
ترك برس
تدخل إسرائيل استحقاقها الانتخابي المرتقب في 27 أكتوبر/تشرين الأول، وسط تجاذبات سياسية تتجاوز التنافس على تشكيل الحكومة إلى مستقبل بنيامين نتنياهو السياسي، في ظل الملاحقات القضائية الدولية المرتبطة بالحرب على غزة، وتراجع صورة إسرائيل على الساحة الدولية، والخلافات الداخلية بشأن التجنيد الإلزامي ومستقبل القضية الفلسطينية. وفيما يطرح غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق، نفسه منافسًا لنتنياهو، تظل معادلة تشكيل الحكومة رهينة تحالفات الأحزاب، في نظام سياسي اعتاد الائتلافات المتقلبة وتعذر حصول حزب واحد على أغلبية برلمانية.
وفي قراءة لهذه التطورات، يرى الكاتب الصحفي التركي عبد الله مراد أوغلو، في مقال بصحيفة «يني شفق» تحت عنوان «اختيار نتنياهو الإبادي للمصير»، أن الانتخابات تمثل لحظة حاسمة بالنسبة إلى نتنياهو، وأن خسارته السلطة قد لا تعني انتهاء مسيرته السياسية فحسب، بل قد تفتح الباب أمام تداعيات قضائية خطيرة على خلفية قضايا الفساد الملاحق بها. ويربط الكاتب بين مستقبل نتنياهو السياسي وبين الحرب على غزة، ومكانة إسرائيل الدولية، ومحاولات القوى الأوروبية الليبرالية البحث عن مخرج من أزمة دعمها لإسرائيل.
ويشير مراد أوغلو إلى أن الانتخابات ستشهد مشاركة نحو 40 حزبًا، وأن استطلاعات الرأي التي يستند إليها مقاله لا تمنح أيًا من المعسكرين القدرة على تشكيل الحكومة منفردًا. وبموجب النظام البرلماني الإسرائيلي، يتعين على الحزب أو الكتلة الحصول على دعم 61 نائبًا من أصل 120 في الكنيست لتشكيل الحكومة، ما يجعل الأحزاب الصغيرة وشركاء الائتلاف عاملًا حاسمًا في تحديد هوية رئيس الوزراء المقبل.
ويرى الكاتب أن هذه المعادلة تجعل الانتخابات «انتخابات مصير» بالنسبة إلى نتنياهو، إذ يقول إن وصول آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة قد يعني خسارة نتنياهو السلطة، إلى جانب احتمال تفاقم متاعبه القضائية. ويصفه بأنه «هارب» بسبب مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحقه، معتبرًا أن بقاءه في الحكم يمثل بالنسبة إليه وسيلة لتفادي تداعيات سياسية وقضائية قد تترتب على مغادرته منصبه.
ويذهب مراد أوغلو إلى أبعد من ذلك، إذ يرى أن نتنياهو مستعد، في سبيل البقاء في السلطة، لارتكاب «كل أنواع الشرور»، بما في ذلك إشعال حرب جديدة. ويعكس هذا التوصيف قراءة الكاتب لدوافع نتنياهو السياسية، ولا يمثل بحد ذاته إثباتًا لوجود خطة محددة لافتعال حرب بهدف التأثير في نتائج الانتخابات.
مذكرة المحكمة الجنائية الدولية ومحاكمة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية
وتكتسب الملاحقات القضائية الدولية أهمية خاصة في تحليل الكاتب لمستقبل نتنياهو، إذ يربط بين استمرار بقائه في الحكم وبين صعوبة استعادة إسرائيل صورتها الدولية. وفي هذا السياق، أصدر قضاة المحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرتي توقيف بحق نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سياق الحرب على غزة. وتشمل الاتهامات الموجهة إلى نتنياهو، وفق المحكمة، التجويع بوصفه أسلوبًا من أساليب الحرب، والقتل والاضطهاد وأفعالًا لا إنسانية أخرى، فضلًا عن توجيه هجمات عمدًا ضد السكان المدنيين. وهذه اتهامات قضائية وليست حكمًا نهائيًا بالإدانة.
