ترك برس

في خضم التوترات المتصاعدة على الساحة الأوكرانية، تبرز حسابات التمويل السياسي والعسكري كعامل حاسم في رسم مسار الصراع. فالحرب التي دخلت عامها الرابع لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها مصالح أوروبا وأمريكا وروسيا، حيث يلعب الدعم المالي دور المحرك الأساسي لاستمرار القتال أو الضغط نحو تسوية. 

هذا ما يسلط عليه الضوء المحلل والكاتب غورسيل توكماك أوغلو، الرئيس السابق لدائرة استخبارات القوات الجوية التركية، في مقال تحليلي نشره موقع إندبندنت تركية، حول خطاب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أمام قادة أوروبا.

يقول الكاتب إن زيلينسكي رسم في اجتماع المجلس الأوروبي يومي 15 و16 أكتوبر 2026 صورة واضحة أمام القادة الأوروبيين، مؤكداً أن الحرب ستكلف 155 مليار يورو العام المقبل، وأنه يتوجب على أوروبا أن توفر ما لا يقل عن 70 مليار يورو من هذا المبلغ. 

ويضيف توكماك أوغلو أن زيلينسكي وصف هذا الرقم بأنه "واقعي"، مركزاً بشكل خاص على إنتاج المسيرات، حيث أوضح أن القوات الأوكرانية تمكنت من قطع الجزء الأكبر من الهجمات الروسية وخطوط الإمداد باستخدام الطائرات المسيرة، وأنه يمكن مضاعفة الإنتاج مرتين أو ثلاث مرات إذا توفرت الموارد الإضافية. 

وفي السياق ذاته، يشير الكاتب إلى أن زيلينسكي رفض خطاب بوتين حول الاستعداد لإنهاء الحرب، معتبراً إياه يعني في الحقيقة استسلام أوكرانيا، بينما تستعد روسيا لتمديد الصراع إلى العام المقبل، مطالباً بعدم تخفيف العقوبات وخاصة فيما يتعلق باتفاق الديزل.

ويكشف هذا الخطاب، بحسب توكماك أوغلو، الجانب السياسي للحرب أكثر من مسارها العسكري. فزيلينسكي يوجه رسالة واضحة إلى أوروبا مفادها: "إذا مولتمونا فسنواصل الدفاع عن أنفسنا وعن أمنكم أيضاً". وقد ردت أوروبا بدعم حازم، مع إعطاء الأولوية لتعزيز الدفاع الجوي والبنية التحتية للطاقة مع اقتراب الشتاء. 

غير أن الكاتب يلفت الانتباه إلى أن فجوة التمويل لعام 2027 لا تزال مثار جدل، رغم استمرار إطار القروض الأوروبي البالغ 90 مليار يورو، حيث يبقى توزيع الأعباء الإضافية غير واضح.

أما على الضفة الأخرى من الأطلسي، فيرسم توكماك أوغلو صورة مغايرة تماماً. ففي واشنطن، أرجأت إدارة ترامب في 16 أكتوبر معظم بنود قانون ليندسي غراهام الذي كانت قد وقعته في 18 سبتمبر، مستندة إلى مبرر "المصلحة الوطنية". 

وكان القانون يتضمن رسوماً جمركية مرتفعة وعقوبات ثانوية تهدف إلى قطع إيرادات الطاقة الروسية. ويلاحظ الكاتب أن هذا التأجيل جاء مباشرة بعد اتفاق الديزل، في وقت يضع فيه ترامب أولوية خفض أسعار الطاقة قبل الانتخابات النصفية. 

وبالتوازي، ارتفعت حدة اللهجة تجاه زيلينسكي، مع دعوات لإجراء انتخابات ووصفه بأنه "أصعب من بوتين"، فيما انتقل زيلينسكي بدوره من محاولة إقناع الولايات المتحدة إلى النقد العلني، في ما يصفها الكاتب بخط "إما الكل أو لا شيء".

وعلى الصعيد العسكري، يؤكد توكماك أوغلو أن البحث عن نصر كلاسيكي قد أفسح المجال لاستراتيجية الاستنزاف وتغيير الواقع الميداني. فطوال عام 2026 ظل التقدم الروسي محدوداً، بينما نجحت أوكرانيا عبر عملية "فيفالدي" في استعادة بعض المبادرة في دونيتسك، وتعثر مخطط الحصار الروسي لخط سلوفيانسك-كراماتورسك. 

وتتقدم روسيا ببطء مقابل خسائر بشرية مرتفعة، فيما تكثف هجماتها الصاروخية والمسيرة على البنية التحتية للطاقة مع اقتراب الشتاء، مما يزيد من الخسائر المدنية. وهكذا أصبحت المسيرات والدفاع الجوي العنصر الحاسم لدى الطرفين، في حرب لا تحقق فيها أي جهة نصراً حاسماً، بل تتصارع على المواقع والاستنزاف المتبادل.

ويخلص الكاتب إلى أن التوجه السياسي أصبح أكثر وضوحاً: فأوروبا ترى في أوكرانيا جزءاً من أمنها القومي، وتستمر في تمويلها بما يحافظ على قدرة زيلينسكي على مواصلة القتال. أما في الولايات المتحدة فقد طغت الحسابات الداخلية المتعلقة بالانتخابات وأسعار الطاقة والبحث عن صفقة، مما يزيد الضغط على أوكرانيا. 

وبينما يصوّر ترامب زيلينسكي كمشكلة، يلجأ الأخير إلى أوروبا للرد، الأمر الذي يفتح المجال أمام بوتين لاستغلال الفجوة بين الجانبين الغربيين.

وفي النهاية، يلخص توكماك أوغلو الصورة قائلاً إن الحرب لا تنتهي عسكرياً، بل تمتد عبر الاستنزاف وتغيير الواقع الميداني. أما سياسياً، فتُدفع أوروبا إلى تحمل أعباء أكبر، بينما تنحو الولايات المتحدة نحو مرونة أكبر تجاه روسيا مدفوعة بحسابات انتخابية. 

ويؤكد أن خروج زيلينسكي في بروكسل كشف هذا التوتر بوضوح: فإذا استمر التمويل استمرت الحرب، وإذا تقلص زادت الضغوط السياسية. وفي الحالتين، ليس النصر هو المحدد، بل حسابات المواقع والتكاليف. ويبقى السؤال مفتوحاً حول مدى تعمق هذا الانقسام وتأثيره على موازين الطاقة والأمن في منطقة أوسع.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!