ترك برس

تعود اليمن إلى واجهة الأحداث الإقليمية والدولية مرة أخرى، ليس بسبب محصولها التاريخي الشهير فحسب، بل بسبب موقعها الاستراتيجي الحساس وصراعاتها الممتدة التي تهدد ممرات التجارة العالمية. 

وفي هذا الإطار، يقدم الكاتب غوربوز إيفرين تحليلاً تاريخياً وسياسياً معمقاً في موقع «إندبندنت تركية»، مستعرضاً جذور الصراع بين الحوثيين والسعودية، وربطه بالتاريخ العثماني والمصالح المتغيرة في المنطقة.

يستهل إيفرين مقاله بالتذكير بأن اليمن فُتحت في عهد السلطان ياووز سليم عام 1571، ثم فُقدت بموجب هدنة مودروس عام 1918 بعد نحو 350 عاماً. ويشير إلى أن قتال الجنود الأتراك في صحاري اليمن عام 1917 ضد الإنجليز والقبائل العربية خلال الحرب العالمية الأولى انعكس في الأغاني الشعبية وترك أثراً في الذاكرة التركية. 

أما اليوم، فيعيد الصراع بين السعودية والحوثيين اليمن إلى الواجهة، ويثير تساؤلات حول إمكانية إرسال قوات تركية مجدداً إلى هناك في ظل «تحالف مكة» بين تركيا والسعودية وباكستان.

ويوضح الكاتب أن الحوثيين يتمركزون أساساً في المناطق الجبلية غرب البلاد، وليس في قلب الصحراء كما يُظن. ويقول إنهم أخفوا صواريخهم وأسلحتهم الثقيلة وطائراتهم المسيرة في آلاف الكهوف والصخور الجبلية، مما يجعل أي عملية برية سعودية في تلك المناطق أمراً شبه مستحيل. 

ويؤكد إيفرين أن الحرب بين الطرفين لم تبدأ اليوم، وأن الحوثيين ليسوا أول من هاجم منشآت شركة أرامكو؛ فقد سبقهم تنظيم القاعدة عام 2006، بينما نفذ الحوثيون أكبر هجماتهم في سبتمبر 2019 وألحقوا أضراراً جسيمة قلصت نحو 5% من إمدادات النفط العالمية، ثم استمروا في استهداف أرامكو أعوام 2020 و2021 و2022 حتى تدخلت الأمم المتحدة وأُعلن وقف إطلاق النار عام 2022.

ويرجع الكاتب جذور المشكلة إلى اتفاقية الحدود التي وقعها الرئيس اليمني آنذاك علي عبد الله صالح مع السعودية عام 2000. ويشرح أن الحوثيين، وهم قبيلة كبيرة تنتمي إلى الزيدية أقرب فروع الشيعة إلى السنة، غضبوا من صالح لاعتقادهم أنه باع حقوق القبائل اليمنية للسعوديين. وخلال الربيع العربي، أطاحوا به بدعم بعض القبائل وبمساندة إيرانية كبيرة. وعندما سيطروا على العاصمة صنعاء عام 2014، فر الرئيس منصور هادي إلى السعودية، لتندلع حرب طويلة الأمد. 

ويذكر إيفرين أن تحالفاً بقيادة سعودية ضم مصر والمغرب والأردن والإمارات والسنغال والسودان والكويت والبحرين وقطر تشكل عام 2015، مدعوماً من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وكندا. ويستطرد قائلاً إن الحصار السعودي بين 2015 و2022 تسبب في أزمة إنسانية كارثية، حيث مات عشرات الآلاف من اليمنيين جوعاً ومرضاً بسبب منع دخول الأدوية والمواد الغذائية الأساسية.

وينتقل الكاتب إلى المرحلة الراهنة، مشيراً إلى أن الحرب التي توقفت جزئياً عادت مع تصاعد التوتر الإيراني الأميركي في مضيق هرمز. ويقول إن نزول الحوثيين السريع خلال الشهر الماضي إلى مضيق باب المندب المتحكم في البحر الأحمر، واحتلالهم بعض الجزر والمناطق، يعني نقل استراتيجية إيران لضرب الاقتصاد العالمي من هرمز إلى هذا المضيق أيضاً. 

ويؤكد أن باب المندب، الذي يمر عبره 24% من اللوجستيات العالمية وإمدادات النفط السعودية عبر خط الأنابيب شرق-غرب، أصبح نقطة حيوية ليس للسعودية فحسب بل للعالم بأسره.

ويعدد إيفرين مطالب حركة أنصار الله (الحوثيين) من السعودية: رفع الحصار بالكامل، وتسليم إدارة اليمن لهم، ومنحهم حصة كبيرة من عائدات النفط والغاز حتى إقامة نظام جديد، وعدم تشكيل تحالفات ضدهم، ودفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت باليمن واليمنيين بين 2015 و2022. 

ويرى أن السعودية، بوصفها قوة صاعدة، تعتبر تلبية هذه المطالب مساساً بهيبتها. ويذكر أن الرئيس أردوغان كان قد انتقد الرياض سابقاً في 10 أكتوبر 2019 قائلاً: «على السعودية أن تنظر في المرآة. من أوصل اليمن إلى هذا الحال؟ ألم يمت عشرات الآلاف هناك؟ أيها السعوديون، حاسبوا أنفسكم أولاً».

ويختم إيفرين بأن الظروف العالمية والإقليمية تغيرت كثيراً، وأن علاقات تركيا والسعودية وصلت إلى نقطة تتقاطع فيها المصالح. ويذكرنا بأن القول المأثور «لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة في العلاقات الدولية» لا يزال سارياً. 

ويعود في النهاية إلى عبارة «القهوة تأتي من اليمن»، مستذكراً أن العثمانيين حين فتحوا اليمن عام 1571 كان العالم يتعرف على القهوة للتو، وكانت مزارعها تحت سيطرة الهولنديين والبرتغاليين الذين اضطروا لاحقاً إلى دفع الضرائب للعثمانيين قبل أن ينقلوا زراعتها إلى البرازيل والكاريبي. 

وهكذا كانت اليمن في الماضي مصدر المنتج الأكثر طلباً، أما اليوم فباتت مصدر القلق العالمي بسبب سيطرتها المحتملة على مضيق باب المندب الذي يمر منه النفط واللوجستيات.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!