ويشير مراد أوغلو إلى أن إسرائيل تواجه، بالتوازي مع قضية المحكمة الجنائية الدولية، دعوى أمام محكمة العدل الدولية رفعتها جنوب إفريقيا بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. ووفق السجل الرسمي للمحكمة، ظلّت القضية قائمة في عام 2026، وشهدت تطورات إجرائية جديدة، بينها تحديد مهل لتقديم المذكرات في مايو/أيار، وتسجيل تطورات متصلة بتدخل دول في الإجراءات خلال العام نفسه.
ومن وجهة نظر الكاتب، تضع هذه التطورات «أوروبا الليبرالية» في موقف بالغ الصعوبة، إذ تجد نفسها أمام تحدي مواصلة دعم إسرائيل بينما تتصاعد الانتقادات الدولية لسلوك حكومتها خلال الحرب. ويرى أن صورة إسرائيل الدولية تضررت إلى درجة تجعل تغيير القيادة في تل أبيب، من وجهة نظر بعض القوى الأوروبية، شرطًا لاستعادة قدر من القبول الدولي. لكنه يلفت في الوقت ذاته إلى أن تغيير رئيس الوزراء لا يعني بالضرورة تغيير السياسات الإسرائيلية الأساسية.
«أوروبا الليبرالية» ونتنياهو.. خلاف على الصورة لا على جوهر السياسة
ويقول مراد أوغلو إن نتنياهو لم يعد موضع رفض لدى خصوم إسرائيل وحدهم، بل بات يواجه، بحسب قراءته، نفورًا لدى قطاعات من اليهود المقيمين خارج إسرائيل، بمن فيهم يهود في الولايات المتحدة ودول غربية أخرى. وينقل الكاتب عن هذه الأوساط اتهامها نتنياهو بأنه يسهم في إحياء معاداة السامية، كما يشير إلى القلق من علاقاته مع أحزاب اليمين الراديكالي الصاعدة في أوروبا.
ويربط الكاتب هذه الانتقادات بتداعيات الحرب على غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، معتبرًا أن انتقال أعداد من الشباب اليهود الليبراليين والعلمانيين إلى دول غربية يعكس، في جانب منه، اتساع الخلاف مع السياسات التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية. كما يذهب إلى أن نتنياهو يحاول الحد من تأثير الإسرائيليين العلمانيين المقيمين في الخارج عبر عرقلة مشاركتهم الانتخابية، وهي نقطة يوردها الكاتب ضمن تحليله للصراع السياسي الداخلي.
وفي المقابل، يرى مراد أوغلو أن «أوروبا الليبرالية» لا تسعى بالضرورة إلى مراجعة الأسس الأيديولوجية للسياسة الإسرائيلية، بقدر ما تبحث عن قيادة تستطيع تخفيف الأضرار التي لحقت بصورة إسرائيل. ويقول إن قطاعات من الرأي العام في الولايات المتحدة وأوروبا باتت أكثر انتقادًا لإسرائيل، الأمر الذي يضع الحكومات الغربية أمام ضغوط سياسية متزايدة.
وتدعم تقارير حديثة وجود تحديات متصاعدة أمام إسرائيل على صعيد الرأي العام والعلاقات الدولية، وإن كانت لا تثبت بالضرورة كل استنتاجات الكاتب بشأن دوافع الحكومات الأوروبية. فقد تناولت تغطية وكالة «أسوشيتد برس» للانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 الجدل المتصل بسلوك الحكومة خلال الحرب، إلى جانب التنافس على تشكيل الحكومة المقبلة، فيما أشارت تقارير أخرى إلى أن استعادة العلاقات الدولية وتحسين صورة إسرائيل من القضايا التي يطرحها منافسو نتنياهو.
آيزنكوت ونتنياهو.. تنافس انتخابي من دون اختلاف جوهري بشأن فلسطين
غير أن النقطة المركزية في تحليل مراد أوغلو تتمثل في أن المنافسة بين نتنياهو وآيزنكوت لا تعني بالضرورة وجود خلاف جوهري بينهما بشأن الحقوق الفلسطينية. ويقول الكاتب إن آيزنكوت وغيره من المنافسين لا يختلفون كثيرًا عن نتنياهو سياسيًا وأيديولوجيًا، رغم أن «أوروبا الليبرالية» تفضّل رؤيته في السلطة.
