رافعة طويلة الأمد لصالح الولايات المتحدة، أم أنها زادت من خطر أن تحفر الإدارة قبرها بنفسها على أعتاب الانتخابات.

ويبدأ توكماك أوغلو بتوضيح الأساس المؤسسي لهذه الاستراتيجية. فقد أُعلن «الطوارئ الوطنية للطاقة»، وصدر الأمر التنفيذي «إطلاق الطاقة الأمريكية»، وأُنشئ «مجلس هيمنة الطاقة الوطني» لتسريع الإنتاج والترخيص والتصدير في جميع أنواع الطاقة. وشملت الخطوات إلغاء قرار «الخطر البيئي» العائد إلى عهد أوباما، وفتح الأراضي الفيدرالية، ومنح آلاف تراخيص الحفر، وإحياء قطاع الفحم، وتشجيع الاستثمارات النووية. 

ويؤكد أن الولايات المتحدة سجلت في 2025 رقماً قياسياً بصادرات غاز مسال تجاوزت 100 مليون طن متري، وعززت ريادتها العالمية في النفط والغاز. ويرى أن صيغة «أقصى إنتاج، أقصى رفاه، أقصى قوة» عكست طوال العامين إرادة مزدوجة: تحرير القيود داخلياً وتوجيه تدفقات الطاقة عالمياً.

وفي محور فنزويلا، يعتبر الكاتب أن السيطرة على الاحتياطيات في نصف الكرة الغربي تمثل أحد أكثر التطبيقات الملموسة للاستراتيجية. فبعد عملية أمريكية في يناير 2026 أطاحت بنيكولاس مادورو، وُقّع في أغسطس-سبتمبر 2026 اتفاق نفطي وصفته الإدارة بـ«أكبر اتفاق نفطي في التاريخ» و«هيمنة طاقة للقرن القادم». ويشير إلى أن الاتفاق منح شركة North American Blue Energy Partners سيطرة على 65 مليار برميل من الاحتياطيات المؤكدة في 17 حقلاً، مع منح مكتب رأس المال الاستراتيجي في البنتاغون حصة 35%، ووزارة الخارجية حق شراء بنسبة خصم 20% من سعر التكلفة، وحق الأولوية في شراء 80% من الإنتاج المتبقي، إضافة إلى أغلبية أمريكية في مجلس الإدارة وحق الفيتو. 

ويؤكد أن استهداف الحقول التي كانت تحت نفوذ صيني وروسي يجسد إسقاطاً للقوة عبر الطاقة في نصف الكرة الغربي، مع تقديم الاتفاق كوسيلة لملء الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي دون تكلفة على دافعي الضرائب.

أما في إيران ومضيق هرمز، فيرى الكاتب أنهما يمثلان المجال الأكثر ظهوراً وحرجاً لتسليح تدفقات الطاقة. فرغم بروز البعد النووي للحرب التي اندلعت منذ فبراير 2026، فإن البعد الطاقي ظل مركزياً. وقد أنتجت الاضطرابات في المضيق نتيجتين مزدوجتين لواشنطن: إضعاف تدفقات المنافسين (إيران أساساً)، وزيادة صادرات الغاز المسال والنفط الأمريكية وتعزيز ميزانيات شركاتها. ويشير إلى أن ترامب ربط انخفاض أسعار النفط بانتهاء الحرب، مستخدماً شعار «دعوا النفط يتدفق» لتوجيه الأسواق والمفاوضات. غير أن الكاتب ينبه إلى أن انقطاعات المضيق رفعت أسعار الديزل والبنزين العالمية إلى مستويات قياسية انعكست مباشرة على السوق الداخلي الأمريكي، مما فاقم «مسألة الجيوب» قبيل الانتخابات النصفية.

وفي العلاقة مع أوروبا، يوضح توكماك أوغلو أن الاستراتيجية هدفت إلى ملء فراغ الغاز الروسي بالغاز المسال الأمريكي. ففي اتفاق التجارة الأمريكي-الأوروبي في يوليو 2025، أبدت أوروبا «نية» شراء منتجات طاقة أمريكية بنحو 750 مليار دولار حتى 2028، وتحولت هذه النية إلى اعتماد فعلي متسارع. وبحلول 2026 باتت الولايات المتحدة تغطي نحو ثلثي واردات أوروبا من الغاز المسال وتتجه لتكون أكبر مورد للقارة. 

ويبرز استخدام الإدارة لخطاب «أنابيب السلام» و«إضافة الطاقة»، عبر مبادرة البحار الثلاثة والممر العمودي عبر اليونان ومحطات بولندا وليتوانيا وألمانيا، مع دمج أوكرانيا في السلسلة عبر شراء «نفطوجاز» للغاز المسال الأمريكي. ويرى أن النتيجة مفارقة اعتماد جديدة: الهروب من الغاز الروسي عبر الأنابيب يعني الانتقال إلى غاز مسال أمريكي أغلى وأكثر قابلية للاستخدام كرافعة سياسية.

