
ترك برس
تعتزم تركيا زيادة مخصصات شراء الأسلحة والذخائر والأنظمة العسكرية بنسبة 229% خلال عام 2027، في خطوة تعكس توجه أنقرة إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وتوسيع استثماراتها في الصناعات العسكرية المحلية، وسط تحولات أمنية متسارعة تشهدها المنطقة.
وأعلن نائب الرئيس التركي جودت يلماز، الجمعة 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تخصيص تريليونين و206 مليارات ليرة تركية، ما يعادل نحو 44.6 مليار دولار، لإجمالي النفقات الدفاعية ضمن مشروع الموازنة العامة للعام المقبل.
وأوضح يلماز، خلال عرض مشروع موازنة الحكومة المركزية في المجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة، أن الزيادة البالغة 229% تشمل تحديدًا مخصصات وزارة الدفاع الوطني لشراء الأسلحة والذخائر ومنظومات التسليح والمعدات الدفاعية الأخرى، وليس إجمالي الإنفاق الدفاعي للدولة.
كما كشف عن تخصيص تريليون و248 مليار ليرة، أي نحو 25.2 مليار دولار، للأمن الداخلي، ليرتفع إجمالي الموارد المخطط تخصيصها لقطاعي الدفاع والأمن إلى 3 تريليونات و454 مليار ليرة، بما يقارب 70 مليار دولار.
تقليل الاعتماد على الخارج
أكد نائب الرئيس التركي أن زيادة المخصصات الدفاعية تأتي ضمن استراتيجية حكومية تستهدف تقليص الاعتماد على الموردين الأجانب في التقنيات العسكرية الحساسة، وتطوير قدرات الإنتاج المحلي، وصولًا إلى تحقيق تفوق تكنولوجي مستدام.
وتسعى أنقرة إلى تعزيز استقلالها في تصنيع الأنظمة الدفاعية المتقدمة، خصوصًا الطائرات المسيّرة والمقاتلات وأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ والسفن الحربية، إلى جانب توطين إنتاج المحركات والمكونات الإلكترونية والتقنيات المرتبطة بها.
ويأتي هذا التوجه ضمن السياسة الدفاعية التي تبنتها تركيا خلال العقدين الماضيين، والتي جعلت من الصناعات العسكرية المحلية إحدى ركائز الأمن القومي والسياسة الخارجية.
صادرات دفاعية تتجاوز 10 مليارات دولار
بالتوازي مع زيادة الإنفاق، سجلت الصناعات الدفاعية التركية نموًا كبيرًا في صادراتها خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بتوسع قاعدة الإنتاج المحلي وارتفاع الطلب الخارجي على المعدات العسكرية التركية.
وأشار يلماز إلى أن صادرات قطاعي الدفاع والطيران، التي لم تتجاوز 248 مليون دولار عام 2002، ارتفعت إلى 10.05 مليارات دولار في عام 2025، أي أكثر من 40 ضعفًا خلال نحو 23 عامًا.
ومثّل هذا الرقم مستوى قياسيًا للصادرات السنوية للقطاع، بزيادة بلغت نحو 48% مقارنة بعام 2024، عندما سجلت الصادرات قرابة 7.1 مليارات دولار.
واستمر نمو القطاع خلال عام 2026، إذ تجاوزت الصادرات الدفاعية والجوية التركية 11 مليار دولار على أساس سنوي متحرك بنهاية يونيو/حزيران، بحسب بيانات رئاسة الصناعات الدفاعية.
ويعكس هذا التوسع تحول تركيا من الاعتماد الواسع على شراء المعدات العسكرية من الخارج إلى تصنيع وتصدير مجموعة متنوعة من الأنظمة الدفاعية.
من المسيّرات إلى المقاتلات والسفن الحربية
شهدت الصناعة الدفاعية التركية خلال السنوات الأخيرة تطورًا لافتًا، خصوصًا في قطاع الطائرات دون طيار، الذي برزت فيه شركات مثل «بايكار» و«توساش»، مع إنتاج طائرات «بيرقدار تي بي 2» و«أقنجي» و«أنكا»، إلى جانب تطوير الطائرة القتالية غير المأهولة «قزل إلما».