ويعتبر مراد أوغلو أن الأحزاب الصهيونية الإسرائيلية تتنافس، على اختلاف مواقعها، في رفض منح «دولة فلسطين» فرصة للحياة، على حد تعبيره، حتى في الوقت الذي تعلن فيه القوى الليبرالية الأوروبية دعمها المعلن لحل الدولتين. ويستشهد الكاتب بتصريحات منسوبة إلى آيزنكوت أعلن فيها معارضته إقامة دولة فلسطينية، ونفى أن يكون قد قال إن حل الدولتين لشعبين هو الحل الصحيح. كما يشير إلى نشر آيزنكوت مقطعًا مصورًا يظهر بنيامين نتنياهو وهو يصافح الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، في سياق سجاله الانتخابي مع رئيس الوزراء.
وفي المقابل، ينقل الكاتب تحذير نتنياهو من أن وصول حكومة بقيادة آيزنكوت قد يفتح الطريق أمام إقامة دولة فلسطينية. ويرى في هذا التناقض مفارقة سياسية؛ إذ يتبادل الطرفان الاتهامات بشأن الموقف من الدولة الفلسطينية، بينما يسعى كل منهما إلى إظهار نفسه بوصفه الأقدر على حماية المصالح الإسرائيلية.
ويخلص مراد أوغلو إلى أن تفضيل «أوروبا الليبرالية» لآيزنكوت لا يعني أنها تتوقع تحولًا جذريًا في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، بل إنها قد ترى في وصوله فرصة لتخفيف الضغوط الدولية وإعادة ترتيب العلاقات الخارجية. وفي هذا السياق، تتقاطع قراءة الكاتب مع تقييمات صحفية حديثة تصف آيزنكوت بأنه منافس يسعى إلى استعادة الشرعية الدولية وإدارة الصراع، من دون تبنّي موقف واضح مؤيد لإقامة دولة فلسطينية.
تجنيد «الحريديم».. خلاف داخلي يهدد توازنات الائتلاف
ومن الملفات التي يسلط عليها المقال الضوء قضية تجنيد اليهود الحريديم، المعروفين أيضًا باسم «اليهود المتشددين دينيًا»، في الجيش الإسرائيلي. ويقول مراد أوغلو إن آيزنكوت يتعهد، في حملته الانتخابية، بإخضاع الحريديم للخدمة العسكرية الإلزامية، مقدمًا الانتخابات للناخبين باعتبارها مفاضلة بين «حكومة نتنياهو المكوّنة من المتهربين من الخدمة العسكرية» و«حكومة تجنيد الصهاينة».
وتعكس هذه القضية خلافًا أوسع بشأن توزيع أعباء الخدمة العسكرية داخل المجتمع الإسرائيلي، ولا سيما في ظل استمرار الحرب والاحتياجات العسكرية. وتظهر وثائق الكنيست أن المسألة ظلت موضع تشريع ونقاش خلال عام 2026؛ ففي يوليو/تموز أقر الكنيست إجراءً مؤقتًا خاصًا بتجميد إجراءات اعتقال بعض طلاب المعاهد الدينية الحريدية، فيما استمرت مناقشة مقترحات تنظيم تجنيد طلاب المعاهد الدينية.
وبحسب الكاتب، لا تقتصر أهمية هذا الملف على الجدل حول المساواة في أداء الخدمة العسكرية، بل تمتد إلى حسابات تشكيل الحكومة؛ إذ تمثل الأحزاب الحريدية جزءًا من المعادلة الائتلافية التي يعتمد عليها نتنياهو. ومن ثم، فإن التعهد بتوسيع التجنيد قد يجذب ناخبين يرون أن أعباء الحرب لا ينبغي أن تقع على فئات دون أخرى، لكنه قد يضع أي حكومة مقبلة أمام مواجهة مع الأحزاب التي تتمسك بالاستثناءات الممنوحة لطلاب المعاهد الدينية.
استطلاعات الرأي وحسابات الائتلاف.. من يتصدر لا يضمن الحكم
وفي ما يتعلق بموازين القوى الانتخابية، يشير مراد أوغلو إلى أن استطلاعات الرأي التي يستند إليها المقال تمنح حزب «ياشار» بقيادة آيزنكوت 22 مقعدًا، مقابل 20 مقعدًا لحزب «الليكود» بقيادة نتنياهو. غير أن الكاتب يشدد على أن التقدم في عدد المقاعد لا يكفي وحده لتشكيل الحكومة، لأن الحسم يتوقف على قدرة كل معسكر على جمع دعم 61 نائبًا في الكنيست.