أما في حرب أوكرانيا-روسيا، فيعتبر الكاتب أن البعد الطاقي كشف بوضوح الحدود الداخلية للاستراتيجية. فبعد خط طويل من تقييد إيرادات الطاقة الروسية، كسرت أزمة الديزل العالمية الناتجة عن حرب إيران والضغوط الداخلية الأمريكية هذا الخط. وفي أواخر أكتوبر 2026، توصل ترامب إلى اتفاق مع بوتين بتعليق العقوبات على صادرات الديزل الروسية لستة أشهر، بهدف خفض الأسعار القياسية قبل الانتخابات. 

وقد وصف زيلينسكي الخطوة بـ«هدية لبوتين»، بينما عارضها مسؤولون أوروبيون. كما انتقد ترامب هجمات أوكرانيا على المصافي الروسية لأنها «تخلق مشكلة عالمية»، ودعا إلى «قيادة جديدة»، وأعلن في 11 أكتوبر «وقف إطلاق نار طاقي» لوقف الهجمات المتبادلة على البنية التحتية، رغم أن كييف اشترطت المعاملة بالمثل والضمانات. ويشير إلى مناقشات موازية بين كوشنر ودميترييف حول إدخال مستثمرين أمريكيين في خطوط نورد ستريم وتدفق الغاز الروسي إلى أوروبا بعد الحرب بشراكة أمريكية، مما يدل على تخفيف انتقائي للضغط على روسيا.

وفي تشخيص الإعاقة السياسية الداخلية، يؤكد الكاتب أن الإسقاط العالمي للطاقة – عبر فنزويلا وهرمز وأوروبا – بدا ظاهراً وعدوانياً، لكنه لم يتزامن مع توازن سياسي-اقتصادي داخلي. فقد رفعت ارتفاعات الأسعار الناتجة عن حرب إيران فواتير الكهرباء وتكاليف الديزل، وأضعفت حملة الجمهوريين حول «الجيوب» قبيل الانتخابات. واختار الإدارة إعطاء الأولوية للأهداف العسكرية على حساب تخفيضات سعرية قصيرة الأجل عبر تعليق الحرب، مما أظهر تآكلاً في معدلات التأييد وعجزاً عن دمج هيمنة الطاقة الخارجية مع الاستدامة السياسية الداخلية.

ويخلص توكماك أوغلو إلى أن ملخص العامين يكشف عن قدرة هيمنة الطاقة على تحويل الميزة الإنتاجية النسبية الأمريكية إلى رافعة عالمية. فقد حققت واشنطن سيطرة على الاحتياطيات في نصف الكرة الغربي، وأعادت تشكيل سلاسل التوريد الأوروبية، ومارست ضغطاً على إيرادات المنافسين، مجسدة إرادة لخلق «تغيير في الوضع» مركزي على الطاقة بدلاً من انتصار كلاسيكي. غير أن الإعاقة الداخلية تطرح سؤالاً حول استدامة هذا الإسقاط. فالأسعار القياسية للديزل وارتفاع فواتير الكهرباء وردود فعل الناخبين جعلت التكلفة السياسية الداخلية للحركات الخارجية ظاهرة للعيان، بينما أضعفت خطوات مثل تعليق عقوبات الديزل و«وقف إطلاق النار الطاقي» اتساق هدف «إضعاف المنافسين». 

ويتساءل الكاتب إن كانت إدارة ترامب قد فعلت ما يلزم لمصلحة أمريكا (حتى لو لم يظهر ذلك للناخبين)، أم أنها تقف على أعتاب حفر قبرها بنفسها مع اقتراب الانتخابات. ويرى أن هيمنة الطاقة قد تكون توجهاً ضرورياً على المدى الطويل لأمن الإمداد واعتماد الحلفاء وإضعاف المنافسين، لكن غياب دعمها بصلابة الجبهة الداخلية وإدارة متسقة للحلفاء يزيد خطر انقلابها ضد الإدارة على أعتاب الانتخابات. فالتغييرات التي تحققت خارجياً تتآكل إذا طغت التكاليف السياسية والاقتصادية الداخلية، وعندها لا تتحول هيمنة الطاقة إلى إسقاط دائم للقوة. والاستخلاص الاستراتيجي للعامين هو أن محور الطاقة خلق رافعة عالمية ظاهرة، لكن طالما لم يُقم توازن سياسي داخلي، فإن هذه الرافعة قد تنقلب ضد صاحبها عند عتبة الانتخابات، ونتائج الاقتراع ستكون أول اختبار ملموس لمدى نجاح هذا التوازن أو فشله.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!