وتعمل أنقرة كذلك على تطوير المقاتلة الوطنية من الجيل الخامس «قآن»، التي نفذت أول رحلة تجريبية لها في فبراير/شباط 2024، ضمن مشروع طويل الأمد يهدف إلى تعزيز استقلال سلاح الجو التركي في مجال الطائرات المقاتلة.
وفي مجال الدفاع الجوي، تواصل تركيا تطوير منظومة «القبة الفولاذية»، التي تهدف إلى دمج أنظمة الرصد والإنذار المبكر والصواريخ الدفاعية ضمن شبكة متكاملة للتعامل مع التهديدات الجوية.
أما في القطاع البحري، فقد وسعت تركيا قدراتها عبر مشروع السفن الحربية الوطنية «ميلغم»، إلى جانب تطوير الفرقاطات والغواصات والمنصات البحرية المتخصصة.
وتسعى هذه المشروعات إلى تعزيز قدرات الجيش التركي، وفي الوقت نفسه زيادة فرص الشركات المحلية في أسواق التصدير العالمية.
تحولات إقليمية تعزز الإنفاق العسكري
تأتي الزيادة المعلنة في ظل بيئة أمنية معقدة تحيط بتركيا، مع استمرار التوترات في البحر الأسود وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، والتطورات العسكرية في الشرق الأوسط، فضلًا عن التحديات الأمنية المرتبطة بالحدود الجنوبية للبلاد.
وتحتفظ تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، بأحد أكبر الجيوش في الحلف من حيث عدد الأفراد، وتسعى إلى تحديث قدراتها العسكرية بما يواكب التطورات في أساليب القتال والتكنولوجيا الدفاعية.
كما تتيح زيادة الإنتاج العسكري المحلي لأنقرة هامشًا أوسع في إدارة علاقاتها الدفاعية، وتقليل تأثر بعض مشروعاتها بقيود تصدير المعدات والمكونات الأجنبية.
وتندرج الزيادة المخطط لها في مخصصات شراء الأسلحة ضمن هذا التوجه، الذي يجمع بين تحديث القوات المسلحة ودعم قطاع صناعي بات يمثل مصدرًا متناميًا لعائدات التصدير.
موازنة دفاعية ضمن أولويات اقتصادية أوسع
تأتي الزيادة في الإنفاق الدفاعي ضمن مشروع موازنة عام 2027، الذي تتوقع الحكومة التركية أن تبلغ نفقاته الإجمالية نحو 27 تريليونًا و276 مليار ليرة، مقابل إيرادات مقدرة بنحو 23 تريليونًا و408 مليارات ليرة.
وتستهدف الحكومة تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 4.2% خلال العام المقبل، مع خفض التضخم إلى نحو 21%، في إطار برنامج اقتصادي يركز على استقرار الأسعار وزيادة الإنتاج والاستثمار والصادرات.
ويعكس تخصيص موارد كبيرة لقطاعي الدفاع والأمن استمرار أولوية تحديث القدرات العسكرية لدى الحكومة، رغم التحديات المرتبطة بتمويل الإنفاق العام وضبط التضخم.
ومع اقتراب مناقشة مشروع الموازنة في البرلمان التركي، تتجه الأنظار إلى تفاصيل توزيع المخصصات الدفاعية الجديدة، ومدى انعكاسها على برامج التسليح والإنتاج المحلي خلال السنوات المقبلة.
وبين زيادة الإنفاق وارتفاع الصادرات، تراهن أنقرة على تعزيز موقعها في سوق الصناعات العسكرية العالمية، وتحويل التقدم التقني في هذا القطاع إلى مكاسب أمنية وصناعية واقتصادية طويلة الأمد.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