وتتوافق هذه الأرقام مع استطلاع نشرته هيئة البث الإسرائيلية «كان» في أكتوبر/تشرين الأول، ونقلته وكالة الأناضول، أظهر تقدم آيزنكوت على نتنياهو في سؤال تفضيل رئيس الوزراء، بنسبة 43% مقابل 38%، مع توقع حصول حزب «ياشار» على 22 مقعدًا مقابل 20 لـ«الليكود». وأظهر الاستطلاع أيضًا أن معسكر نتنياهو لا يصل إلى الأغلبية المطلوبة، ما يعزز أهمية الأحزاب الصغيرة والمفاوضات التي ستلي الانتخابات.
ويحذر مراد أوغلو من أن عدم تمكن أي معسكر من تشكيل حكومة قد يؤدي إلى انتخابات جديدة، وهو احتمال يرى أنه قد يصب في مصلحة نتنياهو مؤقتًا؛ إذ سيبقى رئيسًا للحكومة إلى حين تشكيل حكومة جديدة، ما يتيح له، بحسب تحليل الكاتب، مواصلة إضعاف منافسيه ومحاولة تفكيك معسكرهم.
ويشير المقال كذلك إلى احتمال التوصل إلى ائتلاف يتضمن صيغة «رئاسة الوزراء بالتناوب» بين نتنياهو وآيزنكوت، لكنه يستبعد أن يصمد مثل هذا الترتيب طويلًا. ويستشهد بتجربة الائتلاف الذي تشكل في مايو/أيار 2020 بين نتنياهو وبيني غانتس، رئيس الأركان السابق، والذي كان يفترض أن يتولى غانتس رئاسة الحكومة في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، قبل أن ينهار الائتلاف ويُحل الكنيست من دون تنفيذ عملية التناوب.
ويخلص الكاتب من هذه التجربة إلى أن الاتفاقات الائتلافية في إسرائيل لا تضمن بالضرورة انتقال السلطة وفق المواعيد المتفق عليها، خصوصًا عندما تتعارض مع حسابات رئيس الوزراء ومصالحه السياسية. ولذلك، يرى أن نتنياهو سيحاول استثمار تعقيدات النظام الحزبي وتعدد صيغ تشكيل الحكومة للبقاء في السلطة، حتى إن لم يحقق حزبه النتيجة الأفضل في صناديق الاقتراع.
الخلاصة: انتخابات على مستقبل نتنياهو وحدود التغيير
في المحصلة، يقدم عبد الله مراد أوغلو الانتخابات الإسرائيلية باعتبارها اختبارًا لمستقبل نتنياهو السياسي، لكنه لا يصورها بوصفها بالضرورة مفاضلة بين نهجين متباينين في التعامل مع الفلسطينيين. فمن وجهة نظره، قد يتيح صعود آيزنكوت لـ«أوروبا الليبرالية» فرصة لتحسين صورة إسرائيل وتخفيف الضغوط الدولية، من دون أن يعني ذلك تحولًا جوهريًا في المواقف الإسرائيلية من إقامة دولة فلسطينية.
وفي الوقت نفسه، يربط الكاتب فرص نتنياهو في البقاء بالحسابات البرلمانية، والخلاف حول تجنيد الحريديم، وإمكانية إعادة تشكيل التحالفات أو الذهاب إلى انتخابات جديدة. أما الملاحقات القضائية الدولية، فيراها عاملًا يزيد من ثقل الاستحقاق بالنسبة إلى رئيس الوزراء، في ظل استمرار مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية والقضية المنظورة أمام محكمة العدل الدولية.
وبذلك، فإن السؤال الذي يطرحه المقال لا يتعلق فقط بمن سيحصل على أكبر عدد من المقاعد، بل بما إذا كانت الانتخابات ستفضي إلى تغيير فعلي في سياسات إسرائيل أم إلى تبديل في القيادة يهدف، بالدرجة الأولى، إلى احتواء أزمة صورتها الدولية. ويختتم مراد أوغلو تحليله بالتأكيد على أن نتنياهو سيستغل كل الصيغ الائتلافية المتاحة للبقاء في الحكم، في حين ينتظر منتقدوه أن تفضي الملاحقات القضائية إلى محاسبته على الجرائم المنسوبة إليه.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











